الشبكة العربية

الثلاثاء 07 يوليه 2020م - 16 ذو القعدة 1441 هـ
الشبكة العربية

وقائع حوار مع مستشار الرئيس مرسي

في أبريل من العام 2013 كان قلقنا في صحيفة المصريون قد تعاظم من سوء إدارة الإخوان للمشهد السياسي ، واضطراب البلاد بصورة خطيرة ، وهم واثقون ـ لأسباب مجهولة ـ كل الثقة أن كل هذا الذي يحدث سحابة صيف ، وكلام فاضي ، وأنهم يملكون مفاتيح تصحيح كل شيء في الوقت المناسب ، ومن يحدثهم بقلقه يكون الجواب دائما : لا تقلق ، نحن نعرف ماذا نفعل جيدا ، وبدلا من العمل على احتواء الانقسام الوطني ، كان التوجه لتجاهله وتعميقه والارتكان على أن أجهزة الدولة بيدهم ، وأن الجيش والداخلية مع الشرعية ، لم نكن نشاركهم هذا الرأي أبدا ، وكنا نحذرهم من خطورة ما يجري ، وننبه للأخطاء أولا بأول ، ونقدم لهم نصائح وأفكارا وبدائل ، على أمل الإصلاح وإنقاذ الموقف ، كما كنا نحذر الرئيس من جعل مؤسسة الرئاسة أو قيادة الدولة رهينة للجماعة ومكتب الإرشاد ، لأن هذا الأمر يهيج مخاوف التيارات الوطنية المختلفة بقوة ، ويسمح للمتربصين بالرئيس للترويج لوجود مشروع لأخونة الدولة ومؤسساتها ، كانوا يكتفون بوضع بعض الشخصيات الهامشية في مناصب ليس لها قيمة عملية ولا تمثل عصبا في السلطة أو حتى مناصب شرفية ، ذرا للرماد في العيون ، وكأنهم بذلك أسكتوا الناس وأزالوا المخاوف ، وعلقت أيامها في مقال بالمصريون على ظاهرة ابتعاد كثير من مستشاري الرئيس من غير الإخوان عن الرئاسة وتقديمهم الاستقالات معتبرين أن الأمور تمضي إلى خطورة بسبب الحصار الإخواني حول الرئيس والانفراد بالقرارات المصيرية والمهمة ، ومنهم الدكتور محمد فؤاد جاد الله ، المستشار القانوني للرئيس ، واستقالته الشهيرة كانت إدانة صريحة واضحة لهيمنة الإخوان على المؤسسة .

نص مقال "دلالات استقالة فؤاد جاد الله"
https://www.masress.com/almesryoon/235469

في تلك الظروف كان نقدنا للجماعة وأدائها يتصاعد مع تصاعد الأحداث والمخاطر ، حتى فوجئت باتصال هاتفي من الأخ الدكتور أيمن علي ، مستشار الرئيس محمد مرسي ، كان لطيفا ، وهو شخص مهذب جدا وصاحب خلق ، عاتبني على النقد المتكرر الذي أكتبه ضد ممارسات الرئيس والجماعة ، وقال أن هناك معلومات خافية عني لا أعرفها تحتاج أن يوضحها لي حتى تكون الصورة متكاملة لدي ، ودعاني لفنجان قهوة في مكتبه لنتحدث قليلا ويطلعني على بعض تلك المعلومات .

بعد عدة أيام كان الموعد في مبنى المستشارية ، في مقر الحرس الجمهوري بمصر الجديدة ، وقد حضر اللقاء شخص آخر من الجماعة لا أعرفه ، رحب بي الدكتور أيمن كثيرا ، وأثنى على الصحيفة ، ثم بدأ يستعرض المشكلات التي واجهوها في تعاملهم مع أجهزة الدولة ، واستمر الحوار حوالي ساعة ونصف الساعة ، قال فيها ـ ضمن ما قال ـ أن المؤسسات الثلاث المهمة في الدولة ، الشرطة والقضاء والجيش ، موقفنا معهم أفضل كثيرا الآن ، وأن هذا ما يطمئنهم على سلامة الأوضاع وأن لا وجه للقلق ، أما الشرطة ـ والكلام له ـ فقد رتبنا أمورها جيدا ولم تعد هناك مشكلات فيها ، وأما القضاء فهناك بعض المشكلات البسيطة لكنها ليست عصية على الترتيب ونعرف ماذا سنفعل فيه ، وأما الجيش ، وهنا فتح  الدكتور أيمن جاكت بدلته وأشار إلى جيب الجاكت الداخلي وطبطب على صدره ، في إشارة إلى أن الجيش في جيبهم ! ، وكان ذلك من فرط ثقتهم في السيسي ، وهي ثقة أسطورية غير مفهومة ، وسرها لا يشرحه أحد من الإخوان حتى الآن .

