الشبكة العربية

الأربعاء 08 يوليه 2020م - 17 ذو القعدة 1441 هـ
الشبكة العربية

ليبيا .. ما بعد انتصارات الوفاق وهزائم حفتر

الجمعة 6 يونيو 2020 تاريخ لا تنساه حكومة الوفاق الوطني الليبية برئاسة فائز السراج، ففي هذا اليوم وضعت قواتها العسكرية نقطة النهاية لمعركة طرابلس والغرب الليبي كله، فقد أنزلت الهزيمة بقوات حفتر في آخر معاقلها بمدينة "ترهونة"، ونجحت في طرد عناصره من جميع مواقعها ومحاورها وتمركزاتها وثكناتها في العاصمة والمناطق المحيطة بها.
لم يعد لحفتر أي وجود في الجانب الغربي من ليبيا، والعودة إلى هذه المنطقة مرة أخرى سيكون جنوناً وانتحاراً إذا ظل الجنرال موجوداً في المشهد، وقد يكون التحرك الميداني القادم لقوات الوفاق هو التوجه شرقاً وجنوباً لانتزاع مدينة "سرت" الساحلية، ثم المثلث النفطي، وهو المكسب الذي سيكون عزيزاً ويجعل استكمال السيطرة على بقية التراب الليبي ليس صعباً، ولهذا كان للسراج إشارة لافتة في مؤتمره الصحفي مع الرئيس التركي أردوغان في أنقرة الخميس الماضي حيث أكد إصراره على بسط نفوذ حكومته المعترف بها دولياً على كل ليبيا، مع إيمانه بالحل السياسي مع الشرق، بدون حفتر، فلم يعد التعامل معه ممكناً، أو مد الأيادي إليه مقبولاً مرة أخرى.
اليوم، يمكن القول إن ما بعد الانتصارات الأخيرة لحكومة الوفاق لن يكون كما قبلها، بمعنى أن الحكومة ثَبّتت نفسها ووجودها، وأن خطة إسقاطها وإخراجها من المشهد الليبي لكي يهيمن حفتر وحده على ليبيا بالقوة العسكرية باتت مستبعدة، بل إن الدائرة قد تستكمل دورانها عليه، وهو الذي يمكن أن يخرج من اللعبة بعد فشله العسكري طوال 14 شهراً في دخول طرابلس وإحكام السيطرة عليها، وبدون العاصمة لا قيمة كبيرة لمساحة الأراضي التي في حوزته، معظمها صحاري بلا سكان، ونفوذه فيها قائم على ولاءات القبائل والمدن، وهى ولاءات قابلة للتبديل، ومع ازدياد ثقل السراج وحكومته وقواته المسلحة، واستمرار التحول في المواقف الدولية إلى جانبه فإن هذا عامل إغراء لقوى وقبائل ومدن وشخصيات ليبية للانضمام إليه والتخلي عن خصمه.
لكن ما العامل الحاسم في هذه التطورات المهمة على الأرض التي جرت في زمن قياسي وتحول حفتر خلالها من التهديد والوعيد وإعلانات ساعة الحسم المتكررة إلى الاختفاء عن الأضواء والصمت عن إطلاق البيانات العسكرية رغم توالي الهزائم والانسحابات والفرار منذ خسارته قاعدة "الوطية" الجوية الاستراتيجية.
الحاسم في المعارك الأخيرة هو التدخل العسكري التركي المباشر الذي قلب موازين الحرب، والمتوقع أيضاً أن يساهم في تغيير موازين التسوية السياسية لصالح حكومة الوفاق؟.
إذا كانت قوات الوفاق انتصرت في معارك الأسابيع الأخيرة واستعادت خلالها ما كانت فقدته منذ بدأ حفتر هجومه على طرابلس يوم 4 أبريل 2019، فإن الانتصار منسوب إلى تركيا أيضاً، فالتخطيط العسكري والعناصر المقاتلة التي دفعت بها، والطائرات المسيرة، والأسلحة الحديثة، ومنظومات الدفاع الجوي، ووزن تركيا العسكري كدولة كبيرة لديها خبرة هائلة في حرب العصابات التي تخوضها ضد حزب العمال الكردستاني منذ سنوات، كل هذا كان له اسهامه المؤثرة في سير المعارك، وحسمها واحدة تلو الأخرى، ودفع قوات حفتر إما للهزيمة أو الإنسحاب أو الفرار تجنباً لمزيد من الخسائر.
من المهم الإشارة إلى عدم وجود جنود أتراك يشاركون في الحرب مباشرة، إنما يوجد خبراء عسكريون يعملون في التخطيط والتدريب والاستشارات للقوات التي يتألف منها جيش حكومة الوفاق وقوامه وقوته الضاربة هى الكتائب المسلحة في طرابلس ومدن الغرب التي حاربت القذافي، وساهمت في إسقاطه ونظامه في ثورة السابع عشر من فبراير 2011، وقد احتفظت بتسليحها وقدراتها لحسابات تتعلق بالواقع الليبي وصراعات السلطة والتدخلات الخارجية في هذا البلد حتى انضمت إلى حكومة الوفاق بعد تنصيبها عام 2016 وصارت جزء من تشكيلة قواتها المسلحة.
قوات حفتر تدرك الآن أنها لا تواجه قوات السراج فقط لكي تطمئن أن لها الأفضلية، إنما تواجه وبشكل واضح ومعلن الدولة التركية التي يصعب أن تقبل الهزيمة أو الفشل في المهمة التي جاءت من أجلها في ليبيا، وهو تدخل جاء بطلب رسمي من حكومة السراج وفق اتفاق أمني بينها وبين تركيا.
طرابلس باتت عقدة حفتر، ورمز فشله، وربما يكون فيها نهايته على المسرح الليبي وانتهاء أحلامه بأن يكون حاكم ليبيا الأوحد، أو ملكها المتوج بقوة السلاح.
.. والحديث موصول.


 

إقرأ ايضا