الشبكة العربية

الأربعاء 12 ديسمبر 2018م - 05 ربيع الثاني 1440 هـ
الشبكة العربية

هل يطرق زلزال خاشقجي أبواب القاهرة ؟!

عندما نصف توابع جريمة قتل جمال خاشقجي المروعة بأنها زلزال يعصف بالمشرق العربي فلسنا نبالغ ، فلم يحدث أن تسببت حادثة قتل بمثل تلك التداعيات الخطيرة في المنطقة ، والتي هزت عروشا ظنت أنها راسخة رسوخ الجبال ، وأربكت حسابات ، وأوقفت حروبا ، وفي طريقها لفض تحالفات إقليمية لها سنوات تعمل على بناء جبهة سياسية وعسكرية واقتصادية ، كل ذلك انهار أو تضعضع في أسابيع قليلة .
مركز الزلزال هو في السعودية دون شك ، وحتى كتابة هذه السطور لا أحد يعلم ما تنتهي إليه الأحداث والنتائج ، هناك اعتراف مهين أمام العالم بالمسئولية عن قتل خاشقجي وتقطيع جثمانه في قنصيلة المملكة في اسطنبول ، وهي جريمة بشعة بكل المقاييس ، وهناك أحد عشر مسئولا رفيعا تمت إحالتهم رسميا إلى القضاء السعودي ، مع المطالبة بإعدام خمسة منهم ، وأحد جناحي ولي العهد السعودي وذراعه القوية ، سعود القحطاني ، المستشار بالديوان الملكي ، تمت الإطاحة به ووضعه في لائحة الاتهام ، وأيضا توقيع وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات عليه ، مثل غيره من القتلة والإرهابيين ، وهي نتيجة لم تكن تمر على خيال القحطاني قبل أقل من شهرين في أسوأ كوابيسه ، ولكنها اليوم واقع يعيشه الجميع .
وأخطر من ذلك أن منصب ولي العهد السعودي نفسه أصبح مرشحا للتغيير ، رغم كل ما يقال عن امتلاك الأمير محمد بن سلمان لمفاتيح القوة الأمنية والعسكرية في المملكة ، فهناك من يملكون نسخة أخرى من تلك المفاتيح ، خارج المملكة وداخلها ، والجميع يترقب الموقف الأمريكي النهائي والأخير الذي يحسم الانقسام داخل الإدارة الأمريكية ، والذي يحاصر الرئيس ترامب الآن ، لإجباره على رفع حمايته عن ولي العهد السعودي .
مركز الزلزال كان في الرياض ، لكن ارتدادات زلزال خاشقجي كانت لها أصداء في أماكن عديدة ، فقد أجبرت التحالف السعودي الإماراتي على وقف الحرب في اليمن خلال شهر ، كما أربكت كل حسابات الشيخ محمد بن زايد ، رجل الإمارات القوي ، وولي عهد أبو ظبي ، وأجبرته على استضافة قيادات من جماعة الإخوان المسلمين في اليمن ، بعد أن ظل هو وإعلامه سنوات يصفونها بالإرهابية وينددون بجرائمها المزعومة في اليمن وخطورتها على المنطقة ، وحرضوا السعودية ومصر على الجماعة أيضا ، الآن يصافحونها ويحتضنونها ويستقبلون رموزها وقادتها على البساط الأحمر في أبو ظبي .
توابع الزلزال أيضا أعادت الاعتبار للدوحة ، وهناك الآن دعوات علنية من مسئولين أمريكيين وأعضاء بالكونجرس تدين الحصار الذي فرض عليها وتطالب بإلغائه فورا ، ويعتبرونه من الأدلة على نزق السياسات السعودية في ظل إدارة ولي العهد ، بل وصل الأمر إلى أن الأمير محمد بن سلمان يشيد بقطر واقتصادها في مؤتمر الاستثمار الأخير ، وهي إشارة كانت كافية للدلالة على حجم التحول في موازين القوى ، كما أن قطر أصبحت تتحدث الآن من موضع القوة والهجوم وليس من موقف الدفاع ، بل وتطالب الرياض وأبو ظبي بالاعتذار والتعويض قبل أي مصالحة ، وهو انقلاب كبير في المواقف .
هل يمكن تصور أن توابع هذا الزلزال ستبقى بعيدا عن أسوار العاصمة المصرية ؟ وبوجه آخر يكون السؤال : هل يمكن تصور ثبات السياسة المصرية الداخلية والخارجية في ظل تلك التغيرات الكبرى في السياسة السعودية والإماراتية ؟ أعتقد أن إجابة السؤال يمكن أن تكشف لنا صورة تقريبية للمشهد في المستقبل القريب في القاهرة .
