الشبكة العربية

الخميس 24 يناير 2019م - 18 جمادى الأولى 1440 هـ
الشبكة العربية

لماذا يذهب الريموت إلى الشرق ومكملين؟!

في وسط البلد بالقاهرة.. ضبط صاحب محل تليفزيونه على قناة "الشرق" التي تبث من تركيا ليتابع مسلسل أرطغرل. في غير وقت المسلسل يتنقل بالريموت بين هذه القناة وشقيقتها في تركيا "مكملين" وقناة الجزيرة ليتابع الأخبار والبرامج السياسية.
هذا ما يفعله رجل تشاهده وأنت تمر أمام محله أو تتوقف عنده لتبتاع شيئا. لا شك أن هناك غيره ممن لا نراهم تركوا المحطات المصرية إلى تلك المحطات بسبب الاحساس بأن كل قناة مصرية، رسمية أو خاصة، صارت تعزف لحنا واحدا ولا تقترب من السلبيات خصوصا تلك التي تصب في خانة السياسة.
ما الذي يجعل الناس تهجر مملكتك الإعلامية على إتساعها وإمكانياتها الضخمة إلى غيرك؟!.. إنه الإعلام الشمولي الذي تضع نفسك في خانته رغم أن الزمن أكل عليه وشرب. يظن الذين اختاروا هذا الطريق أنهم يحصنون أنفسهم من النقد ويحمون الرأي العام من التأثر به، بينما هم في الحقيقة يدفعونه دفعا إلى خارج مجالهم ليشاهد ويستمع ويتأثر. تماما كما في الستينيات والسبعينيات عندما كان المستمعون يذهبون بمؤشر الراديو إلى البي بي سي ومونت كارلو وصوت أميركا ودار الإذاعة الإسرائيلية من أورشليم والقدس!
في الماضي كانت هناك مخاوف أن تُعتقل إذا ضبطت متلبسا بالاستماع إلى الإذاعة الإسرائيلية، ورغم ذلك كانوا يستمعون إليها، ربما يخفضون الصوت، لكنهم في النهاية يعرفون أوقات برامجها ونشراتها خصوصا النشرة التي كانت تعقب أغنية أم كلثوم اليومية في السابعة والنصف مساء، وحديث العم حمدان في الثامنة مساء.
كان "صوت العرب" يتمتع بقوته وجبروت أصوات مذيعيه، خصوصا أحمد سعيد وسعد زغلول نصار، لكن الناس شعرت بغريزتها، حتى أولئك البسطاء في الغيط، إنه إعلام شمولي لا يقول الحقيقة، ويكذب، ويعلي من شأن انجازات لا تتحقق، وانتصارات هي دروب من الأوهام!
لم يكن عبدالناصر محظوظا بهذا الإعلام الذي انتهى به إلى نكسة يونيه حزيران، وعلى نفس القياس لن تكون مصر اليوم محظوظة بهذا الإعلام الذي يدفع الناس دفعا، مشاهدين ومستمعين وقراء صحف، إلى الفرار منه إلى قنوات مضادة، تقدم ساندوتشات مرة من السلبيات مخلوطة بدعاية غير حقيقية، وهذا من صلب وظيفتها كقنوات معارضة في الخارج.
السلطة في حاجة إلى ناصح أمين يقول لها "ما هكذا تورد الإبل". شيوخ الإعلام الذين يرتزقون من نصائحهم غير الصادقة بينما أرجلهم تقترب من القبور، لن يكونوا أهلا لنصيحة غيورة على الوطن ومصالحه. هؤلاء لا يعنيهم المستقبل، وتنحصر مصالحهم الضيقة في حاضر ضيق ينظر تحت قدميه!
أزعم أن معظم النخبة السياسية والفكرية تشعر بالخطر، لكن قليلا منهم يملك الشجاعة لينتقد ويطالب بالكف عن هذه الشمولية. المؤلفة والمؤرخة الدكتورة لميس جابر واحدة من تلك القلة، كتبت بجريدة "الوطن" 30/11/2018 أن القنوات كلها قد تم ضربها في الخلاط، وخرجت النتيجة كما نرى الآن، وكما نحاول أن نفهم. تسطح الإعلام كله تماما، اختفى مذيعون ومذيعات على قدر من الجودة والمهنية وجيء بآخرين أقل كثيرا في كل شيء.
تقول لميس جابر إننا عدنا إلى أيام الإعلام الشمولي الذي يسبح ويصفق ويهلل ويتشاجر ويتعارض في كرة القدم فقط. وتؤكد ابتعاد الناس في الشارع عن الجميع وإعطاء ظهورهم للتليفزيون المصري والخاص والميديا بحالها، وتوجهوا بالخطى السريعة وبمنتهى النشاط والإقبال إلى قناة مكملين وقناة الشرق، وتختم بقولها "إن كنت عزيزى القارئ لا تصدق، فقط اسأل من حولك فى الشوارع أو اجلس عند الحلاق أو على المقاهى فى غير أوقات الكرة".
هذه شهادة كاتبة مثقفة وواعية.. وأظن أن الشهادات كثيرة لكنها مكتومة في الصدور.
[email protected]
 

إقرأ ايضا