الشبكة العربية

الأربعاء 12 ديسمبر 2018م - 05 ربيع الثاني 1440 هـ
الشبكة العربية

لن أخلع حجابي!

اتصلت أبنتنا رانيا في نهاية يوم امتحانها الأول وهي حزينة تبكي وهي تقص علينا كيف أن جميع كبار الأطباء ومن مختلف التخصصات قاموا بتوجيه أسئلة اختبارية صعبة لها هي بالذات وبعيدة عن المنهج المكتوب والشفوي والذي درسته بعناية، في الوقت الذي تم فيه توجيه أسئلة سهلة جدا ومن المنهج لزملائها، وكيف كانوا في منتهى الهدوء والصبر في الاستماع لإجابات زملائها وإعطائهم الفرصة الكافية في الرد، بعكس ما كانوا في عجالة تامة معها ودوام مقاطعتها لإرباكها وإحراجها.
حاولنا أن نهدئ من روعها وأن تحاول أن تتماسك وتثبت وجودها وخصوصا أننا نثق في إمكانياتها وقدراتها على قدر ثقتها هي أيضا في نفسها وقدراتها، واختتمنا حديثنا معها بتمنياتنا عسى أن يكون يوم الامتحان الثاني أفضل من الأول.
ولكن وللأسف ما حدث في اليوم الأول تكرر في اليوم الثاني، وخصوصا أن مدة الامتحان يومين فقط مكثفين.
أخبرتنا بعد الامتحان وبنبرة صوت حزينة أيضا بأنها نجحت والحمد لله في الامتحان الشفوي ولكن بدرجة 2 (من 85 إلى 90%) ولقد حصلت سابقا في التحريري على درجة 2 أيضا، هي كان عشمها وحلمها أن تحصل على 1,1 أو 1,3 (من 95 إلى 99 %) لأنها حصلت في الثانوية العامة على 1,1 (99%).
كما كان عشمها وحلمها أن تتعين معيدة في مركز القلب بجامعة هامبورج
(Universitäres Herzzentrum Hamburg GmbH)
بالرغم إنها قامت بالتقديم فيه قبل الامتحانات وكانت معدة له إعداد جيد ولكن أيضا لم يقع الأختيار عليها، مما أفقدها الحلم الذي صاحبها ومن أيام الدراسة في المرحلة الثانوية.
وأيضا رسالة الدكتوراه والتي بتحضرها، بعد أن اقتربت من الانتهاء من الرسالة، طلبت منها الدكتورة المشرفة على الرسالة اختيار موضوع آخر وجديد للرسالة وتبدأ فيه من الأول، وكم كان من مجهود ووقت استثمرته في عملها الأول يتم وبكل بساطة إهداره. ولكنها لم تيأس وكتبت رسالة دكتوراه جديدة وهي اقتربت أيضا من الانتهاء منها.
(للتوضيح، في دراسة الطب فقط يمكن للطالب تحضير رسالة الدكتوراه أثناء دراسة الطب هنا في ألمانيا، ولكن لا تكون شهادة الدكتوراه سارية المفعول إلا بعد الحصول على إتمام دراسة الطب والحصول على الشهادة النهائية)
أنا أعلم السبب في كل هذه المشاكل وكل هذه الصعوبات والتي تتعرض له أبنتي وهو:
""""" الحجاب """""
لأن هذه المعاناة ليست وليدة اليوم ولكن من يوم ما ارتدت الحجاب، وكيف بدأت المعاناة!
ارتدت رانيا الحجاب وكان عمرها آن ذاك 8 أو 9 سنوات تقريبا، حقيقة أشفقت عليها، ونصحتها بألا ترتديه وهي في سن الطفولة المبكر هذه، وما أعلمه من متاعب قد تتعرض له، ولكنها أصرت متمسكة بهذا القرار، ومن يومها وهي متمسكة به.
تعرضت رانيا لبعض المتاعب والصعاب بسبب ذلك ولكن كانت تمتلك عزيمة شديدة وإصرار وتحدي وقناعة منقطعة النظير (لا أريد أن أطيل عليكم في السرد)، لدرجة أنني كأب، حسدتها على هذه الإرادة الصلبة والممزوج بسعادة غامرة.