شكرته على توضيحه ، وقلت له : يا دكتور أيمن ، نحن في ظروف لا تحتمل المجاملات ، والأمانة والمسؤولية تقتضي أن أكون صريحا معك ، فاسمح لي ، فقال : تفضل ، قلت له مباشرة ومن أول السطر : الدكتور مرسي سيسقط في 30 يونيه المقبل ، رجع برأسه في كرسيه وهو يضحك بصوت عال ، ثم قال : يا أستاذ جمال أنت متشائم كثيرا يا رجل ، ليست الأمور بهذا القدر من السوء ، كنت جادا جدا وغير مؤهل للتجاوب معه في ضحكه أو استرخائه ، فقلت له : يا دكتور أيمن ، الأمر لا يتصل بالتشاؤم ولا التفاؤل ، وإنما صورة الواقع التي لا تريدون أن تروها ، صورة الشارع ، صورة إهدار كرامة الرئيس والأجهزة تتفرج ، صورة "سور قصره" المنتهك ، صورة ما يجري من ترتيبات علنيه ، صورة الكراهية التي يراها كل ذي عينين تجاه الرئيس والجماعة في الشرطة والجيش والقضاء ، صورة الفوضى العارمة في الشارع التي تحرص جهات في الدولة على تفاقمها واتساعها ، أنتم فقط الذين لا ترون ذلك ، ولا أفهم لماذا ؟ .

أضفت له قائلا : هل تعرف كيف سيسقط الدكتور مرسي ؟ قال : تفضل ، كيف ترى السيناريو ؟ ، قلت له : هل قرأت سيرة اليساري الطيب "سيلفادور الليندي" رئيس شيلي الأسبق ، الذي أطاح به الجنرال "بينوشيه" وقتله ، صمت قليلا ، ففهمت أن القصة ليست حاضرة في ذاكرته ، فشرحت له ما حدث في انقلاب "شيلي" الشهير ، وكيف تم تهييج الشارع ، وشح الحاجات الأساسية للمواطنين ، وغياب المحروقات ، واضراب الشاحنات ، والهياج الإعلامي ، وترتيب عملية اغتيال بعض الضباط لإجبار "الليندي" على عزل قائد الجيش وتعيين الجنرال الشاب نسبيا "بينوشيه" مكانه وهو الجنرال الذي رتبت معه قوى دولية عملية الانقلاب ، فكان فيه مقتل الرئيس ، والقصة بتمامها شرحتها في مقال كنت قد نشرته بعد شهر واحد من انقلاب 3 يوليو في صحيفة المصريون بلغة فيها قدر من الرمزية لحساسية ما فيه وقتها .

نص مقال "وقائع لقاء مع مستشار الرئيس"
https://www.masress.com/almesryoon/315993

استمع الدكتور أيمن لحديثي الطويل بصبر واهتمام ، وكان يدون ملاحظات في ورقة صغيرة أمامه ، لكنه في النهاية ، حاول أن يخفف من توتري ، وأعطاني الانطباع مجددا بأن كل شيء تحت السيطرة ، ولا داعي للقلق ، وأن أي مظاهرات أو اعتصامات ستمر كما يمر غيرها ، وأن الجيش ومؤسسات الدولة منحازة للشرعية .
كنت آمل أن تصله رسالة "القلق" ، وأن يصل بتلك الرسالة إلى الرئيس وإلى قادة الجماعة ، لكي يفيقوا من تلك السكرة ، وينتبهوا إلى ما يحاك ، وما يراه الناس جميعا إلا هم ، ولكني خرجت من عنده يومها وأنا على يقين ، بأن لا أمل في إنقاذ الرئيس أو الجماعة ، وأنهم في سكرتهم يعمهون ، وأنهم يتجهون إلى مصيرهم المحتوم .

وغدا ، وقائع حوار آخر لي ، مع الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح ، ولماذا رفض العمل مع الرئيس مرسي بعد الانتخابات .
 

إقرأ ايضا