الشبكة العربية

الأحد 15 ديسمبر 2019م - 18 ربيع الثاني 1441 هـ
الشبكة العربية

أوصت بتعزيز التواصل مع معارضة الخارج

تقرير ألماني خطير : هذه السيناريوهات الثلاثة لمستقبل نظام السيسي

26-10-19-564570227

قدم المعهد الألماني الدولي لشئون الأمن بحثا بالغ الخطورة عن الأوضاع السياسية والأمنية في مصر في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي ، واستشرف المعهد في دراسته ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل النظام الحاكم في ضوء معطيات الواقع الحالي .
الورقة التي قدمها دكتور ستيفان رول، رئيس أبحاث قسم الشرق الوسط وأفريقيا ، وهي مقدمة بالأساس إلى الحكومة الألمانية والاتحاد الأوربي لضبط علاقتهم السياسية بالنظام المصري، وقد استعرض الباحث في البداية التعديلات الدستورية التي تم إقرارها في مايو 2019 و التي تمهد لاستمرار السيسي في الحكم بعد انتهاء ولايته الحالية. مما يعمل على تعزيز النظام الذي انبثق من إنقلاب عسكري في يوليو 2013 .
تضيف الورقة : يشتمل التعديل الستوري – الذي اعتمده البرلمان المصري في 14 فبراير2019 ، تمديد ولاية الرئيس من4 الى 6 سنوات، وهو يجعل السيسي قادرا على البقاء في الحكم حتى عام 2034 ، عندما يبلغ من العمر 80 عاما. بالاضافة اللى ذلك، وفقا للتعديلات الجديدة ، يصبح الجيش مسؤولا عن"حماية الدستور و الديمقراطية" و بذلك تكون القوات المسلحة أصلا فوق الدستور، مما يزيد من عسكرة الدولة. بالاضافة الى تقليل دور البرلمان و تحديد اختصاصات اعضاء البرلمان. تهدف هذه التغييرات الى تعزيز الرئاسة و السلطة التنفيذية على حساب السلطتين التشريعية و القضائية. كما يترأس السيسي أيضا مجلس الهيئات القضائية، وسيكون له صلاحيات كبيرة في اختيارالمناصب القضائية العليا. علاوة على ذلك يجب الغاء استقلال القضاء عن الميزانية .
كما تم الاستفتاء على التعديلات الدستورية في مناخ من الخوف، بعد اعتقال العديد من اعضاء الاحزاب المعارضة، على غرار الانتخابات الرئاسية التي أجريت في 2018 ، بوجود 60 الف سجين سياسي واللجوء للتعذيب الممنهج في السجون المصرية و سيطرة الدولةبالكامل على الأعلام، مما أدى لإستحالة إجراء انتخابات حرة و نزيهة.
ومنذ تولي السيسي منصب الرئيس ، لم يكن القمع الذي تمارسه الدولة البوليسية موجها ضد المعارضة فقط – خاصة ضد مؤيدي جماعة الأخوان المسلمين، الذين يصنفون الآن كمنظمة ارهابية- بل تم استبعاد المنافسين المحتلمين للرئيس ،مثل خالد فوزي، الرئيس السابق للمخابرات العامة، و محمود حجازي، رئيس أركان الجيش. يبدو أن هذه الحملة تقودها دائرة صغيرة حول السيسي، بالاضافة الى عباس كامل ، المدير السابق لمكتبه، و الذي يرأس الان جهاز المخابرات العامة، والذي يعمل به ايضا محمود و حسن السيسي ، اللذان يشغلان مناصب عليا في الجهاز. أما ابنه الأصغر مصطفى، فهو يعمل في هيئة الرقابة الإدارية ، و هو الجهاز الرقابي الأقوى في مصر.
والسؤال الذي يطرح نفسه حاليا، هو كيف سيتطور نظامه في السنوات المقبلة؟ هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة ولكل منها احتمال مختلف لحدوثه:
السيناريو الأول: "دكتاتورية تنموية ناجحة"  
