الشبكة العربية

الثلاثاء 20 أغسطس 2019م - 19 ذو الحجة 1440 هـ
الشبكة العربية

وجوب التصدي للأحاديث الباطلة والموضوعة

القضية التي أثارها فضيلة شيخ الأزهر مؤخراً ،وهي قضية السنة النبوية وما تتعرض له من قبل أقوام لا يقدرون السنة حق قدرها ، ومن يزعمون أنهم يكتفون بالقرآن وحده ، أقول هذه القضية هي بالفعل من أهم القضايا التي يجب التركيز عليها في هذا الوقت ،حيث تشهد الساحة في بلادنا وكثير من بلاد المسلمين حملات متتابعة للنيل من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، إما بمثل ما أشار إليه شيخ الأزهر من دعوة بعضهم للاكتفاء بالقرآن الكريم ، وإما بالطعن في كتب السنة الصحيحة المعتمدة والتشكيك فيما ورد فيها من الأحاديث ،وقد أشرنا إلى ذلك في مقالات سابقة ،وبينا أن الهدف النهائي لهؤلاء القوم هو التشكيك في السنة النبوية كلها وصولاً لهدم الدين كله .
ولكن على الجانب الآخر علينا أيضاً الاهتمام بمواجهة فريق آخر من العابثين بالسنة المطهرة ، وأعني بهم مَن ينشرون الأحاديث الضعيفة والموضوعة ولا يتورعون عن نسبتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، مع ما ورد في ذلك من الوعيد الشديد كقوله صلى الله عليه وسلم : ( من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ) [ أخرجه البخاري ومسلم ]. وقديما بذل علماؤنا أعظم الجهود في تنقية السنة المطهرة مما لحقها مما ليس منها ، كما قال ابن المبارك لما سئل عن هذه الأحاديث الموضوعة : ( تعيش لها الجهابذة ) ، أي جهابذة أهل الحديث الذين يميزون صحيح الحديث من سقيمه ، وإن واجباً على أهل العلم أن يسيروا على نهج أسلافهم في الحفاظ على سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وتنقيتها من الدخيل .
وقد كنا فيما مضى نعيب على بعض الوعاظ وأئمة المساجد عدمَ تمحيصهم لما يلقونه على آذان الناس وكونهم يكثرون من ذكر الأحاديث الضعيفة في خطبهم ، لكننا اليوم في خطب أشد من ذلك ؛ إذ إنه مع انتشار مواقع التواصل وغيرها صار الكل يكتب ما يحلو له ، وصار من الظواهر المزعجة استغلال تلك المواقع في الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وصرنا في كل يوم نجد منشورات تَنْسب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا نجده في شيء من كتب الحديث حتى ما هو من مظان الأحاديث الضعيفة والموضوعة ، حتى ليخيل إليَّ أن هناك طائفة من أعداء الدين تخصصوا في تأليف هذه الروايات الغريبة ونشرها من أجل تشويه صورة هذا الدين الحنيف والتشكيك في ثوابته .
ومن أسوأ ما نراه في ذلك مسلك أقوام من البسطاء ممن تعجبهم بعض تلك الروايات المكذوبة لما فيها من الترغيب في بعض أمور الدين فينشرونها ،بل يطالبون غيرهم بنشرها زاعمين أن في نشرها أجراً وثواباً ، وكل ذلك منشؤه الجهل وعدم إدراك خطورة الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ،حتى لو كان ذلك فيما يُظن أن فيه ترغيباً في الخير وعمل الصالحات .
وإن مما ينبغي أن نتنبه إليه أيضاً أن أي كتابة حول السيرة النبوية وما يتعلق بها لا بد فيها من مراعاة  تحري الصحة فيما ينسب للنبي صلى الله عليه وسلم ،والبعد عن الروايات الواهية والموضوعة ،حتى لو أخذت تلك الكتابات شكل الأعمال الأدبية من قصة وشعر ونحو ذلك .