مثلما لاحظ مراقبون اتخاذ بن سلمان خطوة إلى الوراء بالثناء على قطر في مؤتمر الاستثمار الأخير ، لاحظوا اتخاذ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خطوة مشابهة إلى الوراء في مجال شديد الحساسية وهو الجمعيات الأهلية والمجتمع المدني ، بما يشمله من منظمات حقوق الإنسان ، وأعلن أمام الجميع إدانته لقانون الجمعيات الأهلية ، والذي دافع هو نفسه عنه قبل عدة أشهر ، ورفض كل الدعوات التي رفعت إليه للامتناع عن التصديق عليه ، وصدق عليه ، أعلن الآن أنه قانون معيب وأنه يستدعي المراجعة وإعادة النظر ، هذه أول مرة يعتذر السيسي عن تشريع أصدره ووقع عليه منذ توليه السلطة .
السياسة الداخلية والإقليمية المصرية خلال فترة حكم السيسي شيدت دعائمها على أساس تحالف قوي ومتطابق الرؤية ، بين القاهرة والرياض وأبو ظبي ، سواء في الموقف من ثورة يناير والربيع العربي أو من جماعة الإخوان والتيار الإسلامي بشكل عام ، أو من ملفات حقوق الإنسان والموقف الصارم ضد المعارضات السياسية ، أو من قطر وتركيا .
هذا التحالف يتهاوى الآن ، بسبب قضية خاشقجي ، وهناك غزل متصاعد من الجانب السعودي لتركيا ومحاولات ترضية بأي شكل لوقف حملتها في ملف خاشقجي ، وهناك ترتيبات كويتية لمصالحة مع قطر ، وهناك خطوات إماراتية للتنسيق مع الإخوان ، وهناك خطاب إخواني يمهد لعلاقات جديدة مع السعودية وهو واضح من تصريحات قيادات إخوان مصر واليمن المجاملة للمملكة في قضية خاشقجي ، أي أن كل طرف من أطراف التحالف أصبح يبحث عن "مهرب" خاص به من الورطة ، وينأى بنفسه عن الآخرين ، أو لا يعيرهم أهمية في أولويات حساباته ، لأن الحادث ضاغط على الجميع ، وهو ما سيفرض على القاهرة أن تفكر هي الأخرى بحساباتها الخاصة ، بعيدا عن حسابات أبو ظبي والرياض ، وهو ما سينعكس حتما على تقديرات الموقف السياسي في الداخل والخارج .
أيضا ، كانت من تداعيات زلزال خاشقجي تحول كبير ومذهل في الموقف الغربي من ملف حقوق الإنسان والحريات السياسية والمجتمع المدني وحصار الإعلام في العالم العربي ، وهو غضب عارم تقوده صحف هائلة التأثير مثل الواشنطن بوست ونيويورك تايمز ، كما أتى فوز الديمقراطيين في انتخابات الكونجرس الأخيرة ليضع هذا الملف على أولويات السياسة الخارجة الأمركية تجاه المنطقة ، كما صدرت تصريحات واضحة من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا ، تتحدث عن مراجعات ضرورية لتلك الملفات في البلاد العربية .
كانت الحسابات المصرية والعربية بشكل عام تتأسس في المرحلة السابقة على أن تلك الملفات لم تعد لها أولوية لدى صانع القرار الغربي ، وخاصة الأمريكي ، وأن الصدارة محصورة في ملفين : مواجهة الإرهاب ، ومواجهة تدفق الهجرات المتوالية إلى الشاطئ الآخر من المتوسط ، وهو ما أغرى كثيرا من السلطات العربية بإطلاق يدها في قمع الحريات والتوسع في الاعتقالات وحصار المجتمع المدني والضغط على الصحفيين والإعلاميين ومصادرة الفضاء الإعلامي بصورة شبه كاملة .
اليوم ، وبعد زلزال خاشقجي ، ريح الموقف الغربي تغيرت ، واستعاد خطاب الضغط في مجال الحريات وحقوق الإنسان وحرية الصحافة والمجتمع المدني حضوره ، وهناك ملفات كثيرة متعلقة بمصر في هذا المجال يمكن فتحها من جديد ، كما أن هناك ملفات لها وجه شبه بقضية خاشقجي ، مثل قضية الباحث الإيطالي "جوليو ريجيني" والتي يمكن تحريكها وستكون بالغة الخطورة إذا تبنتها الصحف العالمية وخاصة الأمريكية في زخم قضية خاشقجي ، خاصة وأنها تتلكأ في إجراءات قضائية بلا أفق للنهاية ، وهو ما سيضغط على صانع القرار في القاهرة وعواصم أخرى لإجراء مراجعات تستوعب التغير الجديد ، ويمكن أن نضع تراجع السيسي عن قانون الجمعيات الأهلية مؤخرا في هذا السياق .
هل سيطرق زلزال خاشقجي أبواب القاهرة ، هذا ما أتصور أنه سيحدث ، وسنشهد بعض مؤشراته خلال الأشهر القليلة المقبلة .

 

https://www.facebook.com/gamalsoultan1/
twitter: @GamalSultan1

 

إقرأ ايضا