الشبكة العربية

الخميس 23 مايو 2019م - 18 رمضان 1440 هـ
الشبكة العربية

فتاة سورية تكشف تفاصيل أهوال الاعتقال بسجون بشار والهرب إلى تركيا

3503960_1069-1069-5-5

كشفت السورية نور حذيفة عن تفاصيل معاناتها داخل سجون نظام بشار الأسد، قبل أن تنتقل في نهاية عام 2012، من بانياس بمحافظة طرطوس السّورية نحو تركيا، حتى تتمكّن من بدء حياتها من جديد.


نور التي لم تتجاوز 24 عامًا، كانت لا تزال تلميذةً في الثانوية حين شاركت في الانتفاضة ضدّ نظام الحكم في سوريا، مما أدّى بها إلى التعرّض للاعتقال شهرًا كاملاً وسنّها لا تتجاوز 17 عامًا.

تتذكر نور في تصريحات إلى موقع ـTRT عربي، تفاصيل معاناتها، بالقول: تعرّضتُ لشتى أنواع التعذيب النفسي والجسدي، وكنت أسمعُ أصوات أخوَيّ وهما يتعرّضان للضرب بالسّوط، وأتمزّقُ من الداخل".

 تحكي نور ل قصّتها بصوتٍ يقطعه البكاء، تسترجع بألمٍ كبير أجواء الاعتقال الذي تعرّضت له في خريف 2012. تُضيف بنفس النّبرة الحزينة: "احتجزوني في إحدى الغرف لمدّة ساعتين، وكان هناك قطط وفئران وحشرات وطعام متعفّن على الأرض، بعدها نُقِلت إلى مهجع المعتقلات حيث سمعتُ قصصًا مروّعة. وفي الطابق الأرضي، رأيتُ جثث معتقلين سابقين".

هذا المشهد عاشه كثير من اللاجئين السوريين، منهم من استطاع الإفلات من الموت بأعجوبة، هاربًا نحو بلدان أخرى، ومنهم من قضى نحبه داخل السجون بعد مدة من اعتقاله، كما حصل مع رشاد وبشير، أخوَي نور، اللذين ماتا بعد سنة من سجنهما، بسبب التعذيب والمرض والإهمال، وكانت سنّهما على التوالي 20 و22 عامًا.

لا تزال صورُ المظاهرات والمسيرات عالقةً بذاكرة نور. تقول: " أتذكّر خروج المتظاهرين إلى السّاحات حاملين الورود، وكيف كانوا يقابلوننا بالرّصاص، حتى عندما جئتُ إلى هنا، لم أنجح، منذ البداية، في مسح مشاهد الحرب والدّماء التي كانت تملأ السّاحات من ذاكرتي".


لم يكن جميع السوريين محظوظين مثل "نور" التي استطاعت الفرار من الحرب. فطريقُ الهرب كانت محفوفةً بالمخاطر من كلّ جانب، سواء للذين اتجهوا إلى الدول المجاورة، مثل الأردن والعراق ولبنان وتركيا، أو حتى للذين لجؤوا إلى بلدان أوروبية كألمانيا والسويد والنمسا...

بالنسبة إلى نور، لم يكن الهرب نحو تركيا أمرًا سلسًا، فبعد خروجها من السجن، بدأت ملاحقتها من جديد، ولهذا السبب حُرمت من اجتياز مرحلةٍ مهمة جدًا في حياتها كشابة، تتمثل في اجتياز امتحانات الثانوية العامة.

"من أجل إنقاذ أنفسنا، اضطررنا إلى دفع كثير من المال رشوة لمجنّدي النظام، للتستر على موضوع هروبي، وهذا كان في حدّ ذاته مخاطرة كبيرة"، تؤكّد نور وهي تستعيدُ ذكريات الفرار من سوريا.

وتسترسل: "أحسستُ أنني خسرتُ كثيرًا من الأشياء، بما فيها متابعتي للدراسة في مجال الإعلام، والحلم الذي لازمني دائمًا في أن أصبح مذيعةً يوماً ما. هذا بالإضافة إلى الشوق إلى الأهل والأحباب والأصدقاء، والحزن الذي رافقنا دائمًا بسبب وفاة أخويّ".

