الشبكة العربية

الأربعاء 08 أبريل 2020م - 15 شعبان 1441 هـ
الشبكة العربية

مؤتمر الأزهر بين البدء والختام

سعدنا كثيراً بما سمعناه من فضيلة شيخ الأزهر من كلمات طيبة في مؤتمر الأزهر حول تجديد الفكر الديني ،حيث جاءت كلمته في افتتاح المؤتمر متوازنة مؤكدة على أهمية التفرقة بين الثوابت والمتغيرات ، وأن الرؤية الإصلاحية الصحيحة كما أنها لا ترضى بالتشدد والانغلاق ،فإنها أيضاً تؤكد على وجوب احترام ثوابت الإسلام وقطعياته التي لا يجوز العبث بها ولا التشكيك فيها ،كما تفعل كتائب التغريب والحداثة التي تفرَّغت لتشويه صورة رموز المسلمين، وتلويث سمعتهم والسخرية من تراثهم.
كما جاءت كلمته في مناقشته لرئيس جامعة القاهرة خلال المؤتمر قويةً واضحةً في الذب عن التراث الإسلامي وبيان عظمته ، وأن هذا التراث الذى يريد منا البعض أن نهمله أو وأن نُهوِّن من شأنه ، هو الذي أوجد الأمة المسلمة وحفظ لها كيانها وقوتها ، وهو الذي مكَّن مجموعة من القبائل العربية المتناحرة، في خلال ثمانين عاماً فقط من أن تؤسس دولةً تضع إحدى قدميها في الأندلس غرباً ، والأخرى في الصين شرقاً . كما نبه فضيلته إلى ما كان عليه حال الأمة إلى ما قبل قدوم الحملة الفرنسية ، حيث كانت تحتكم إلى الشريعة الإسلامية، وأن ذلك  كان من مصادر قوتها وعظمتها ، أما الآن فإنه -بسبب بعدنا عن هذا التراث وعدم تمسكنا بما فيه من مواطن القوة - صار أمرُنا يُقرَّرُ بيد غيرنا ، وانزوت التشريعات الإسلامية حتى انحصرت في مسائل الأحوال الشخصية والمواريث .
وقد كنا نود أن يأتي البيان الختامي للمؤتمر على نفس هذه الدرجة من التوازن والموضوعية . لكنا وجدنا البيان -بدلاً من أن يركز على مثل هذه القضايا المهمة التي أثارها شيخ الأزهر -وجدناه يركز على نفس القضايا التي يُكثِر مِن الدندنةِ حولها أصحابُ التيارات العلمانية وأدعياء التطور والحداثة ، وذلك من قبيل الحديث عن التشدد ،والرد على ما يسمى بجماعات الإرهاب والتطرف، ونحو ذلك .
وليس من هدفي هنا أن أستقصي ما أثاره البيان من رؤى واجتهادات واختيارات في مسائل فقهية قد لا يحسن الدخول فيها الآن . وإنما أريد أن أُذَكِّر بأن هناك قضايا في غاية الأهمية كان من المنتظر من مثل تلك المؤتمرات أن تُبرز رأي الإسلام فيها بوضوح وبلا مواربة ولا غموض ،لكنا لم نرَها ذلك في البيان  :
-فمن ذلك أنه إذا كان البيان قد أكد على أنه " يجب تصحيح ثقافة الناس حول مفهوم الحاكمية من خلال نشر عقيدة أهل السنة، وبيان أن الحكم البشري المنضبط بقواعد الشرع لا يتعارضُ مع حاكمية الله، بل هو منها " ، فإنه كان الواجب أيضاً أن يبين حكم الشرع في كل حكمٍ بشري غير منضبط بقواعد الشرع ، وأنه لا يجوز لدولة دينها الرسمي هو الإسلام أن تُبقي في تشريعاتها ما يخالف الأحكام الثابتة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأنه كان الواجب بعد رحيل الاستعمار الغربي ألا تكتفي البلاد الإسلامية بما يسمى بالاستقلال السياسي ،بل كان عليها أن تتخلص من كل أنواع التبعية ، ومن أهمها التبعية التشريعية ،وأن تعود لسابق عهدها في تعظيم شريعة ربها والاحتكام إليها، وهو ما كان يسميه الشيخ محمد الخضر حسين رحمه الله بالاستقلال التشريعي .
