الشبكة العربية

الإثنين 17 يونيو 2019م - 14 شوال 1440 هـ
الشبكة العربية

وهل كان الشيخ جاد الحق من المتشددين؟

حكى لي بعض أهل العلم ذات مرة واقعة حدثت منذ زمن في بعض بلاد الهند ،خلاصتها أن مسلماً كان يمتلك حانوتاً تجارياً في منطقة غالبيتها من المسلمين ،ومع ذلك كان أكثر أولئك المسلمين يتركون ذلك التاجر المسلم ،ويشترون من تاجر آخر هندوسي ، فتوجه التاجر المسلم إلى إمام المسجد القريب منه ،وشكا إليه إعراضَ الناس عنه وشراءهم من الهندوسي ،فوعده الشيخ بأن ينبه المصلين إلى ضرورة إعانة أخيهم المسلم والشراء منه ،وفي يوم الجمعة التالي وقف الشيخ يرغب الناس في الشراء من هذا التاجر المسلم ،ولكنه لجأ في التنفير من التاجر الهندوسي إلى حيلة غريبة، وهي أنه أخذ يستثير الناس ويقول لهم : أتدرون ما معتقد هذا التاجر الذي تتهافتون على التعامل معه والشراء منه ؟ إنه رجل وهابي ، أي من أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله .
وقد كانت نسبة شخص في ذلك الزمان وفي تلك البلاد إلى الوهابية كفيلةً بمقت الناس له وانصرافهم عنه ، وذلك بسبب الدعاية الشديدة التي كان يبثها خصوم الدعوة النجدية ضد  الشيخ محمد بن عبدالوهاب وتلاميذه .
تذكرت هذه القصة لما رأيتُ إصرار البعض في بلادنا على نسبة كل قول يريدون تنفير الناس منه إلى من يسمونهم بالمتطرفين أو المتشددين ،مع أن تلك الأقوال التي يُراد التنفير منها قد تكون أقوالاً لعلماء أجلاء وفقهاء كبار ، ولكنها فقط محاولة للتشنيع على خصومهم أو محاولة للوصول إلى إقناع البسطاء بأقرب الطرق إلى عقولهم كما فعل صاحبنا الهندي في القصة التي بدأنا بها حديثنا .
ومِن آخر ما وقفت عليه في ذلك بيان دار الإفتاء المصرية بشأن تحريم ختان الإناث ، حيث لفت نظري ما جاء في ذلك البيان من التحذير  ( من دعوات غير المتخصصين من أصحاب الآراء المتشددة الذين لم يدرسوا رأي الشرع ولا الطب في هذه المسألة، والذين يروجون لهذه العادة السيئة والضارة باسم الدين ). 
كما جاء بالخبر المنشور على بوابة الأهرام بتاريخ 6/ 2/ 2019م .
وليس من غرضي في هذه العجالة تفصيل القول في هذه المسألة ولا ترجيح قول فيها ، لكني أشير فقط إلى أن من يقرأ هذا الكلام – دون أن تكون لديه خلفية فقهية - سيظن أن القائلين بمشروعية ختان الإناث ما هم إلا مجموعة من المتشددين غير المتخصصين الذين يُفتون بغير علم ، بينما الصحيح أن القائلين بذلك هم أجلة علماء الأمة في القديم والحديث ، وقد اتفقت كلمة الأئمة الأربعة وغيرهم على مشروعية ختان الإناث ،ولكن منهم من يرى وجوبه كالشافعية ورواية عند الحنابلة ،ومنهم من يرى أنه سنة كالمالكية ،ومنهم من يرى أنه مكرمة كالحنفية ، وقد بين ذلك بياناً واضحاً الشيخ جاد الحق علي جاد الحق رحمه الله في فتواه الشهيرة التي استنكر فيها دعوات الداعين إلى تجريم ختان الإناث ، فهل كان الشيخ جاد الحق ومن سبقه من أهل العلم مِن هؤلاء المتشددين غير المتخصصين الذين يروجون لهذه العادة الضارة باسم الدين بحسب ما جاء في البيان المشار إليه ؟ 
وأغرب من هذا ما ادعاه  أمين سر لجنة الشئون الدينية بمجلس النواب حيث صرح  بأن السلفيين والفتاوى الشاذة التى كانوا يروجون لها فى الفترات السابقة كانت السبب فى انتشار ظاهرة ختان الإناث بالمجتمع المصرى، وقال بحسب ما نشرته جريدة اليوم السابع بتاريخ 7/ 2/ 2019م : ( إن كل الخطب والأفكار التى تروجها الجماعات الإسلامية كانت دائماً تعتمد على الجهل والتخلف، فهم كانوا يخاطبون المواطنين من خلال تلك الأفكار الجاهلية والمتطرفة، وهم من كانوا يدعمون ختان الإناث فى المجتمع ) . فهل رأيتم افتراءً أكثرَ من هذا ؟ فإن القاصي والداني يعلم أن ختان الإناث موجود في مصر منذ قرون عدة ، وهم أنفسهم – أي الداعون لتجريمه – يستندون إلى أنه مجرد عادة قديمة يُرجعها بعضهم إلى زمن الفراعنة ، فأين كان السلفيون وأين كانت الجماعات الإسلامية يوم كان أجدادنا وأجداد أجدادنا يختنون بناتهم ؟