يزعم أنصار السيسي أنه يحتاج الى مزيد من الوقت لتحقيق مشاريعه التنموية الضخمة، مثل مشروع قناة السويس الجديدة و كذلك بناء عاصمة جديدة ومحطة للطاقة النووية. كما يزعمون أن تحرير سعر الصرف، و خفض دعم الطاقة و السلع، أدى الى تحسين الوضع المالي المحفوف بالمخاطر. مع ذلك هناك عائقان أمام هذا السيناريو، اولا، المشروعات الضخمة التي أعلن عنها السيسي في خطبه العاطفية للغاية، لا تدل على وعيه الكافي بمشكلات مصر الحالية. هذه المشروعات لا تحل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية الاساسية في البلاد: البنية التحتية المتهالكة، ونظام التعليم العقيم، ونظام تأمين صحي شامل، و اقتصاد الظل. الأموال التي تم انفاقها على توسيع القناة،(أكثر من 8 مليار دولار) ، كان يمكن استخدامها في مشروعات يستفيد منها المواطن البسيط بطريقة أسرع.
من ناحية أخرى، فإن موقع المؤسسة العسكرية يعيق تطور البلد، تتوقف الصلاحات دائما حينما تتعارض مع مصالح المؤسسة العسكرية. وخلال حكم السيسي ، وسعت القوات المسلحة انشطتها بشكل كبير، على حساب الاقتصاد المدني، وبالتالي أعاقت تنمية اقتصاد السوق التنافسي. وإرتفع الانفاق العسكري بشكل كبير، حيث تضاعفت مشتريات مصر من السلاح ثلاثة اضعاف بين 2014و 2018 مقارنة بالفترة من2009-2013 ، مما يجعلها ثالث اكبر مستورد للاسلحة في العالم. في حين يعتبر مناخ الأعمال و الاستثمار سيئا (في مؤشر "ممارسة الأنشطة و الأعمال" الصادر عن البنك الدولي لعام 2019، احتل المرتبة 120 بين 190 دولة) ولا يزال الاستسثمار الأجنبي أقل بكثير من مستوى سنوات الطفرة الاقتصادية بين عامي 2006 و2008.   
كما ارتفع ايضا الدين الحكومي بين مارس2013 ونهاية عام 2018 بصورة مرعبة. و ارتفع الدين الخارجي بنسبة142 في المئة، الى 93.1 مليار دولارو لا يمكن للعائدات الحكومية المحتملة مثل التوسع في انتاج الغاز الطبيعي مثلا، سداد فوائد الدين وحدها و التي تقدر بأكثر من 40% من الانفاق الحكومي في الوقت الحالي) .
ومن ثم اعتبرت الورثة أن هذا السيناريو هو أضعف الاحتمالات وأقلها فرصة للاستمرار .
السيناريو الثاني : سيناريو مبارك 2010
اذا لم يتمكن السيسي من إثبات نجاح مشروعاته التنموية، فهذا لا يعني بالضرورة نهاية حكمه، لأن الرئيس السابق حسني مبارك، لم يتمكن من تحسين الوضع الاقتصادي و الاجتماعي في البلاد، و مع ذلك كان قادرا على البقاء في السلطة لمدة 30 عاما، بسبب الدعم الخارجي الهائل من الدول الغربية وبسبب الادارة الناجحة للنخبة المدنية التي تدير حكمه .
يمكن أيضا للسيسي الاعتماد على دعم أجنبي واسع النطاق. فقد قدمت السعودية والإمارات والكويت مساعدات مالية تجاوزت 12 مليار دولار بعد انقلاب عام 2013 ، الأوروبيين كانوا على استعداد كبير لدعم النظام، لا سيما بعد الزيادة في معدلات الهجرة غير الشرعية عام 2015- 2016 . لذلك فقد دعموا جهود مصر للحصول على قرض بقيمة 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي، دون المطالبة بتحسين ملف حقوق الإنسان. على الرغم من ذلك، فقد يكون هذا السيناريو مكلفا للدول المانحة، تلبية الاحتياجات المالية المتزايدة، خاصة بعد انتهاء برنامج صندوق النقد، فيكون من المشكوك فيه مواصلة هذه الدول الدعم المالي للسيسي. فقد كانت المانيا أكبر الدائنين(7.1) مليار دولار، و المنظمات الدولية (28.4 مليار دولار) و دول الخليج و السعودية (23.1 مليار دولار) حتى منتصف عام 2018
كما اختلفت إدارة السيسي بشكل كبير عن إدارة مبارك ، فلم يبذل أي جهد لتشكيل حزب حاكم حقيقي كأساس للسلطة ، على غرار الحزب الوطني في عهد مبارك. في المقابل بنى السيسي علاقته ووطدها مع الأجهزة الأمنية، و من المتوقع أن يستمر في اسلوبه الاستبدادي و يستخدم مزيدا من القوة لتأمين نظامه الحاكم، في ظل إنتشار الفقر وانهيار منظومة العدالة الإجتماعية.
