الشبكة العربية

الجمعة 23 أكتوبر 2020م - 06 ربيع الأول 1442 هـ
الشبكة العربية

منهج كتابة السيرة النبوية في مساجلة بين أحمد شاكر والعقاد

في أربعينيات القرن العشرين بدأ الأستاذ عباس العقاد رحمه الله ( 1989- 1964م ) في كتابة كتبه في الإسلاميات التي  كان من أشهرها عبقرياتُه المعروفة، وكتبٌ أخرى عن جملة من الصحابة الكرام . ولا شك أنه قد كان في تلك الكتابات قدر كبير من الدفاع عن رموز الإسلام وبيان عظمتهم ودفع الشبهات عنهم . إلا أن بعض أهل العلم في تلك الفترة ،رأوا أن في بعض تلك الكتابات ما يحتاج لشيء من النقد والتعقيب والبيان .
وقد كان من أولئك العلماء العلامة المحدث أحمد محمد شاكر رحمه الله ( 1892-1958م) ،حيث انتقد بعض ما ذكره الأستاذ العقاد في إسلامياته المشار إليها . ومن ذلك تعليقه على واقعة أوردها العقاد في كتابيه: ( عبقرية الصديق ) و(الصديقة بنت الصديق ) ،تتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم ،وزوجه عائشة رضي الله عنها . وإليك نص تلك الواقعة كما جاءت في كتاب الصديقة بنت الصديق ( ص: 52) حيث قال العقاد -في معرض حديثه عما كانت تمتاز به عائشة من سرعة الفهم ،وحفظ الشعر والاستشهاد به - : ( وكانت تحفظ من شعر عروة بن الزبير نفسه ، وتسوق الشاهد منه في موقعه، كما قالت -وهي ترى النبي عليه السلام يتندى عرقاً في يوم قائظ - وقد جلس يصلح نعله: لو رآك عروة لكنت المعنيَّ بقوله:
فلو سمعوا في مصر أوصافَ خدِّه   *** لما بذلوا في سَوْم يوسفَ من نقد
لَواحي زليخا لو رأين جبينه ***   لآثرن بالقطع القلوب على الأيدي  ).
وقد كان نقد الشيخ أحمد شاكر لتلك القصة من خلال رسالة بعث بها إلى صديقٍ له كان يحرر باباً ثابتاً بمجلة الثقافة ، عنوانه : الصحافة والأدب في أسبوع ، ويوقعه بتوقيع " قاف" [ اكتشفت مؤخراً أن الأستاذ قاف هذا ،لم يكن إلا الأديب محمد سعيد العريان رحمه الله ، وذلك كما ذكر الأديب عباس خضر في كتابه (غرام الأدباء ) ص: 121] .
وقد كان مما ذكره الشيخ شاكر في نقده ،أنه بحث عن هذه الرواية في المصادر المحترمة من كتب الحديث والسير والتاريخ حتى أتعبه البحث، فلم يجدها ، فضلاً عن أن المعروف من كتب الرجال والتاريخ الصحيح أن عروة بن الزبير من التابعين ، وأنه إنما ولد في آخر خلافة عمر رضي الله عنه سنة 23 ، وقيل بعد ذلك ، أي بعد وفاة رسول الله بأكثر من اثنتي عشرة سنة ، فكيف تتمثل عائشة بشعر عروة بن الزبير قبل أن يخلق ؟
 كما بين الشيخ رحمه الله أن الذي يغلب على ظنه أن الأستاذ العقاد قد رأى تلك القصة في كتاب من كتب السمر ، فنقلها على أنها حقيقة تاريخية ثابتة ، ( ونسي أن أمثال هذه الحكايات تعتبر حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه يجب في الحديث عنه تحري الصدق والصحة ؛ على قواعد أهل العلم بالحديث ، خروجاً من تبعة قوله صلى الله عليه وسلم : " من حدث عني بحديث يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين "...) . وقد نشر العريان رسالة الشيخ شاكر بالعدد ( 264) من مجلة الثقافة الصادر في ( 22 محرم 1363هـ -18/ 1/ 1944م ). ثم عقب عليها بما يفيد تأييده للشيخ شاكر فيما ذهب إليه .