ولكن وللأنصاف كان هناك محاولات للعدل والإنصاف كان يقوم بها بعض مدرسيها.
وهذا السبب والذي جعلني أقرر أنا وزوجتي أن ننزل مصر للاستقرار هناك، كان ذلك منذ 16 عام، ولكننا وعندما وجدنا بأن هناك صعوبة أن تلتحق بمدارس تتناسب مع المدرسة التي كانت فيها في هامبورج، اضطرنا أن نغير الفكرة ونصرف نظر ونظل في ألمانيا.
ولكن عندما كبرت، كبرت معها المشاكل والتحديات، ولكن ما كان يزيدها تجلد هو وجود كتفي والديها كانت تستند عليهم لتضع أحمالها وهمومها عليهم، وصدرين كانت تزرف عليهما دموع أحزانها وما تتعرض له من غبن.
المشكلة هنا بأن النظرة والتضييق على الحجاب وخصوصا في المهن المهمة الحساسة والتي تتعلق بالعمل العام مثل التدريس والطب وغيره زادت وبشكل ملحوظ في ألمانيا، حتى وصلت لرفض التعيين للمحجبات في هذه المهن، سواء كان مباشر أو غير مباشر وكما حدث لأبنتي.
والأسباب التي أدت إلى ذلك هو علمهم بأن هناك وفي الكثير من الدول الإسلامية يتم التضييق على الحجاب والنقاب، وأحيانا محاربته وأطلاق أبواق إعلامهم لمهاجمة مرتديه وتشويه صورته في المجتمع، مما أعطى للغرب وبمعنى أدق للدول الغير إسلامية، الضوء الأخضر لمحاربة الحجاب والنقاب أيضا والتضييق على مرتديه.
في الوقت الذي لا يستطيع أي شخص في العالم حتى في الدول الإسلامية والتي أشرت أليهم أن ينتقدوا من يرتدن الحجاب من الراهبات المسيحيات أو اليهود الأرثوذوكس ولا يتجرأ أحد، وإلا تعرض لتهمة ازدراء الأديان والتعصب والتعدي على الحرية الشخصية والمعتقدات الدينية للآخرين وخصوصا اضطهاد الأقليات، لتنتفض الدول المسيحية والتي تهتم وفي المرتبة الأولى بالحريات لمواطنيها بالدفاع عنهم.
أما نحن المسلمين فقد فقدنا وللأسف الغطاء والذي يحمينا، وافتقدنا من يدافع عنا وعن ثقافتنا ومعتقداتنا وقيمتنا وكرامتنا، وأصبحنا نعاني من التضييق على حرياتنا وثوابتنا في الداخل والخارج.
"""فيا ليت قومي يعلمون بما يعانوه أولادنا"""
حقيقة تمسك أبنتي بقيمنا وثقافتنا يرجع إلى التربية من الصغر ويرجع الفضل لله سبحانه وتعالى وإلى زوجتي والتي حرصت أن تعاملها كصديقة أكثر من كونها أم، بجانب مساندتي لها في المدارس وبالنصائح والمناقشة وتبادل الحديث وفي كل المواضيع.
عموما نصحتها أكثر من مرة وأعطيتها الضوء الأخضر كأب، وقلت لها إن كان الحجاب عقبة في حياتك وحجر عثرة في طريق مستقبلك، وقد يجعلك تتعرضين للشقاء يمكنك أن تخلعيه، أقول ذلك لعلمي بقوة شخصية أبنتي ولثقتي الكبيرة فيها، وليس حبا في أن تخلع حجابها ولكن شفقة عليها، ولكنها رفضت عرضي بكبرياء وكأنها تدافع عن هويتها وشخصيتها وكرامتها ودينها وتأبى أن تتنازل عنهم، ومهما كانت التحديات.
قائلة لي وبصوت قوي مليء بالثقة والإصرار والتحدي:
لن أخلع حجابي يا أبي
 

إقرأ ايضا