الشبكة العربية

الإثنين 06 أبريل 2020م - 13 شعبان 1441 هـ
الشبكة العربية

مصر.. وكورونا المرعب !

في البداية كنت ضد المبالغة في القلق من فيروس كورونا، اعتماداً على أن البؤرة الأولى تركزت في مقاطعة (ووهان) بالصين. وكان تقديري أن الفيروس قد لا يغادر حدود هذه الدولة. لكن عندما ظهر في أوروبا، وأخذ عدد الإصابات والوفيات يتزايد، تيقنت أن البشرية أمام تحد كبير. 
أنجيلا ميركل مستشارة ألمانيا اعتبرت أن كورونا أكبر تحد منذ الحرب العالمية الثانية. وهذه السيدة أكثر قادة العالم دقة وثقة في تصريحاتها. وبلادها تشهد تزايد الإصابات والوفيات، إنما ليس بنفس الدرجة في إيطاليا التي تعيش مأساة، وتفوقت على الصين مهد الوباء، وقفزت عليها في الخسائر البشرية، وباتت الصين تالية لها، وإيران ثالثاً، وإسبانيا رابعاً في قائمة البلدان التي يفتك بها الفيروس الخفي.
ليس الفيروس وحده المفزع، إنما انهيار النظام الصحي في إيطاليا التي تبدو عاجزة عن مواجهة ضرباته العنيفة، وهى ضمن بلدان العالم المتقدم، ومرفقها الصحي مشهود له بالتطور، وعندما نرى بلداناً متقدمة صحياً وطبياً وعلمياً وأنظمة الحكم فيها ديمقراطية منفتحة، وعلى رأسها أمريكا والغرب الأوروبي، ثم يتلاعب الفيروس بها، ولا تقدر على مواجهته والسيطرة عليه، فهذا يجعل القلق يسري في أوصالنا بمصر والبلدان العربية التي لا تزال متماسكة، وضمنها دول الخليج الثرية، أما الدول التي تعيش أزمات واقتتال أهلي، فالتوقع أن تكون في وضع أخطر، لكن المفارقة أن عدداً منها؛ إما لم يقربها الفيروس، أو تحتل مرتبة متأخرة في قائمة البلدان المتضررة، ونتمنى لها النجاة من الوباء، يكفيها وباء الانقسام والدماء والدمار.
بالنسبة لمصر، فالأرقام الرسمية المعلنة لا تثير الرعب، تبدو أرقاماً عادية مقارنة بعدد السكان، 294 مصاباً، تم شفاء 42 منهم، ووفاة 10أشخاص، وهذه الإحصائية حتى صباح الأحد 22 مارس الجاري، وهى قابلة للزيادة، ونرجو ألا تزيد.
المشكلة أن هناك من لا يريد تصديق هذه الأرقام، ويعتقد أن الأعداد أكبر من ذلك، وأن الحكومة إما لا تعلنها، أو أن المصابين لا يعرفون أن الفيروس تمكن منهم، أو يخشون الإبلاغ عن أنفسهم خشية الحجر الصحي الإجباري.
عموماً، جدار الثقة ليس قوياً في كل ما يخص بيانات وتصريحات الحكومة، وهذه أزمة قديمة، وهى لا تعالجها بشكل حاسم لاستعادة الثقة والمصداقية في خطابها الرسمي وممارساتها العملية، وحتى لو كانت بياناتها اليومية دقيقة بشأن خسائر كورونا، فإن الشكوك ستظل تخيم عليها.