والذين يعرفون العقاد ،واعتدادَه الشديد بنفسه لا بد أن يتوقعوا منه ردةَ فعل عنيفة تجاه هذا النقد الجرئ لبعض ما كتب . وهو ما حدث بالفعل ؛ إذ كتب في العدد ( 551) من مجلة الرسالة الصادر في 24/ 1/ 1944م مقالاً بعنوان ( في التأني السلامة ) . وكان أكثر ذلك المقال منصباً على التنقيص من الشيخ شاكر ، وبيان أن دافعه إلى نقد العقاد هو حقده عليه ، وأنه يدَّعي العلم والتحقيق والمعرفة بأمهات كتب السنة والسيرة ،بينما هو في الحقيقة ( لا يزال يتهجى في مراجعة فهارس المكتبات ) . كما أنه لم يفته أن يَصبَّ شيئاً من غضبه على المحرر " قاف" الذي تجرأ فأيد الشيخ شاكر فيما ذهب إليه .خاصة وأنا قد ذكرنا أن " قاف " هو سعيد العريان ، وهو صفيُّ الأديب مصطفى صادق الرافعي، وتلميذه النجيب ، والذي كان دائماً يقف في صف أستاذه الرافعي في معاركه وخصوماته الفكرية مع العقاد ، وما أكثرَ تلك المعارك ،وما أشدَّ تلك الخصومات .
وسأكتفي هنا بنقل فقرتين من رد العقاد أرى أنهما تمثلان وجهة نظره في إيراده لتلك الرواية ، كما أنهما تظهران مدى شدته على مخالفيه وحدته التي أشرنا إليها قبل قليل .
أما الفقرة الأولى فهي قوله : (فليعلم هذا الكاتب - الجريء - إذن أننا لم نخترع هذه القصة من عندنا، وأننا لم نرها في كتاب من كتب السمر ،ولا في كتاب من الكتب التي يعوزها الاحترام؛ لأن شرح شمائل الترمذي ليس اختراعاً لمؤلف (الصديقة بنت الصديق) ،ولا حكاية من حكايات الأسمار، ولا هو مهزلة يعوزها احترام مثله، وهو لا يرتقي إلى منزلة التلميذ المستفيد بين أصغر شراح الترمذي في أخبار السيرة وعلم الحديث ..... وهذه القصة مذكورة في شرح الشمائل للعلامة محمد بن قاسم جسوس يراجعها في الجزء الأول صفحة 29 من الطبعة المصرية وفي صفحة 40 من الطبعة الخارجية، ليعلم أننا لا نخترع ولا نعتمد على كتب الأسمار، وأنه لا يزال يتهجى في مراجعة فهارس المكتبات ،ليعلم أين يكون البحث ،وكيف يكون الاستقصاء، ودع عنك المطولات والمبسوطات، ودع عنك الشروح والأصول ). 
وأما الفقرة الثانية فهي قوله : ( هب العلامة ابن قاسم الذي شرح شمائل الترمذي قد روى ما رواه خطأ من شعر عروة بن الزبير، وهب عروة لم يقل هذا الشعر ،ولم تنشده السيدة عائشة، فماذا في الرواية مما لا ينبغي للسيدة عائشة ،أو مما لا ينبغي للنبي عليه السلام ؟ هل فيها إلا أن السيدة عائشة كانت تثني على جمال النبي ،وأن النبي كان يسره هذا الثناء؟ أهذا الذي لا ينبغي لعائشة رضى الله عنها ولمحمد صلوات الله عليه؟ كلا بل هذا الذي ينبغي لهما دون غيره، ومن أنكره فهو الكاذب الذي لا يفقه ما يقول . وهأنذا أعيدها جهرة بغير سند ولا رواية من شاعر أو فقيه : لقد كانت عائشة تثني على جمال محمد ،وكان محمد يرضى عن هذا الثناء . أسمعت يا هذا ؟ مرة أخرى أعيدها لك ولغيرك ممن يشاء أن ينكرها، فأقول ثم أعيد أنَّ عائشة أثنت على جمال محمد غير مرة ، وأن محمداً رضى عن هذا الثناء في كل مرة، فإن كانت قد بلغت أذنيك فاذهب إلى صورك فانفخ فيه ما بدا لك، وادع من يستمع لك أو يستجيب .. ) .
