الشبكة العربية

الخميس 19 سبتمبر 2019م - 20 محرم 1441 هـ
الشبكة العربية

مؤتمر البحرين لبيع فلسطين في المزاد

المؤتمر الاقتصادي الذي عقد في العاصمة البحرينية "المنامة" هذا الأسبوع لمناقشة فرص استثمار ضخمة في فلسطين وما حولها ، في مقابل تنازلات سياسية عن ملف اللاجئين واستعادة الأراضي المحتلة ، وإنهاء قضية فلسطين من جذورها ، أثار لغطا وضجة كبيرة ، لأن هناك قناعة عامة بأن  شخصية"جاريد كوشنر" ـ صهر ترامب ـ بخلفيته اليمينية الصهيونية المتطرفة ، والمعادية لكل ما هو إسلامي أو عربي أو فلسطيني بشكل خاص ، لا يمكن أن تحمل الخير لفلسطين ، ولا يمكن أن تروج لمشروع عادل ، كما أن الطرح الفج الذي جاء به ، بضخ استثمارات بقرابة خمسين مليار دولار في الضفة والقطاع ودول المحيط ، يحمل صيغة مهينة للقضية التي ضحى من أجلها ملايين العرب والمسلمين في فلسطين ومصر والشام وغيرها ، وذهبت أحلام أجيال من شعوب المنطقة فداءا لها ، إذ تنتهي عند هذا الشاب الغر الذي لا يحمل أي تاريخ لأن تكون موضوعا للبيع والشراء ، أو بمعنى أصح يتصور أن تلك القضية يمكن أن تباع بعدة مليارات من الدولارات .
"ورشة عمل السلام من أجل الازدهار بهدفِ التشجيع على الاستثمار في الأراضي الفلسطينية" ، هكذا اختاروا عنوان المؤتمر ، أو ما أطلق عليه الأمريكيون "ورشة" ، وكان شعاره : "الاستثمار من أجل السلام" ، ولكن الحقيقة أن الشعار الأصح والأكثر جدية يكون "العدالة من أجل السلام" ، وقد قوطع المؤتمر من غالبية الدول العربية ، كما أنه ـ وهو الأهم ـ لم يشارك فيه الفلسطينيون ، أصحاب القضية الأصليون ، فلا السلطة في الضفة شاركت ، بل أدانت ، ولا الحكومة في غزة شاركت ، بل حشدت المظاهرات الكبرى ضد "المؤامرة" في البحرين .
شارك في المؤتمر كل من مصر والأردن ولبنان ، كما شاركت السعودية بوصفها الممول المحتمل لمشروع البيع ، وشاركت المغرب بعد تردد ، ودول الحزام الفلسطيني ، مصر ولبنان والأردن ، هي الأهم بطبيعة الحال لهذا المشروع ، وهناك تسريبات تتحدث عن مساحات من الأراضي في سيناء والأردن ستخصص لتمدد فلسطيني من خلال مشروعات استثمارية ضخمة ، وهي معلومات لم تتأكد بشكل رسمي حتى الآن ، كما أن وزير الخارجية المصري سامح شكري نفى بشكل قطعي التنازل عن أي شبر في سيناء لهذا المشروع أو لغيره ، وطريقة نفيه تؤكد عمق الأزمة والإحساس بالخطر .
مؤتمر البحرين أقرب لورشة اقتصادية "عرفية" مما يديرها مراكز أبحاث ، لأنه لا يملك أي غطاء دولي قانوني ، فلا هو تحت رعاية الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوربي ، ولا هو حتى تحت رعاية رسمية للولايات المتحدة ، وهو ما يرشح ضعف قيمته ، وأنه أقرب للتمهيد المعنوي لفكرة التطبيع مع "الكيان الصهيوني" ، خاصة مع دول الخليج التي تتردد في الكشف علنا عن مسارات التطبيع ، رغم أن الشواهد كلها تؤكد أنها أعمق مع "إسرائيل" حتى من واقع التطبيع المعلن في مصر مثلا .
الإدارة الأمريكية الحالية محدودة الأفق سياسيا ، وتنظر ـ عادة ـ إلى أي قضية من منظور اقتصادي أو استثماري ، حتى المواجهة العسكرية مع إيران تقيم من هذا المنظور أمريكيا ، وبالتالي فترامب وزوج ابنته محدود الخبرة والقيمة ، يتصوران أن قضية فلسطين يمكن أن تحل عن طريق "البيزنس" ، أو إشباع البطون الفلسطينية والغرائز من خلال استثمارات ضخمة ، وهذا كله في واقع الحال خيال أبعد ما يكون عن الواقع أو التطبيق ، كما أنه يكشف عن جهل بتاريخ المنطقة ، وتاريخ القضية نفسها وتعقيداتها وعمق حضورها في الوجدان العربي والإسلامي .
المؤتمر كشف عن هشاشة الإرادة السياسية في دول المحيط الفلسطيني ، واللهاث الذي تقوم به حكومات تلك الدول لاستجداء العطف الأمريكي ، والرضا الأمريكي ، والحماية الأمريكية من الغضب الكامن للشعوب ، أو شراء صمت واشنطن على سياسة القبضة الحديدية والعصف بالحريات وسحق إرادة الشعوب التي تقوم بها تلك الأنظمة السياسية ، وهذا فقط هو المجال الوحيد للبيع والشراء المطروح حاليا في "ورشة" البحرين .
 

إقرأ ايضا