السيناريو الثالث: فشل السيسي وانهيار حكمه ، تقول الورقة : من الممكن أن يؤدي زيادة القمع وتراجع التنمية، الى نهاية النظام و انهياره. ومن المرجح أن تقابل الاجراءات التقشفية التي فرضتها الحكومة في السنوات الأخيرة و التي عانى منها المواطن العادي، بموجة كبيرة من الاحتجاجات. أو تتعرض البلاد لأزمة حادة في توفير الخدمات الأساسية، مثل المياه، أو بسبب البنية المتهالكة للنقل. و من المحتمل أن تؤدي الثورات و الاحتجاجات الناجحة في بلدان أخرى مثل الجزائر و السودان و لبنان، إلى اشعال الاحتاجات و تأجيج نيرانها في مصر .
وقد صنع السيسي أعداءا له بداخل مؤسسات الدولة وبداخل الأجهزة الأمنية نفسها - برغم أنها مستفيدة من السياسات الحالية للرئيس- وهذه العداوات صنعها السيسي من خلال حرمان بعض المسؤولين الكبار من الامتيازات، وإعفاء بعضهم من الخدمة أو نقله لمنصب شرفي. وقد يتسبب سجن مسؤولين كبار في الدولة لمجرد رغبتهم في الترشح لرئاسة الجمهورية، مثل رئيس الأركان السابق، سامي عنان، ورئيس الجهاز المركزي للمحاسبات ، المستشار هشام جنينة،في مزيد من المرارات بين شرائح النخبة. وقد أظهرت التطورات التي شهدتها مصر في 2010 ،إبان ثورة يناير أنه من الصعب التكهن بديناميات الاحتجاج و الثورة.
وفي النهاية، يبدو أن سيناريو الدكتاتورية التنموية، أقل قبولا، كما يبدو أن السيناريوهين الثاني و الثالث، أكثر احتمالا. وكلاهما يرتبط بمخاطر و تكاليف عالية، بالنسبة لألمانيا و الاتحاد الأوروبي. إن الشرط الأساسي لحدوث سيناريو مبارك هو استمرار تقديم مساعدات مالية كبيرة ودائمة، والتي ستكون على حساب ميزانية دول الاتحاد الأوروبي، مع قبول مزيد من التهور في ملف حقوق الأنسان. في هذه الحالة، يقل و يتباطئ التدهور الاقتصادي والإجتماعي، لكن من المرجح أن تزداد الهجرة و التطرف الديني بين الشباب المصري.
في حين يوفر انهيار النظام فرصة حقيقية للاصلاح السياسي، فإن عسكرة الدولة و ما يرتبط بها من تعطيل جمعيات المجتمع المدني، تقف عثرة في طريق هذه الاصلاحات، كذلك التدهور الكبير في الظروف المعيشية لقطاع عريض من المواطنين. وتكون النتيجة الحتمية ثورة أكثر اشتعالا واقل سلمية، ينتج عنها انهيار هيكل الدولة و مؤسساتها، في أكبر الدول العربية من ناحية التعداد السكاني.
في ظل هذه الاحتمالات، يتعين على المانيا و الاتحاد الأوروبي، الضغط أكثر من ذي قبل، من أجل مجتمع مدني مستقل، و من أجل اتخاذ تدابير اقتصادية حقيقية لتحقيق تنمية اقتصادية شاملة و دائمة في مصر. فبعد أن أكد مجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة، استمرار انتهاكات حقوق الإنسان و الحقوق المدنية، ينبغي فرض شروط تهدف لتحسين وضع المواطن البسيط  وإرساء مبادئ "الحكم الرشيد". وعندما يبدأ التفاوض بشأن مزيد من المساعدات في الميزانية ، يجب اعطاء أولوية لمنع استخدام المعونة للتوسع في هيكل القوة القمعية،وعدم فرض مزيد من الاجراءات التقشفية على المواطن، وفقا (اعمالا) لمبدأ "عدم الإضرار".
وأخيرا يتعين على الحكومة الألمانية توسيع تواصلها مع ممثلي المعارضة المصرية المنفية، بما في ذلك الأتجاه الإسلامي، وبالتالي يمكنها أن تدعم عمليات الوساطة بين مختلف طوائف المجتمع في حالة انهيار النظام.
 
 

إقرأ ايضا