الشبكة العربية

الإثنين 21 أكتوبر 2019م - 22 صفر 1441 هـ
الشبكة العربية

ليلة انتصار الديمقراطية !

سواء كنت مواطنا تركيا أم غير تركي ، سواء كنت مؤيدا للرئيس التركي رجب طيب اردوغان أم كنت معارضا له ، سواء كنت مؤمنا بدوره أو كنت متشككا في عدالته ، فإن ليلة 15 يوليو من كل عام هي ليلة عيد يحتفل بها الجميع كل عام إحياء لذكرى انتصار الديمقراطية على الانقلاب العسكري ، ذكرى انتصار إرادة الشعوب على إرادة الجنرالات ، ذكرى انتصار هتافات الحرية والكرامة على أزيز الدبابات ، ذكرى انتصار فكرة الدولة والمؤسسات والدستور على فكرة هيمنة الجماعة الدينية بأذرعها من خارج الدولة والمؤسسات على الدولة والمؤسسات .
في مثل تلك الليلة ، سنة 2016 ، كانت الدبابات قد نزلت الشوارع والميادين الرئيسية في العاصمة أنقره والعاصمة التاريخية اسطنبول والمدن الكبرى ، لتسيطر على المنشآت الكبرى وتقطع الطرق والجسور والأنفاق وتطارد الرئيس وتقصف البرلمان بالطائرات لبث الرعب في قلوب النواب ، وتقتحم مقرات القنوات الفضائية الكبرى وتفرض حصارها على المنافذ الجوية والبحرية للدولة ، لتعلن انتهاء حكم الشعب وإعلان حكم عسكري بقيادة جديدة .
أفلت الرئيس من الاعتقال في الساعات الأولى بمعجزة ، نشرت تفاصيلها بالكامل بعد ذلك ، كما احتفظ القدر بضباط شجعان رفضوا عودة الحكم العسكري لإذلال الشعب والسيطرة على مقدراته وإعادة عقارب الزمن إلى الوراء ، فقام ضابط شريف بقتل أبرز قادة الانقلاب عندما أراد أن يستولي على قيادة القوات الخاصة ، فقتله الانقلابيون في الحال بأكثر من ثلاثين رصاصة ، والضابط البطل "عمر خالص دمير" هو اليوم أحد أبطال تركيا التاريخيين ، ويزور اردغان قبره كل عام عرفانا بالجميل وترسيخا لمبدأ أخلاقي ، ومشهد بطولته سجلته كاميرات المراقبة في المقرات بالصوت والصورة ونشرت بعد ذلك ، وتمكن رئيس الجمهورية الذي منعوه من أي وسيلة إعلامية من ارسال رسالة إلى شعبه عبر جهاز تليفون جوال "موبايل" ، ودعا الشعب إلى النزول إلى الشوارع والميادين وحماية إرادته وحماية الدولة وحماية الديمقراطية وحماية كرامته ، فاستجاب الملايين ونزلوا ليلتها إلى الشوارع والميادين وتصدوا بالأجساد العارية للدبابات ولطلقات الرصاص ، مما أربك الانقلابيين ونشر الإحباط والتردد بين صفوفهم ، ورغم أنهم قتلوا أكثر من مائتين من المتظاهرين بالرصاص الحي ، إلا أنه لم يوقف الغضب الشعبي العارم ، ولم ينجح في فض الشوارع والميادين ، وقامت قيادات سياسية بالتواصل مع تجمعات شعبية ومع قيادات وطنية في جهاز الشرطة وأجهزة أمنية أخرى ، وبعد أن بدا للعالم أن الانقلاب نجح وتركيا في عهد حكم عسكري ، ونشرت صحف عالمية ، والصحف المصرية بطبيعة الحال باحتفال كبير ، في عناوينها الرئيسية أن الجيش أطاح باردوغان ، إذا بالجميع يفاجأ بأن الدفة تميل تدريجيا للديمقراطية والقانون وإرادة الشعب ، وبدأت خيوط الانقلاب تتفكك ، وبدأت قياداته في الهرب إلى الخارج بالطائرات أو اللنشات ، ولم يأت فجر اليوم التالي إلا وتركيا تعلن انتصارها على الانقلابيين ، وتعلن دحر المتآمرين ، وتعلن أن إرادة الشعب انتصرت من جديد .