لا أعتبر أن الجانب الإداري في مواجهة الحكومة للأزمة الراهنة هو البرهان على نجاحها وعبورها هذه الفترة العصيبة بأدنى درجة من الأضرار، فالقرارات التي أصدرتها بشأن تعليق الدراسة لأسبوعين، وتخفيف عدد الموظفين في دوواينها، وإغلاق المطاعم والمقاهي والملاهي والمتاجر الكبرى ليلاً، وكذلك المساجد والكنائس، وخفض البنك المركزي لنسبة الفائدة، وتأجيل تسديد أقساط القروض لمدة ستة أشهر، وغيرها من الإجراءات التخفيفية .. هذا هو الجانب السهل في التصدى لنتائج كورونا، أما الجانب الصعب والحاكم في القدرة على المواجهة الحقيقية للفيروس هو مدى جاهزية القطاع الصحي، وقدرته على التعامل مع المواطنين ممن يتعرضون لإصابات، بل وحماية جموع الشعب وتوعيتهم من المخاطر، وتحصينهم من السقوط صرعى للجائحة.
هنا المحك والاختبار العملي ومقياس النجاح، وحتى كتابة هذه السطور لم تكن أعداد المصابين وفقاً للبيانات الرسمية تمثل امتحاناً جاداً للحكومة ووزارة الصحة.
بالطبع نأمل محاصرة الفيروس، والقضاء عليه، لكن دوماً يجب توقع السيناريو الأسوأ، خاصة مع وباء يهدد العالم كله، ويضع البلدان الأكثر تقدماً في أزمة فعلية.
لا قدر الله، إذا تفشى الوباء، هل المرافق الصحية، وهى عصب المواجهة، ستمثل إسعافاً وإنقاذاً حقيقياً وسريعاً وفعالاً للمنكوبين؟.
أريد التفاؤل، فالمنظومة الصحية الرسمية لا تطمئن، وهى في الأوضاع الطبيعية ليست على المستوى للقيام بدورها في علاج ورعاية المواطنين، فهل ستفعل ذلك في حالة الطوارئ القصوى؟.
مستشفيات الدولة بمختلف مسمياتها من مركزية وجامعية وتعليمية وتخصصية وتأمين صحي وحتى الوحدات الصحية في حالة صعبة، وأزمتها ليست وليدة هذه المرحلة من التاريخ، إنما منذ مراحل حكم سابقة، دون الشروع الجاد في وضع خطة علاج جذري لهذا المرفق المرتبط بحياة كل الناس.
قطاع الصحة ضخم وقديم وتتوفر له بنية تحتية هائلة وموارد بشرية كبيرة، ولا ينقصه سوى الجدية في الإصلاح، ووضعه على السكة، ليكون الملاذ لكثير من المواطنين الذين لا يستطيعون تلقي الخدمة الصحية وتسديد تكاليفها في المستشفيات والمراكز الطبية الخاصة التي تبالغ في أسعارها حيث تحولت إلى أماكن للتجارة بآلام المرضى أكثر من كونها مرافق للعلاج والإنسانية.
يساورني خوف من عدم قدرة مرفق الصحة على التعامل مع السيناريو الأسوأ غير المرغوب فيه، والأيام الماضية دللت على الارتباك، ومشهد الألوف المكدسة أمام المعامل المركزية لوزارة الصحة لإجراء تحليل الفيروس للمسافرين للخارج كان كاشفاً عن عدم الاستعداد لهذا الطارئ، رغم أن الفيروس تفشى في الصين منذ أشهر، ثم طرق أبواب مصر وبلدان العالم.
في تقديري أن القطاعين الأهم في بناء الأوطان والإنسان هما: الصحة والتعليم، هذان المرفقان يجب أن يسيرا بالتوازي، فلا يتقدم أحدهما على الآخر، والبلدان التي أفلتت من أسر التخلف كان طريقهما لذلك هو الصحة والتعليم المتطوران.
والدرس المستفاد من كورونا بغض النظر عن النهاية التي سيؤول إليها، أن النظام الصحي يجب أن يقفز ليكون المشروع القومي الأساسي لمصر، مع النظام التعليمي، فاليوم الدول التي لديها مرافق صحية وعلمية بحثية متميزة ومتطورة تتعامل مع الفيروس بقوة، وتكافح لتقليل خسائره، وتعمل عقولها بلا كلل للتوصل إلى اللقاح المضاد له، وإلحاق الهزيمة به.
 

إقرأ ايضا