الشبكة العربية

الأربعاء 21 أكتوبر 2020م - 04 ربيع الأول 1442 هـ
الشبكة العربية

وهذا إقرار منى بذلك...!

* عندما يحول موظف حكومى للشؤون القانونية ويحقق معه فى قضية ما فإنه يوقع على أقواله واعترافاته بالعبارة المشهورة " وهذا إقرار منى بذلك" ولكن قضية اليوم بل حديث الساعة أكبر وأعظم من هذا بكثير.إنها أم القضايا التى يجب أن نقر ونعترف بها جميعا شئنا أم أبينا , أردنا أم لم نرد , طوعا كان أو كرها .إنها قضية إعادة إحلال  وتركيب البشرية والمنظومة العالمية الغاشمة والظالمة على أسس جديدة ومفاهيم حديثة وقواعد متينة لا تقبل الزيف ولا الخداع ولا المجاملة ولا النفاق ولا الزيادة ولا النقصان. إن البشرية بأسرها اليوم أمام قضية كبيرة وخطيرة  بعدما اجتاح العالم فيرس لا يرى بالعين المجردة فقتل من قتل وأصاب من أصاب وأرعب من أرعب وذلك بعد إرادة وقدرة ومشيئة الله تعالى.فيجب جميعا أن نقر ونعترف بهذه الحقيقة.والسؤال هو : بأى شئ يجب أن نقر ونعترف؟
بادئ ذي بدئ فإنىى لست متحدثا رسميا عن البشرية لكى أتحدث نيابة عنهم , فهذا القول ينافى قواعد التفكير السليم والمنطق السديد . غير أنى فى هذا المقال المتواضع أقر واعترف ويشاركني الإقرار والاعتراف كل من يتوافق معي فى بعض ما أقول أو كل ما أقول , فهذا يعود لطبيعة انسجام الأفكار وتلاقى الأرواح التى هى بمثابة الجنود المجندة ما تعارف منها ائتلف وما تنافر منها اختلف . إنني أشعر فى بداية كتابة هذا المقال وكأني أسبح فى بحر لجى يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب وكأن الظلمات أحاطت بى من كل جانب . ظلمات الإحساس بالغربة فى هذا العالم وأنت حتى تعيش فى وطنك وبين أهلك .فالغربة احساس قاتل يفتك بمفهوم الأمن والاستقرار داخل النفس البشرية .ظلمات الإحساس بدنو الأجل ونحن على معصية حتى صار أقرب ألينا من حبل الوريد . فالناس تتخطف من حولنا بخطاف فيروس كورونا الذي ما ترك صغيرا ولا كبيرا , ولا أميرا ولا حقيرا , ولا حاكما ولا محكوما إلا وقصم ظهره وأرعبه وأخافه وحبسه فى بيته بغير إرادة منه ورغبة .