وهذا الأمر كما أنه واجب ديني ،هو أيضاً مطلب شعبي ،يُطالب به غالبية أبناء الشعب متى ما أتيحت لهم الفرصة في ذلك ، وقد حفظ التاريخ لأبناء مصر عند وضع دستور 1971 أنهم كانوا يطالبون بالنص على ذلك في الدستور ، وهو ما شهد به الأستاذ حافظ بدوي رحمه الله ،الذي كان رئيساً لمجلس الشعب آنذاك ،حيث قال كما هو مدون في مضابط مجلس الشعب : ( وكنا نجول بين أرجاء مصرنا من أقصاها إلى أقصاها ، وكان النداء الأول في كل قرية من قرانا ، وفي كل مدينة من مدننا ، وفي كل مجتمع من مجتماعتنا ، وفي كل جامعة من جامعاتنا ،أن تكون الشريعة مصدراً أساسياً لتشريعاتنا ...) [ من كتاب مشروع تقنين الشريعة الإسلامية من مضبطة مجلس الشعب ص: 17]
-كما أنه إذا كان البيان يؤكد على براءة الإسلام مما يسمى بالدولة الدينية ، "حيث لا دليل عليها في تراثنا، وأن ذلك هو ما يُفهم صراحةً من بنود صحيفة المدينة المنورة ". فإنه كان ينبغي في نظري المتواضع أن نبين للناس ما المقصود بالدولة الدينية التي يرفضها الإسلام ؟ فإنْ كان المقصود بمفهوم الدولة الدينية ذلك المفهوم الثيوقراطي الذي كان سائداً في أوربا في العصور الوسطى ،والذي كان الملوك فيه يحكمون بما يسمى بالحق الإلهي ، فيشرعون للناس ما يشاؤون زاعمين أنهم يفعلون ذلك بتفويض من الله ، فلا شك أن الإسلام بريء كل البراءة من تلك الدولة . ولكنَّ الملاحظ أن كثيراً ممن يستعملون مصطلح ( الدولة الدينية ) ،ومنهم ممن يُسمون أنفسهم بالنخبة ،لا يفهمون من كلمة الدولة الدينية إلا أنها تلك الدولة التي تقوم تشريعاتها على أساس من الشريعة الإسلامية . والحق أن الدولة الدينية بهذا المعنى هي من صميم الإسلام ، وبنود صحيفة المدينة من أدل دليل على ذلك حيث جاء في بنود تلك الصحيفة ما نصه كما في -سيرة ابن هشام وغيره-  ( وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يُخاف فسادُه ، فإنَّ مردَّه إلى الله عز وجل ، وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ) .
ومعنى ذلك أن صحيفة المدينة قد نصت على أن المرجعية العليا في حل كل خلاف يحدث بين سكان المدينة في ذلك الوقت –مسلمهم وكافرهم- هو كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم . وإذا كانت صحيفة المدينة تُعد بالمصطلح المعاصر أولَّ وثيقة دستورية في تاريخ الإسلام ، فإنه من المعلوم أنه لا بد لكل دستور من قوانين تفصيلية متفرعة عنه يلزم العمل بها ، وقد جاءت تلك النصوص التشريعية تباعاً في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فعلى ذلك لا يمكن أن تُعد الدعوة إلى الرجوع لنصوص الشريعة أمراً منكراً ، وإنْ وصف البعض ذلك بأنه دعوة للدولة الدينية .   
-كما أن البيان خلا من أي إشارة إلى قضية فلسطين ،وهي قضية العرب والمسلمين الأولى ، وبخاصة أن المؤتمر جاء متزامناً مع إعلان ما يسمى بصفقة القرن ،التي يريد "ترامب " من ورائها الإجهاز على البقية الباقية من أرض فلسطين ،وتسليمها لقمة سائغة للصهاينة المعتدين . وكان شيخ الأزهر قد ذكر -في رده على رئيس جامعة القاهرة - أنه كان فى منتهى الخزى ،وهو يرى ترامب يخطط ويقرر ويحل لنا المشاكل ،دون أن يكون معه عربى ولا مسلم ، وأن ذلك المجال -بحسب تعبير الشيخ – "هو المجال الذى يجب أن نحارب فيه" . فكان من أهم أنواع الحرب أن يُعلن علماء المسلمين تضامنَهم مع إخوانهم الصامدين في أرض فلسطين المباركة ، مُحذرِين قادةَ فلسطين ،وكذا الحكومات العربية من القبول بأي تنازل عن حقوق الشعب الفلسطيني ،وبخاصة في شأن مدينة القدس ،التي يجب أن تعود عربيةً إسلاميةً .
هذا والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل .
عبد الآخر حماد
عضو رابطة علماء المسلمين
4/ 6 / 1441هـ- 29/ 1/ 2020م

 

إقرأ ايضا