الشبكة العربية

السبت 07 ديسمبر 2019م - 10 ربيع الثاني 1441 هـ
الشبكة العربية

مواقف متباينة وسياقات متباينة

منذ سنوات، بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، جمعتنى بفضيلة الإمام شيخ الجامع الأزهر مناظرة حامية ملأت صفحات من صحيفة "أخبار الأدب"، بل وشغلت مساحات من غلاف الصحيفة لأكثر من عدد من أعدادها ... لم أسع وقتها لهذه المناظرة، ولا هو كان فى ذهنى أن أخوضها أصلاً لولا أن بادر الشيخ أحمد الطيب وقتها بالرد على مقال لى انتقدت فيه وبقسوة تدخل الأزهر فى الشأن السياسى المصرى بمناسبة صدور ما عُرِف بوثيقة الأزهر التى شارك فيها مجموعة من المثقفين المصريين، جلهم ممن تجمعنى بهم صداقات وطيدة واحترام متبادل، لكننى رأيتهم يدخلون حظيرة الدولة الدينية من بوابة الأزهر الذى خلطت وثيقته بين ما هو دينى وما هو سياسى، وكانت مقالتى التى اشتبك معها فضيلة الشيخ الطيب موجهة فى الأساس لهؤلاء الأصدقاء لا لفضيلته ولا لمؤسسته التى تبقى مؤسسة دينية لها مقامها الذى كان ومازال يحظى باحترامى، كما يبقى لشخص الشيخ الطيب فى نفسى ما هو جدير به من توقير وتقدير

كنت أومن وقتها - ومازلت - بضرورة أن تتغلب الحكمة على الأهواء فى تعريف العلاقات الحرجة والشائكة بين الدين والسياسة، فدخول السياسة إلى حظيرة الدين، أو دخول الدين إلى حظيرة السياسة، كلاهما خطأ جسيم من شأنه أن يضر بالدين وبالسياسة معاً، خاصة فى عالم اليوم ذى العلاقات المتداخلة والمعقدة التى ستؤدى حتماً - حال عدم التزام هذه الحكمة - إلى تنازع الدين والسياسة على أيهما تكون له السيطرة على الفضاء العام : رجل الفقه على رأس المؤسسة الدينية، أم رجل الحكم على رأس السلطة السياسية؟!

موقفى هذا لا يعنى أن ليس للدين علاقة بالسياسة والحكم، فلا سياسة ولا حكم ينفصل أيهما عن التشريع، ولا تشريع يمكن أن ينفصل عن ثقافة المجتمع وأعرافه المستقرة كما أكد ذلك حتى فلاسفة عصر التنوير الأوروبى مثل مونتسكيو فى "روح القوانين" ... الدين بلا شك مكون رئيس من مكونات الثقافة على مستوى رؤية الإنسان والمجتمع لعناصر الوجود ولغايته ولمعناه، لكن الدين - رغم عظم تأثيره فى ثقافة المجتمع - ليس المكون الوحيد لهذه الثقافة التى تتداخل فيها تأثيرات التجارب التاريخية، والخصوصية البيئية، والطبيعة الإنسانية، إلى آخر هذه المكونات التى تشكل الثقافة المجتمعية ومن ثم تستجيب لها الظروف المدنية والسياسية والتشريعية لأى مجتمع لا للمجتمع المصرى فحسب

الخطأ إذن الذى ترتكبه المؤسسات الدينية، أو ذلك الذى تتبناه المؤسسات الحزبية التى تتبنى منطق ما يُعرف بالإسلام السياسى، عندما تتجاهل مكونات الثقافة المجتمعية عدا المكون الدينى، إنما أراه لا يختلف عن الخطأ الذى ترتكبه جماعات مدنية ترى تجاهل الدين كلية من المشاهد المدنية والسياسية والتشريعية ... هناك دائماً نقطة توازن أدركها - ويا للعجب - أئمة الفقه الإسلامى الأوائل كما لا يدركها المقلدون المحدثون ممن لا يجرؤ المجتمع على مواجهتهم بآفاتهم الفكرية خوفاً من الوقوع ضحية تهمة إزدراء الدين، أو تهمة العمالة للغرب "الصليبى"، أو تهمة الانحلال والتقليد الأعمى لأعداء الدين والانسحاق الحضارى أمام المؤامرة الكونية على الإسلام والمسلمين !