وهاكم مثالاً آخر يؤكد صحة ما أقول ،ففي ندوة عقدتها دار الإفتاء حول المعاملات المالية والبنوك في سنة 2015م ، لدعم ما سمي بمبادرة: ( حط فلوسك في البنك) أعلن المتحدثون في تلك الندوة أن فوائد البنوك ليست من الربا المحرم ، وذكروا في ذلك استدلالات لسنا بصدد مناقشتها الآن ، ولكن الذي يهمنا في الأمر أنهم لجؤوا لنفس المنطق الذي أشرنا إليه : منطق الإرهاب الفكري بادعاء أن مَن يخالف في ذلك هم أعضاء الجماعات المتطرفة ، الذين يريدون إضعاف الاقتصاد الوطني ، فقد جاء في كلمة أحد مستشاري المفتي في تلك الندوة بحسب ما نشرته جريدة اليوم السابع بتاريخ 14 / 4/ 2015 : (علينا ألا نستمع للجماعات المتطرفة التى تحرم التعامل مع البنوك ،وأنهم يريدون أن يجعلوا الاقتصاد المصرى مهلهلاً ، .... علينا أن نعرف ما يراد بأمتنا من فتاوى الجماعات المتطرفة، والتى تدعو إلى فقه الموت، ونحن نتكلم أمامها عن فقه الحياة ) . 
ولست أدري أين كانت هذه الجماعات المتطرفة يوم أن أجمعت كلمة المجامع الفقهية المعتبرة في العالم الإسلامي على حرمة فوائد البنوك ، وأولها مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الذي قرر في مؤتمره الثاني المنعقد سنة 1385 هـ– 1965م  أنه بشأن المعاملات المصرفية فإن الفائدة على أنواع القروض كلها ربا محرم لا فرق في ذلك بين ما يسمى بالقرض الاستهلاكي ،وما يسمى بالقرض الإنتاجي ؛لأن نصوص الكتاب والسنة في مجموعها قاطعة في تحريم النوعين ، ثم قرر المجمع أنه بصدد درس بديل إسلامي للنظام المصرفي الحالي ويدعو علماء المسلمين ورجال الاقتصاد إلى أن يتقدموا إليه بمقترحاتهم .
ولمن لا يعلم فإن هذه المؤتمر قد حضره أكثر من سبعين عالماً يمثلون ثمانيةً وعشرين قطراً من أقطار العالم الإسلامي وغيره .وكان على رأس أولئك العلماء الشيخ حسن مأمون شيخ الأزهر وقتها ،والشيخ محمد أبو زهرة ،والشيخ محمد علي السايس ،والشيخ عبد الحليم محمود وغيرهم ، وقد استند ذلك القرار التاريخي إلى دراسة مستفيضة لطبيعة عمل البنوك وتكييفها الشرعي والقانوني تقدم بها عالم اقتصادي جليل جمع بين علوم الشريعة وعلوم الاقتصاد هو الدكتور محمد عبد الله العربي الذي كان أستاذا بكلية الحقوق ثم عميداً لمعهد الدراسات الإسلامية بالقاهرة  .
وقد حاول أحد أعضاء المجمع وقتها وهو الباحث اللبناني وليد القصار أن يجد صيغة لإباحة فوائد البنوك بدعوى أن الفائدة المحرمة هي ما ينصرف إلى ربا الجاهلية الذي كان المرابون يرهقون به ذوي الحاجة ، وليست هي التي تؤخذ عن ودائع المصارف بغرض صيانتها واستثمارها ، وذلك في بحث قدم لذلك المؤتمر ،ولكنَّ أعضاء المجمع والمشاركين في ذلك المؤتمر رفضوا ما جاء في ذلك البحث رفضاً قاطعا ، وممن رفض ذلك البحث الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله ، والدكتور عبد الحليم محمود الذي قال : ( إن مسألة الربا مسألة مقررة منتهىً منها ،فلا مجال فيها لرأي جديد ، وما خالف ذلك فهو انحراف ) ثم طالب رحمه الله بسحب بحث الأستاذ القصار ( لما فيه من مخالفة للأسس التي قام عليها المجمع ) كما جاء بعدد المحرم 1385هـ من مجلة الأزهر . وهو ما حدث بالفعل حيث إن البحث المشار إليه لم يتضمنه الكتاب الذي أصدره مجمع البحوث بعد ذلك ،والذى حوى أبحاث المؤتمر . 
ثم صدرت بعد ذلك قرارات مماثلة من مجامع فقهية أخرى لها أيضا قيمتها ومكانتها العلمية  كمجمع الفقه التابع لرابطة العالم الإسلامي ، ومجمع الفقه التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ، وكلاهما يضم نخبة من علماء الأمة وفقهائها ،ومنهم بعض علماء الأزهر الشريف، فهل كل هؤلاء العلماء متهمون بالانتماء لتلك الجماعات المتطرفة التي تريد إضعاف الاقتصاد الوطني وجعله مهلهلاً ؟ فإلى الله المشتكى ، وحسبنا الله ونعم الوكيل.


عبد الآخر حماد
عضو رابطة علماء المسلمين 
20/ 6/ 1440هـ-25/ 2/ 2019م


 

إقرأ ايضا