عندما انقشعت الغمة وكسر الانقلاب ، واستعادة الدولة ومؤسساتها وأجهزتها المبادرة والسيطرة ، بدأت الأمور تتكشف عن أبعاد الانقلاب ، وكيف كان بالتحالف بين جماعة دينية متشددة "حركة جولن" ، نافذة في الاقتصاد والإعلام والقضاء والشرطة والجيش وبين جنرالات طامحين وخاضعين للتأثير الروحي لتلك الجماعة وقيادتها ، وقامت الدولة وأجهزتها بعمليات تطهير واسعة للإدارات الرسمية وبشكل سريع لمنع أي ارتدادات غير محسوبة لخلايا الانقلابيين النائمة ، وشملت حركة التوقيف آلاف العسكريين ورجال الشرطة ورجال القضاء ، أحد هؤلاء القضاة قرر إطلاق سراح أحد قادة الانقلاب في اليوم الثاني مباشرة مما سمح له بالهرب خارج البلاد ، فقامت الشرطة باعتقال القاضي على الفور وتبين أنه عضو بالجماعة ، وتم توقيف العشرات من القضاة المتورطين في الانقلاب والمنضمين لتلك الجماعة ، بعض هؤلاء القضاة تم اعتقالهم في قاعة المحكمة ذاتها بعد اقتحامها ، كما تم اعتقال عشرات الصحفيين المتورطين في الانقلاب وأعضاء الجهاز الإداري في الدولة ، وتم بعد ذلك تسريح أعداد كبيرة من العسكريين ورجال الشرطة على خلفية دعم الانقلاب أو الولاء لتلك الجماعة .
نجاح تركيا في كسر الانقلاب العسكري الخطير لم يأت من فراغ ، وإنما أتى من خلال تراكم خبرات سياسية وثقافة مجتمع ، عانى طويلا من الانقلابات العسكرية ، وأيقن أنها لا تأتي بخير أبدا رغم وعود قادة الانقلاب دائما بأنهم سيصححون المسار الذي أفسدته الأحزاب المدنية وأنهم سيلاحقون الفساد ، ليكتشف الناس بعد ذلك أن العسكر كانوا رأس الفساد ، فضلا عن تدميرهم لمقومات الدولة المدنية وسحق كرامة الشعوب والتوسع في الاعدامات والسجن والنفي للمعارضين ومصادرة الحياة السياسية بشكل كامل تقريبا ، وهذه الثقافة وتلك الخبرة لم تكن وقفا على أنصار الحزب الرئيسي ، حزب العدالة والتنمية ، بل كانت تشمل معظم الأحزاب التركية المعارضة ، لأن الكل أهين من العسكر ، حتى أولئك الذين كانوا ـ في السابق ـ يرحبون بهم ويأملون فيهم خيرا ، تجارب مرة ، انتهت إلى ترسخ ثقافة شعبية ترفض فكرة الانقلاب ، وعلى الأقل لا تتعاطف مع أي مغامر عسكري جديد أيا كان توجهه أو وعوده .
بدون شك ، فإن بعض تجارب الربيع العربي ، ونجاح الثورات المضادة ، عبر دبابات العسكر في كسر إرادة الشعوب وفرض الهيمنة بجنازير الدبابات على الارادة الشعبية ، إلا أن الدرس ـ درس الهزيمة ـ انتقل سريعا إلى عواصم عربية أخرى تجدد روح الربيع العربي ، مثلما هو الحال في الجزائر والسودان ، وللمرة الأولى في تاريخ العرب الحديث ، يفشل الانقلاب العسكري في فرض سيطرته السياسية الشاملة ، رغم سيطرته المسلحة على الواقع بالفعل ، ولأول مرة يواجه الانقلاب العسكري حركة شارع قوية وهادرة ترفض وصايته وترفض وعوده وتطالبه بتسليم السلطة للمدنيين والعودة إلى ثكناته ، هذا تطور خطير للغاية في وعي الشعوب ، لم يكن يحدث أبدا طوال أكثر من نصف قرن مضى .
كمصري ، كعربي ، كمسلم ، كإنسان ، أحتفل كل عام بليلة الخامس عشر من يوليو ، ليلة انتصار الديمقراطية ، بغض النظر عن قبولي لسياسات الرئيس اردوغان أو معارضتي لها ، فلم تكن معركة اردوغان ولا معركة تركيا وحدها ، هي معركة كل شعوب العالم الثالث ، فالديمقراطية والحكم المدني واحترام ارادة الشعوب التي عبرت عنها صناديق الانتخاب ، أسس لم تعد تقبل الفصال ، لتأسيس دولة حقيقية ، وإنقاذ بلادنا من السقوط المستمر الذي لا قاع له .
 

إقرأ ايضا