عارضت إذن وقتها وثيقة الأزهر، وعارضت بشدة تورط الأزهر فى تكييف المفاهيم المدنية وتشكيل الأفكار السياسية لتناسب الطلب على الأفكار فى تلك الأيام السائلة، فقد كان المناخ العام وقتها معبأً بأصوات الاستعلاء الدينى الذى يسعى أصحابه بإصرار لفرض سلطانهم الدينى على مقدرات مصر المدنية، وهو ما كان يعنى بالتبعية وبالضرورة الإقرار بالمنطق القائل بحق صاحب القوة فى فرض سلطانه على مقدرات مصر الدينية، وهو ما حدث بالفعل لاحقاً حين جلس صاحب القوة السياسية (أو العسكرية) أمام الإعلامية زينة يازجى فى شهر مايو 2014، وكان وقتها مرشحاً للرئاسة، ليتحدث بكل ثقة فى أنه الرئيس القادم، ويقرر أن "رئيس الدولة مسؤول عن كل حاجة فيها حتى دينها" ! ... ثم استطرد "باعتباره رئيساً" قائلاً : "أنا مسؤول عن القيم والمبادئ والأخلاق والدين" ! ... هذا هو ما ورط فيه الأزهر نفسه، وورطتنا فيه جماعات ما يُعرف بالإسلام السياسى، حين تمت إزالة الحدود الفاصلة بين الدين والدولة، أو بين الدين والسياسة، أو بين المؤسسة الدينية ومؤسسة الحكم !

بقدر ما عارضت فضيلة شيخ الأزهر وقتها بقدر ما أتضامن معه اليوم، لا لأننى أوافقه بالضرورة فيما ذهب إليه، ولا لأننى أقر بوصاية الأزهر على كل ما هو دينى أو إسلامى، فذلك الإقرار - رغم دستوريته - خطأ كبير وخطر جسيم؛ لكننى أتضامن معه لإيمانى بأن ما يخص المؤسسة الدينية وبناء منظومتها الفكرية والفقهية لا يجوز لرئيس الدولة - رئيس السلطة التنفيذية - أن يفرض عليه وصايته، أو أن يطرح على إمام المؤسسة الأزهرية توجيهاته باعتباره رئيساً للدولة ! ... ما بين موقف المعارضة وموقف التضامن تغير فى السياق التاريخى، لا تغير فى السياق المفهومى الفكرى؛ فموقفى يبقى ثابتاً فى الحالتين، وهو أن يبقى لرئيس الدولة ما يخص رئيس الدولة من شؤون الحكم، ويبقى لشيخ الأزهر ما يخص شيخ الأزهر من شؤون مؤسسته الدينية، وليس للاثنين فى كل الأحوال أن يفرض أيهما على الشعب المصرى كيف تكون اختياراته الدينية، ولا كيف تكون اختياراته السياسية؛ فللتوازنات فى المجتمع، وفى جسد الدولة، وفى عقل الشعب وضميره وثقافته، آليات معقدة؛ وإذا لم يستوعب رئيس الدولة بعيداً عن سلطته السياسية، ولم يدرك شيخ الأزهر بعيداً عن سلطنه الدينية، هذه الآليات، وكيف يمكن التعامل غير السلطوى معها، فإن هذا يكون كاشفاً لأزمة الخطاب السياسى وأزمة الخطاب الدينى اللتين لم يتعرض لهما الرئيس والإمام وهما يدافعان عن موقعيهما وعن سلطتيهما، لا عن صالح الدولة ولا عن صالح الدين !!
 
 

إقرأ ايضا