 ومن أجل ذلك كان مما يُحمد للدكتور طه حسين أنه حين كتب  كتابه : ( على هامش السيرة ) ،وذكر في مقدمته أنه لم يكتبه للعلماء ولا للمؤرخين ، ولا أراد به العلم ولا قصد به إلى التاريخ ، وإنما هو يكتب لوناً من الأدب يستلهم فيه بعض ما ورد في كتب الأقدمين من كُتَّاب السير وغيرهم ، أقول : إن ما يحُمد له أنه حرص على أن يبين منهجه في الأخبار المتعلقة بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه التزم فيها منهج الأقدمين من كتاب السيرة وعلماء الحديث ،وذلك حيث يقول : ( وأحب أن يعلم الناس أيضا أني وسعت على نفسي في القصص، ومنحتها من الحرية في رواية الأخبار واختراع الحديث ما لم أجد به بأساً ، إلا حين تتصل الأحاديث والأخبار بشخص النبي ، أو بنحو من أنحاء الدين ؛ فإني لم أبح لنفسي في ذلك حرية ولا سعةً ، وإنما التزمت ما التزمه المتقدمون من أصحاب السيرة والحديث ، ورجال الرواية وعلماء الدين ) . صحيح أنه لم يجعل من همه تحقيق الروايات وتمحيصها ، لكنه على الأقل أشار إلى مصادره التي رجع إليها وكلها من المصادر الأصلية المعتمدة  عند أهل العلم كتاريخ الطبري وسيرة ابن هشام وطبقات بن سعد ، ثم لم يحمل نفسه تبعة تلك الروايات وإنما ترك المجال لمن شاء التأكد من صحة خبر أن يفعل ، وذلك حيث يقول: ( فإذا اتصل الخبر بشخص النبي فإني أرده إلى مصدره ليستطيع من شاء أن يرجع إليه ، لا احتمل في ذلك تبعة خاصة ).
وبسبب هذه القضية –قضية التدقيق في الروايات وتحري الصحة فيها – وقع جدال شديد بين الأستاذ عباس العقاد والشيخ المحدث أحمد محمد شاكر في أربعينيات القرن الميلادي المنصرم ، وذلك أن الأستاذ العقاد رحمه الله قد أورد في كتابه الصديقة بنت الصديق رواية غريبة عن عائشة رضي الله عنها حيث قال -في معرض حديثه عما كانت تمتاز به عائشة من سرعة الفهم  وحفظ الشعر والاستشهاد به - : ( وكانت تحفظ من شعر عروة بن الزبير نفسه ، وتسوق الشاهد منه في موقعه، كما قالت -وهي ترى النبي عليه السلام يتندى عرقاً في يوم قائظ - وقد جلس يصلح نعله: لو رآك عروة لكنت المعني بقوله:
فلو سمعوا في مصر أوصاف خده ... لما بذلوا في سوْم يوسف من نقد
لواحى زليخا لو رأين جبينه ...   لآثرن بالقطع القلوب على الأيدي ) .
[ الصديقة بنت الصديق ص: 52] .
فانتقد الشيخ أحمد شاكر إيرادَ العقاد لتلك القصة في كلمة نُشرت بمجلة الثقافة بتاريخ 22 محرم 1363هـ ( العدد 264) ، وقد كانت خلاصة نقد الشيخ شاكر رحمه الله أن ذكر أنه بحث عن هذه الرواية في المصادر المحترمة من كتب الحديث والسير والتاريخ حتى أتعبه البحث، فلم يجد لها أثراً في شيء من تلك الكتب ، فضلاً عن أن المعروف من كتب الرجال والتاريخ الصحيح أن عروة بن الزبير إنما هو من التابعين ، وأنه إنما ولد في آخر خلافة عمر سنة 23 ، وقيل بعد ذلك ، فمن المحال أن يكون له شعر في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم تنشده إياه عائشة .