نجحت نور وعائلتُها في الهرب إلى تركيا، لكنّ سوريين كثيرين لم يكن لهم مناصٌ آخر غير المغامرة بحياتهم في رحلات خطيرة نحو أوروبا. ومنذ بداية عام 2017 فُقد كثير من اللاجئين، ووُجد آخرون ميتين على الطريق، وبلغ عددهم 2811 شخصاً، حسب مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين.


كانت الطريقُ إلى تركيا شاقةً جدّاً، قطعتها نور مع والدتها وأخيها الأصغر بمشقّة النّفس. داهمها الخوفُ والتردّد من كلّ جانب وهي تغادرُ البيت حاملةً حقيبتها في اتجاه معبر كَسَب. كان قلبُها ينبض بقوة وهي راكبةٌ في سيارة مجنَّد من النظام السوري ساعدهم على المرور مقابل المال. القرارُ كان صعبًا، لكن كان لا بدّ من المجازفة.

"كنّا بحاجةٍ إلى ختم حتى نستطيع العبور إلى تركيا، اضطُررنا إلى دفع مزيدٍ من المال من أجل الحصول على ختمٍ مزوَّر، وفي كلّ مرّة كانوا يطلبون هويتي، أشعرُ أنّ قلبي سيخرج من مكانه. كانوا يتطلّعون إليّ بطريقةٍ غريبة كأنّ أعينهم تخبرني أنهم تَعرَّفوا عليّ"، كما تروي "نور" بنبرةٍ يملؤها الأسى.

الشيء الوحيد الذي كانت تأمله هو الوصول إلى تركيا سالمةً مع عائلتها، لذلك كانت، طيلة الطريق، تدعو الله في نفسها أن لا يتعرّفوا عليها ويعرفوا أنها ملاحَقةٌ من طرف النظام. مرّت ساعاتُ السّفر ثقيلةً، وكلّ ما كانت ترجوه هو ألّا يجثُم عليها اليأس، وأن تحصُل معجزةٌ ما تتيح لها المرور من المعبر دون مشكلات.

تواصلُ نور: "وصلنا أخيرًا إلى تركيا، كان الثلجُ يسقط بغزارة حين توجهنا نحو المخيمات، وقضينا هناك شهرين كاملين. كان الجوّ جديدًا علينا، وشعرنا بالبرد وتحمّلنا روائح سيئة... هذا بالإضافة إلى الصّدمة العميقة التي كانت تملأ قلوبنا من جرّاء كلّ ما عشناه".

وعلى الرّغم من أنها استطاعت العبور نحو الأمان، فإنّ نور ظلّت سنواتٍ تُعاني من ذكرياتِ الاعتقال والموت والدّم. "ما زلتُ أحيانًا أرى نفس الكابوس، حيث أسمعُ طرقاتٍ قويةً في الباب، ثمّ أرى أشخاصًا يقتادونني إلى زنزانةٍ مظلمة حيث يتعرّض أخواي لتعذيبٍ وحشي".


بعد كلّ المعاناة التي مرّت بها، لم تستسلم "نور" للذكريات الأليمة التي مرّت منها. استجمعت قوتها وشجاعتها وقرّرت القيام بأوّل خطوةٍ من أجل الحياة. لم تكن تريد أن تدمّرها الحرب كما فعلت ببلدها، فكان عليها إذاً أن تهزم ألم الماضي وتطرُق الأبواب بحثاً عن المستقبل.

"حين قُبلت في منحة الدراسة بتركيا، أحسستُ أنني أُولَدُ من جديد، وعندما قُبلت في تخصّص الإعلام بالجامعة، وجدتُني أشقّ طريقي نحو المستقبل"، تقول نور وهي تتنفّس الصعداء.


وإذا كانت نور تحلُم بأن تصبح يوماً جزءاً من الإعلام الهادف الذي يسعى إلى تغيير المجتمعات نحو الأفضل، وتشقّ طريقها بثقةٍ تامّة حتى تبلُغَ ما كانت تصبو إليه قبل الحرب، فإنّ الحُلم الأكبر الذي يسكنُها، مثل معظم اللاجئين السوريين، هو العودةُ إلى الوطن.

تقول وهي تبتسم بقوة وثقة: "سنرجع يومًا ما إلى سوريا، سنرجعُ حين تتحول إلى بلدٍ يليق بأحلامنا وتطلعاتنا، حين تصبح بلد الحرّيات والعدالة والنظام وحقوق الإنسان".
 

إقرأ ايضا