الشبكة العربية

السبت 26 سبتمبر 2020م - 09 صفر 1442 هـ
الشبكة العربية

معركة الميادين وصراع الهوية في تركيا (2/2)


قبل سنوات قرر اردوغان بناء مسجد جامع كبير على حدود ميدان "تقسيم" فقامت الدنيا ولم تقعد ، وأعلن الحزب الجمهوري ـ حزب أتاتورك ـ الحرب السياسية عليه ، واحتشدوا في الميادين ، واتهموه بأنه يريد تغيير هوية الميدان العلمانية ، ووقع صدام قضائي كبير وشجار عنيف داخل البرلمان ومعركة إعلامية حامية الوطيس بسبب بناء المسجد ، وقامت مظاهرات صاخبة في الميدان واعتصامات ضد بناء المسجد ، غير أن اردوغان أطال صبره مع إصراره على بناء المسجد ، وهو ما حدث في النهاية ، واليوم يقترب المسجد من الاكتمال .
والمفارقة ان حزب الشعب الجمهوري عندما فاز بانتخابات بلدية "اسطنبول" الأخيرة ، واعتبر نصرا سياسيا كبيرا على الحزب الحاكم ، وهو بالفعل كذلك ، كان من أولى قرارات رئيس البلدية الجديد "أكرم أوغلو" أن أمر بتغيير الشعار الرسمي لمدينة اسطنبول ، والذي كان يحمل صورة لمآذن المساجد ، ومحا صورة المآذن في الشعار الجديد ! .

حزب العدالة والتنمية الحاكم فيما يبدو قرر الابتعاد عن التصعيد في معركة ميدان "تقسيم" ونقل المعركة إلى فضاء آخر ، وذلك بتأسيس ميدان ضخم جديد في اسطنبول الجديدة ، يكون رمزا ومعلما على "هوية" تركيا الجديدة .

في حي "باشاك شهير" الجديد ، قرر اردوغان تأسيس الميدان الجديد ، وحي باشاك شهير ، يسمى ـ في الحوارات الشعبية ـ حي "اردوغان" لأنه هو الذي أنشأه من البداية بالكامل عندما كان رئيسا لبلدية اسطنبول ، وكانت أرض هذا الحي الهائلة عبارة عن مناطق بائسة وعشوائية ، ومقلبا لقمامة المدينة ، ومأوى لعصابات المخدرات والقتلة المأجورين وكل الخارجين على القانون ، اردوغان أزال هذا كله ، وأنشأ مدينة سكنية حديثة ببنية أساسية أوربية ومستوى من الرفاهية العالية ، والحدائق الخضراء الواسعة والمتنزهات والمطاعم والملاعب وملاهي الأطفال والمولات الضخمة والوديان الساحرة وأصبح لهذا الحي فريق كرة قدم عالمي ينافس اوربيا حاليا ، وأتاح فيها مناطق كاملة للمواطن العادي يمكن أن يشتري فيها شقة سكنية أو فيلا بتقسيط على سنوات طويلة ، ومد له خطوط المواصلات بمختلف أنواعها وخاصة مترو الأنفاق ، وأصبح هذا الحي مقصدا للمحافظين ، سواء الأتراك أو العرب الذين يقصدون المدينة للإقامة الطويلة ، ولذلك يغلب فيه مشاهد التدين ، وحجاب النساء والنقاب أيضا .

في هذا الحي قرر اردوغان تأسيس ميدان جديد ، يكون عالميا وموازيا لميدان تقسيم ، بحيث يكون رمزا لتركيا الجديدة ، والميدان الآن في مرحلة التأسيس وبدأ تأسيسه ببناء مسجد ضخم ورائع في معماره الهندسي في قلب الميدان ، كرمز للهوية الجديدة ، وقام بافتتاح المسجد قبل عدة أشهر ويشهد حضورا ضخما في صلاة الجمعة بشكل خاص ، وأصبحت المناطق المحيطة بالمسجد من أغلى مناطق المدينة ، وتم تصميمه بطريقة مشابهة إلى حد كبير بميدان تقسيم ، وفي محيطه المتنزهات الضخمة وحديقة نباتية هي الأكبر في أوربا ومطاعم ومولات وفندق خمسة نجوم ستمنع فيه الخمور ، ويتردد أن شركة خليجية مساهمة في المشروع ، والتزمت بضمان إشغال فندقي لا يقل عن 70% للفندق طوال العام ، وإذا نزل الإشغال عن هذه النسبة تتحمل الشركة قيمة الغرف الفارغة ، وقبل المؤسسون ذلك الشرط القاسي مقابل منع الخمور .

تركيا مجتمع مركب من قوميات وأجناس متعددة ، معظمها متصل بالتنوع العرقي الذي كانت تحكمه دولة الخلافة العثمانية ، من الشركس للعرب للفرس للروم للتركمان للكرد للبوشناق للأرمن وغير ذلك ، واسطنبول كمدينة تتجسد فيها هذه التركيبة بشكل واضح ، وفي اسطنبول أحياء يقطنها اليهود والأرمن مثل حي "بشكتاش" الراقي ، وفي هذا الحي لم يحصل اردوغان على أكثر من 18% من الأصوات في أي انتخابات ، وهناك كتلة كردية كبيرة في المدينة ، حوالي اثنين مليون مواطن ، تميل عادة لمعارضة اردوغان بسبب المواجهات من المنظمات الكردية المسلحة ، وهناك عدد كبير من "العلويين" الشيعة ، ولهم ميول مشتبكة ومعارضة مع النظام ، لدرجة أن بعض نوابهم في البرلمان سافر إلى دمشق لكي يؤكدوا على دعمهم لنظام بشار الأسد "العلوي" رغم موقف الدولة التركية الواضح ضد بشار ومذابحه ويمثلون خزان العلمانية الأهم في البلاد ، ورئيس أكبر أحزاب المعارضة ينتمي إليهم .

اسطنبول جغرافيا مقسمة إلى نصفين ، النصف الآسيوي ، والنصف الأوربي ، ويبدو أنها ستظل طويلا مقسمة ثقافيا وحضاريا بين الولائين الحضاريين ، خاصة وأن الديمقراطية تحمي كافة مكونات المجتمع وتوجهاته ، وأوربا تتصيد لحكومة اردوغان كل صغيرة وكبيرة في هذا الملف ، وهناك قناعة لدى الحزب الحاكم بأن أجواء الحرية والديمقراطية تضمن "لهوية" المجتمع الحقيقية أن تبرز ، والزبد يذهب جفاء ، بينما الديكتاتورية العسكرية ـ التي كانت تعقب الانقلابات ـ هي التي كانت تحرص على موالاة الخارج ـ الأوربي ـ على حساب هوية المجتمع ، وبالتالي فإن قبول ضريبة بعض الاختراقات القيمية والأخلاقية الصغيرة في البلاد ، هي أقل كثيرا من المصالح الكبرى التي تتحقق للوطن والشعب وهويته في نهاية المطاف .
 

إقرأ ايضا