لكن الأستاذ العقاد لم يُسلِّم بما ذكره الشيخ شاكر فرد عليه في العدد ( 551)  من مجلة الرسالة ، ودار بينهما سجال شديد على صفحات الجرائد والمجلات لا يتسع المقال هنا لذكر تفاصيله ، لكن الذي نريد أن نقف عنده هو جزء من رد العقاد يقول فيه : ( وهب أن عروة لم يقل هذا الشعر ولم تنشده السيدة عائشة، فماذا في الرواية مما لا ينبغي للسيدة عائشة أو مما لا ينبغي للنبي عليه السلام؟ هل فيها إلا أن السيدة عائشة كانت تثني على جمال النبي ، وأن النبي كان يسره هذا الثناء؟ أهذا الذي لا ينبغي لعائشة رضى الله عنها ولمحمد صلوات الله عليه؟ كلا بل هذا الذي ينبغي لهما دون غيره، ومن أنكره فهو الكاذب الذي لا يفقه ما يقول .وهأنذا أعيدها جهرة بغير سند ولا رواية من شاعر أو فقيه: لقد كانت عائشة تثني على جمال محمد ، وكان محمد يرضى عن هذا الثناء . أسمعت يا هذا ؟ ... ) .
والحق أن هذا المنطق مخالف تمام المخالفة لما استقرت عليه قواعد علم الحديث ،وما أجمع عليه سلف هذه الأمة من عدم قبول رواية إلا بعد تمحيصها بدراسة سندها ومتنها ؛ وذلك أن مقام النبي صلى الله عليه وسلم ليس كمقام أحد من الناس ، فلا بد من توخي غاية الدقة والحذر حين ننسب إليه خبراً من الأخبار، وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( إن كذباً عليَّ ليس ككذب على أحد ،فمن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ) أخرجه البخاري ( 1229) ومسلم (4) من حديث المغيرة بن شعبة ] . وقال صلى الله عليه وسلم : ( من حدَّث عني بحديث يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ) [ أخرجه مسلم (1) والترمذي ( 2662) وابن ماجه ( 41) من حديث المغيرة بن شعبة  ] .وإذا كنا قد نهينا عن الكذب بصفة عامة فكيف بتعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولقد كانت خصيصة الإسناد من خصائص هذه الأمة التي امتازت بها عن غيرها من الأمم ، وهي تعني أنه لا يقبل حديث إلا إذا كان له إسناد صحيح متصل ، ولذا قال الإمام الجليل عبد الله بن المبارك رحمه الله فيما أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه : ( الإسناد من الدين ، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء ) ، ثم كان علم الرجال وعلم الجرح والتعديل أيضاً مما امتازت به هذه الأمة ،بحيث صارت قواعد علمائنا في تمييز الحديث الصحيح من السقيم ونقد الأسانيد والمتون أعظم ما توصلت إليه البشرية في نقد الأخبار ورواتها .
ولو أننا أخذنا بمثل هذا المنطق في أن نقول عن كل رواية تصل إلينا : وماذا في هذه الرواية مما لا ينبغي ؟ لفتحنا الباب لكل أحد أن يخترع من الأقوال مايظنه صواباً ثم ينسبه للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ،ولضاع الدين كله ، ومن أجل ذلك كان علماؤنا الأقدمون يتصدون للأحاديث الموضوعة ويبينون بطلانها حتى لو كانت في ظاهرها تحث على شيء مما حث عليه الدين .وقد كان في القديم طائفة من أهل البدع يضعون الأحاديث حسبةً –فيما يزعمون- أي يخترعون أحاديث في الترغيب في بعض فضائل الأعمال ، والترهيب من الذنوب والمعاصي ، فإذا حذَّرهم أهل العلم من مغبة الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: : (نحن نكذب له لا عليه) ، وهذا كما يقول ابن كثير في الباعث الحثيث : ( من كمال جهلهم وقلة عقلهم وكثرة فجورهم وافترائهم ؛ فإنه عليه السلام لا يحتاج في كمال شريعته وفضلها إلى غيره ) .
وبعد : فغني عن البيان أننا لا نقصد بهذا ما يقصده المتطاولون على السنة ممن يقدحون في الأحاديث الصحيحة لمجرد مخالفتها لعقولهم وأهوائهم ، وإنما نعني بذلك الذب عن سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وتنقيتها مما ينسب إليها من الروايات الباطلة والموضوعة وفق منهج أهل الحديث الذي توارثته الأمة جيلاً بعد جيل .
 

إقرأ ايضا