الشبكة العربية

السبت 08 أغسطس 2020م - 18 ذو الحجة 1441 هـ
الشبكة العربية

وقائع ما جرى مع "جوليو ريجيني" الشيوعي الإيطالي المقتول في القاهرة


في شهر يوليو 2015 تعرض مبنى تابع للقنصلية الإيطالية بالقاهرة إلى حادث تفجير مريب عبر استخدام سيارة مفخخة، مما أسفر عن مصرع شخص واحد وإصابة العشرات وانهيار كامل لأحد جوانب المبنى رغم وقوعه داخل منطقة وسط العاصمة الخاضعة للحراسة العسكرية والشرطية المشددة، واضطر الجانب الإيطالي إلى القبول على مضض بأكاذيب الأجهزة الأمنية المصرية حول مسئولية الجهاديين عن حادث التفجير رغم وضوح ارتباطه بخلافات الحكومتين المصرية والإيطالية في الشأن الليبي، وقبل مرور شهرين على حادث تفجير القنصلية بما تركه لدى الجانب الإيطالي من علامات استفهام واستنكار حائرة مازالت تلاحق الأجهزة الأمنية المصرية، استقبلت القاهرة وافداً شيوعياً إيطالياً جديداً اسمه "جوليو ريجيني" يبلغ الثامنة والعشرين من عمره ويتحدث اللغة العربية مع ثلاث لغات أخرى غير الإيطالية التي هي لغة بلده الأم، مكلفاً بإجراء الجزء التطبيقي من بحثه المسجل لنيل درجة الدكتوراه في كلية جيرتون التابعة لجامعة كامبريدج البريطانية حول تجربة الاتحادات والنقابات العمالية المصرية المستقلة، وسرعان ما التحق بالجامعة الأمريكية في القاهرة كباحث زائر مع إرساله لبعض المقالات إلى جريدة المانيفستو الإيطالية كأنشطة مهنية إضافية تزيد من دخله المالي بشكل مشروع، دون أن تؤثر على هدفه الأساسي المتمثل في متابعة الحركة العمالية المصرية المستقلة سواء عبر حضور كل الأنشطة ذات الصلة بها من مؤتمرات وندوات واجتماعات وورش بحثية وما شابه، أو عبر مقابلة كل الأشخاص ذوي الصلة بها من نقابيين وحقوقيين وأكاديميين وإعلاميين إلى جانب السياسيين الذين كان في مقدمتهم الشيوعيين المستقلين باعتبارهم يضعون الحركة العمالية على رأس اهتماماتهم، ولما كانت معلومات الأمن الخارجي المصري عن هوية ريجيني قد سبقت وصوله إلى القاهرة ثم أكدتها تحريات الأمن الداخلي عقب وصوله فقد تم وضعه قيد المراقبة اللصيقة على مدار الساعة، حيث استخدمت الأجهزة الأمنية أدواتها التجسسية المتعددة بما فيها أجهزة البث التكنولوجي الحي المزروعة حوله لمعرفة كافة تفاصيل أنشطته ومقابلاته في حينها، الأمر الذي يتناقض مع ادعاءات الأجهزة أمام بعض حلفاءها وأنصارها بوجود نقص معلوماتي لديها عن ريجيني مما دفعها إلى محاولة استجوابه المباشر سعياً منها لسد النقص المزعوم، وفي حقيقة الأمر فإن أحد تلك الأجهزة كان قد قرر مبكراً اعتباره شخص غير مرغوب في وجوده بمصر إزاء تكرار الفشل الذريع في تجنيده أو اختراقه، ولكن الأذهان المريضة لجهاز آخر وسوست له بشكل نفعي شرير أن يسيء استغلال وجود ريجيني فوق الأراضي المصرية لضرب مجموعة عصافير في آن واحد، عبر فبركة قضية تجسس وهمية كبرى منسوبة إلى حلف الأطلسي تأسيساً على كونه يتحدث عدة لغات أطلسية ويتعامل مهنياً مع عدة جهات هي أيضاً أطلسية، ورغم نية الجهاز الأمني المصري المبيتة لتسليمه إلى إيطاليا عقب صدور الحكم بإعدامه أو سجنه مقابل الحصول من الجانب الإيطالي على بعض التنازلات في الشأن الليبي، إلا أن المصريين الأبرياء المستهدفين معه كانوا سينفذون العقوبات القاسية الصادرة بحقهم في قضية التجسس الوهمية وصولاً إلى التخلص من مشاغباتهم مرة واحدة وللأبد، لاسيما وقد ضمت قائمة أسماء هؤلاء الأبرياء التي كانت معدة سلفاً بعض الشيوعيين المستقلين الذين يتصدون إلى توابع الأجهزة الأمنية والحركة الصهيونية، مع بعض المسيحيين الكاثوليك والبروتستانت الذين يعارضون المؤسسة الكنسية القبطية الرسمية وبعض موظفي الدولة القدامى الذين يقاومون الفساد والاستبداد والتبعية داخل مؤسساتهم، وقام ذلك الجهاز الأمني بوضع خريطة طريق شريرة تحوي خططاً تفصيليةً متعددة البدائل الرامية جميعها إلى دفع أو استدراج كل واحد من المصريين المستهدفين الأبرياء نحو تقاطعات تكرارية مفتعلة مع المتهم الافتراضي الأول ريجيني، بحيث يمكن الاستناد عليها لاحقاً في انتزاع الاعترافات الكاذبة حول شبكة التجسس الوهمية التي من المفترض أنه يقودها والمنسوبة لحلف الأطلسي، وكادت تلك الخريطة الشريرة أن تمر لولا الصمود الأسطوري للشاب جوليو ريجيني أمام جلاديه من زبانية جهنم الأرضية بآلاتهم وأفعالهم العدوانية الوحشية حتى صعدت روحه إلى بارئها يوم 1/2/2016، ليختتم نضاله الشيوعي القصير زمنياً باستشهاده البطولي وهو يردد بين أيدي قاتليه عبارة "أنتم بلاطجة مجرمين أوغاد لا مبادئ لكم أما أنا كإيطالي وشيوعي فإنني لا أخون إيطاليا ولا أخون الشيوعيين"!!.
                                                      طارق المهدوي
 

إقرأ ايضا