الشبكة العربية

الخميس 24 يناير 2019م - 18 جمادى الأولى 1440 هـ
الشبكة العربية

من مرسي إلى البشير .. تحدي الديمقراطية عند الإسلاميين


انفجار موجات الغضب الشعبي في السودان ضد نظام حكم الرئيس عمر البشير سبب اضطرابا كبيرا في مواقف الإسلاميين ، في مصر والمنطقة العربية بكاملها ، ما بين مؤيد لثورة الشعب السوداني ضد "الديكتاتور" الذي جثم على صدورهم ثلاثين عاما دون أن ينجز شيئا وانتهى الأمر إلى أن المواطن يبحث عن رغيف الخبز ولا يجده أو يقف في طوابير طويلة للحصول على خبز لأولاده ، في بلد يوصف بأنه سلة غذاء العالم ، فضلا عن تسلمه الدولة كاملة فانتهت نصف دولة خلال عهده فداء لمنصبه ، وبين آخرين يرون أن البشير رئيس شرعي مظلوم وأنه لم يعط الفرصة الكافية وأنه تعرض لمؤامرات داخلية وخارجية وحصار وتهديد من المحكمة الدولية لجرائم الحرب .
اضطراب موقف الإسلاميين من ثورة الشعب السوداني على البشير يعيدنا إلى استحضار موقفهم من احتجاجات الشعب المصري على الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي ، لأن الانقسام نفسه وقع ، بدرجات متفاوتة ، حتى بين الإسلاميين أنفسهم ، بين من يرى أن مرسي رئيس شرعي منتخب وأنه لم يعط الفرصة الكافية ، وأنه تعرض لمؤامرات داخلية وخارجية ، ومن يرى أنه فشل فشلا ذريعا في الوفاء بأي شيء مما قدمه للقوى السياسية عندما تقدم بأوراق ترشيحه ، وعمق الانقسام الخطير في المجتمع لدرجة وصلت إلى حد الاحتراب في الشوارع ووقوع قتلى من الطرفين ، فضلا عن تهميش القوى المعارضة وإزاحة كل شركاء ثورة يناير عن أن يكون لهم أي دور حقيقي في الدولة والمرحلة الجديدة .
منطق كل الأطراف متطابق في حالة الدفاع عن مرسي والبشير ، فكلاهما يمثل المشروع الإسلامي ، وكلاهما ينتمي إلى التيار الإسلامي ، وكلاهما وصف بأنه حافظ لكتاب الله ، وأنه يحافظ على الصلوات وأنه يصوم الاثنين والخميس من كل أسبوع وأنه رئيس متواضع وأنه رئيس منتخب وأنه رئيس يتعرض لمؤامرات ، نفس المنطق الذي دافع به قطاع من الإسلاميين عن تجربة مرسي يتم استحضاره الآن ـ بقضه وقضيضه ـ للدفاع عن البشير ، وإذا كان مرسي لم يمكث في السلطة أكثر من عام ، وقالوا أنه لم يأخذ فرصته ، فإن البشير مكث في السلطة ثلاثين عاما ، ومع ذلك يقولون أنه لم يأخذ فرصته ، أو أن "أهل الشر" لم يتركوه يأخذ فرصته طوال تلك السنوات ، وبالتالي لا بد من إعطائه الفرصة ، خاصة وأنه وعد بالإصلاح .
الإسلاميون أمام تحد حقيقي في الموقف من الديمقراطية ، واختبار تاريخي بالغ الخطورة عن مدى إيمانهم بالديمقراطية ، وأيضا موقفهم من الاستبداد ، بما هو استبداد ، بغض النظر عن "ايديولوجية" المستبد أو حزبه أو جماعته ، فهل نحن ضد الاستبداد بشكل عام ومبدأي ، أم أننا ضد الاستبداد إذا كان على رأسه من يخالفنا الرأي والأيديولوجية ، فإذا كان المستبد من شيعتنا ومن جماعتنا أو من تيارنا قبلناه ودعمناه وساندناه وبررنا أفعاله ، مهما كانت غضبة الشعب ضده ، بل يمكن اتهام الشعب الغاضب بأنه مرتزقة وخونة ومتآمرون ونحو ذلك مما هو مكرر في أي تجربة سلطوية ضد ثورات الشعوب .
البشير ، الذي يحافظ على الصلوات ويصوم الاثنين والخميس من كل أسبوع ، قتل حتى الآن حوالي أربعين مواطنا بالرصاص الحي ، معظمها بطلقات في الرأس مباشرة ، من أجل إخماد ثورة الشعب ضده ، وهؤلاء لن يتوقف الإسلاميون عندهم طويلا فهي مجرد أرقام ، وقد تتصاعد في الأيام المقبلة حسب الأحداث ، كما أن حوالي مائة واثنين وسبعين مواطنا قتيلا ضحايا الشرطة في عام حكم مرسي لم يتذكرهم الإسلاميون ، ولا يحبون من يذكرهم بهم .
هناك مشكلة حقيقية في وعي الإسلاميين بالحرية ومقوماتها ، وخاصة الديمقراطية والتعددية السياسية واحترام حقوق الإنسان وكرامة الإنسان قانونيا ومؤسسيا وسلوكيا وثقافة عامة للدولة ، وعلى الرغم من أن الإسلاميين تحديدا هم أكثر ضحايا غياب الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان في المنطقة العربية ، إلا أن القضية لم تتبلور حتى الآن في أذهانهم وفي خطابهم السياسي وفي سلوكهم السياسي على حد سواء ، وهو ما يستدعي حوارات عاجلة وأمينة وجادة بين الإسلاميين لجلاء موقفهم من ذلك كله ، لأنه جوهري في ضبط بوصلة نضالهم السياسي الحالي والمستقبلي من جهة ، ومن جهة أخرى هو شرط أساس لبناء جسور الثقة بينهم وبين القوى والتيارات السياسية الأخرى ، لأن تلك الثقة لا يمكن أن تتوافر أو أن يضع أحدهم يده في يدك من أجل أي مشروع سياسي للإصلاح وأنت ما زلت غير حاسم في إيمانك بالقبول بالآخر كشريك سياسي ، وغير حاسم في إيمانك بالديمقراطية والتعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة وحق الجميع ـ الجميع ـ في ذلك .
 

إقرأ ايضا