فأما الفقرة الأولى فقد رد عليها الشيخ شاكر في مقال بعنوان : (أي نعم في التأني السلامة ) نشرته مجلة الهدي النبوي عدد : ( ربيع الأول 1363ه -فبراير 1944) . وكان أهم ما ورد في ذلك المقال أنه رجع إلى الموضع الذي ذكره العقاد من شرح الشمائل ،فإذا نص الرواية فيه بلا زيادة ولا نقصان هو : ( ومما ينسب لعائشة رضي الله عنها :
فلو سمعوا في مصر أوصاف خده       ***          لما بذلوا في سوم يوسف من نقد
وصحب زليخا لو رأين جبينه      ***       لآثرن بالقطع الفؤاد على الأيد )
ثم عقب الشيخ شاكر على ذلك بقوله : ( فأين من هذا النص القصةُ الطويلةُ التي حكي الأستاذ في كتابه ؟ وأين ذكر عروة فيه ؟ فهذا جسوس ينشد البيتين على رواية غير رواية الأستاذ ،وهو أمر هين ،ولكنه ينسبهما لعائشة نفسها ،وإن كان لا يوثق بهذا الكتاب ،ولا بما ينقله . ثم هو لا يذكر شيئاً قبلهما ولا بعدها مما قص الكاتب الجرئ ) . إلى أن قال : ( ولكن بقي بعد هذا  كله شيء واحد هو أصل دعواه : أين موضع عروة بن الزبير ،وأين موضع شعر عروة من هذا النصوص ؟ هنا حلقة مفقودة على الأستاذ العقاد أن يبحث عنها في مواضع علمه ،أو في حيث شاء)  . انتهى كلام الشيخ شاكر وهو واضح بحمد الله ، وإنْ كان يمكننا أن نضيف إليه أن صاحب شرح الشمائل لم يذكر لتلك الرواية إسناداً ،ولا عزاها لكتاب من كتب السنة المعروفة ، بل ذكرها بصيغة التمريض ،فقال : " ومما يُنسب لعائشة " ،وهي صيغة تعني عدم صحة الرواية كما يعرف ذلك علماء الحديث . فهي غير صحيحة حتى بالصورة التي أوردها بها صاحب شرح الشمائل ، فكيف وقد أضاف إليها العقاد ما لم يَرد فيها كما ذكر الشيخ شاكر رحمه الله ؟ 
أما الفقرة الثانية ،والتي يذكر فيها الأستاذ العقاد أنه لا ضير مِن ذكر مثل تلك الروايات حتى لو لم تثبت ؛ لأنه ليس فيها شيء مما لا ينبغي للنبي صلى الله عليه وسلم ، ولا للسيدة عائشة . وهي نقطة أرى أن الشيخ شاكر لم يوفها حقها، لذا أحببت أن أعلق عليها بكلام يسير فأقول : إن هذا المنطق مخالف تمام المخالفة لما استقرت عليه قواعد علم الحديث ،وما أجمع عليه سلف هذه الأمة من عدم قبول الروايات إلا بعد تمحيصها بدراسة سندها ومتنها ؛ وذلك أن مقام النبي صلى الله عليه وسلم ليس كمقام أحد من الناس ، فلا بد من توخي غاية الدقة والحذر حين ننسب إليه خبراً من الأخبار، وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( إن كذباً عليَّ ليس ككذب على أحد ،فمن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ) أخرجه البخاري ( 1229) ومسلم (4) من حديث المغيرة بن شعبة ] . وقال صلى الله عليه وسلم : ( من حدَّث عني بحديث يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ) [ أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه (1/95)، والترمذي (2662)، وابن ماجه (41)، وأحمد ( 4/ 253) من حديث المغيرة بن شعبة  ] . ولقد كانت خصيصة الإسناد من خصائص هذه الأمة ، وهي تعني أنه لا يقبلُ حديثٌ إلا إذا كان له إسناد صحيح متصل ، ولذا قال الإمام الجليل عبد الله بن المبارك رحمه الله فيما أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه ( 1/ 120) : ( الإسناد من الدين ، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء ) . ثم كان علم الرجال وعلم الجرح والتعديل أيضاً مما امتازت به هذه الأمة ،بحيث صارت قواعد علمائنا في تمييز الحديث الصحيح من السقيم ونقد الأسانيد والمتون أعظم ما توصلت إليه البشرية في نقد الأخبار ورواتها .
ولو أننا أخذنا بمنطق أن نقول عن كل روايةٍ تصل إلينا : وماذا في هذه الرواية مما لا ينبغي ؟ لفتحنا الباب لكل أحد أن يخترع من الأقوال ما يظنه صواباً ثم ينسبه للرسول الكريم ، ولضاع الدين كله . ومن أجل ذلك كان علماؤنا يتصدون للأحاديث الموضوعة ويبينون بطلانها ،حتى لو كانت في ظاهرها تحث على شيء مما حث عليه الدين .وقد كان في القديم طائفة من أهل البدع يضعون الأحاديث حسبةً –فيما يزعمون- أي يخترعون أحاديث في الترغيب في بعض فضائل الأعمال ، والترهيب من الذنوب والمعاصي . فإذا حذَّرهم أهل العلم من مغبة الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: : (نحن نكذب له لا عليه) ، وهذا كما يقول الحافظ ابن كثير في الباعث الحثيث ( 1/240) : ( من كمال جهلهم وقلة عقلهم وكثرة فجورهم وافترائهم ؛ فإنه عليه السلام لا يحتاج في كمال شريعته وفضلها إلى غيره).
عبد الآخر حماد
5/ 2/ 1442هـ- 22/ 9/ 2020م  
 

إقرأ ايضا