* لا بد أن أقر واعترف أنا العبد الضعيف والفقير إلى الله أن نظراتي للعالم  وللبشرية كلها قد تغيرت وتبدلت وانقلبت رأسا على عقب .فلم يعد يخيفني أحد أو يرعبني أو يهددني أحد مهما أوتى من قوة ومال ونفوذ وسلطة لأن كل من يملك ما سبق ذكره لم يستطيعوا أن يدفعوا عن أنفسهم ولا عن ذويهم خطر الموت , فوقفوا عاجزين هائمين على وجوههم رافعين راية الاستسلام أمام فيروس صغير حقير لا يرى بالعين المجردة , فمما أخاف ؟ هل أخاف من بشر يسكنون فى دنيا لا تساوى عند خالقها جناح بعوضة ؟ هل أخاف من بشر يتساقطون مرضى وصرعى أمام فيروس صغير وكأنهم أوراق خريف ذابلة عصفت بها الريح فى يوم عاصف ؟ هل أخاف من بشر لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا حياة ولا نشورا ؟ هل أخاف من بشر  إذا خرج النفس من صدر أحدهم فإنه لا يضمن أن يعيش لحظة واحدة حتى يخرج منه النفس الثاني ؟ فهل تشاركني فى هذا الإحساس والشعور ؟
* أقر وأعترف أنا العبد الضعيف والفقير إلى الله  أن الأرض غير الأرض والبشر غير البشر. فالعالم كله  مكروب ومأزوم وليس فى جعبته لا فى الحاضر ولا فى المستقبل شئ  مرجو أو مأمول .فماذا أنت قائل فى أمريكا وحاملات طائراتها ؟ وأوربا وقوة ومدى صواريخها ؟ وروسيا وقوة اختراعاتها ؟ وقارة آسيا وتقدم صناعاتها ؟ ومنطقة الشرق الأوسط ومخزون بترولها ؟ وقارة أفريقيا بذهبها  وما تنبت أرضهم من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها ؟ هل أغنى عنهم كل ما سبق ذكره من عذاب الله من شئ ؟ أين الجبابرة ؟ أين الأكاسرة ؟ أين أصحاب الجلالة والفخامة والسعادة ؟ أين مروجو اسطوانة صفقة القرن واغتصاب مقدسات المسلمين ظلما وعدوانا ؟ أين الذين ادعوا النبوة بل الألوهية والربوبية ؟ أين الذين قالوا الرب فى السماء ونحن فى الأرض نفعل ما نشاء بغير حساب ؟ أين الذين تألهوا على الله ونسوا أنهم خلقوا من ماء مهين ؟ هل تحس منهم من أحد أوتسمع لهم ركزا ؟ فهل تشاركنى فى هذا الإحساس والشعور ؟
* أقر وأعترف أنا العبد الضعيف والفقير إلى الله أن فيروس كورونا الصغير الحقير استطاع بقدر الله أولا وأخيرا  , هذا الكائن المتناهى الصغر الذى لا يرى لا بالعين المجردة والذى يبلغ سمكه واحدا على ألف من سمك شعرة فى رأس الإنسان، استطاع أن يستنفر جيوش العالم ويوقف حركة الطيران العالمية ويوقف الدراسة فى المدارس والمعاهد والجامعات ويمنع البشر حتى من السير فى الشوارع والطرقات .  بل ويمنع الرياضة وإقامة المباريات . وإن شئت فقل منع الأفراح فى القاعات بل منع الجنائز من دخول المساجد ويكتفى بالصلاة عليها فى ناصيات الشوارع والطرقات . هاهو ذا  " كيسنجر " وزير خارجية أمريكا الأسبق والخبير الإستراتيجي يقر ويعترف بلسانه  بالحقيقية المجردة ساعة قال  "  إن الكساد الذى سببه الفيروس «سيستمر لسنين عديدة وأن العالم لن يعود كما كان من قبل كورونا، فكل شىء سيتغير ". نعم.. كل شئ سوف يتغير لكن للأسف لم يحدد لنا بالضبط هل سيتغير للأسوأ أم للأحسن ؟ لكن فى النهاية التغيير قادم لا محالة برغبة البشر أو رغم أنوفهم . فالله تعالى هو الذى يدير شؤون الكون ولم يعط سبحانه توكيلا لأحد من عباده بإدارة شؤون الكون نيابة عنه . فحاشى لله ذلك . سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا .
* من كان يظن أن يضرب الفيروس أقوى حاملات الطائرات الأمريكية العملاقة على جانبى الأطلنطي والتى يسمونها بالعصا الغليظة Big Stick  والتى تم خلالها تدمير المنشآت الحيوية للعراق . أما الثانية فكانت حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديجول والتى قادت هجوم حلف الأطلنطى على ليبيا فى مارس عام  .2011  . وما يعلم جنود ربك إلا هو.. وما هى إلا ذكرى للبشر. فهل من متذكر ومتعظ يا قومنا ؟ إن الدكتور مصطفى محمود رحمه الله خصص إحدى حلقات برنامجه «العلم والإيمان» لموضوع الفيروسات وبالذات الفيروسات المستجدة، وقد وضرب مثلا بفيروس نقص المناعة المكتسب (الأيدز) وفيروس الإيبولا، وقال إنها حيرت العلماء.. فلا مصل ولا دواء، ولا يعرفون من أين أتت، فمن قائل إنها من الفضاء الخارجى ومن قائل إنها من الحيوانات وعلى الأخص تلك التى تعيش فى إفريقيا... مزبلة العالم القذرة كما أسموها... ومن يقول أنها عضة قرد مصاب... وفى كورونا المستجد هذا لا يزال يبحثون عمن ورائه ومن الذى أوجده  . ولا يزال البحث مستمرا دون أن يفكر أحد من هؤلاء "أ نه من عند الله تعالى . " وفى نهاية المطاف أقر وأعترف مهما تفلسف المتفلسفون وحلل المحللون وبين الخبراء المختصون أسباب الفيروس ومن أين أتى , لكن ستبقى الحقيقة الخالدة أنه من عند الله " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعف عن كثير " لعل البشرية تعود إلى ربها رافعة راية الاستسلام والاعتراف بقوته وقدرته أنه يقول للشئ كن فيكون . فهل يتعظ المتعظون ويعتبر المؤمنون ؟ إنا لمنتظرون .
 

إقرأ ايضا