الشبكة العربية

الأحد 22 سبتمبر 2019م - 23 محرم 1441 هـ
الشبكة العربية

لماذا يخسر الإسلاميون معاركهم دائما ؟!


لا يوجد حزب سياسي أو جمعية سياسية أو حركة سياسية في العالم العربي كله تملك العمق التاريخي للحركة الإسلامية ، كما لا توجد حركة سياسية تملك الاتساع القاعدي على مستوى الشارع وحتى المؤسسات مثل التيار الإسلامي ، ولا تملك حركة سياسية أو حزب سياسي قدرات معنوية وروحية وفكرية ملتحمة مع جذر المجتمع مثلما تملك الحركات الإسلامية ، وبطبيعة الحال لا يوجد حزب سياسي ولا تيار سياسي قدم من التضحيات وعاني من أهوال القمع والسحق مثلما عانى وضحى أبناء هذه التيارات الإسلامية ، ومع كل ذلك التميز وتلك القدرات الفطرية والسهلة ، إلا أنه لا توجد حركة سياسية أفشل من الحركة الإسلامية ، ولا يوجد تيار أو حزب سياسي خسر ـ تقريبا ـ كل معاركه بالحجم الهائل للخسارات التي خسرتها الأحزاب الإسلامية ، فما هو السبب ؟ وأين تكمن المشكلة ؟ .
بطبيعة الحال ، في مثل هذا الرصد التاريخي الممتد على قرابة قرن من الزمان ، مائة عام من عمر الأمة ، يكون مخلا بالمنطق أن تحصر أسباب ذلك الفشل في سبب واحد بعينه ، ولا أن تختزل الرحلة في خطأ واحد ، حتى وإن كانت بعض الأخطاء وسوء التقدير تكررت في مراحل تاريخية مختلفة ، وأحيانا تتكرر الأخطاء بصورة طبق الأصل ، وهو ما يعني أن الخبرات لم تتكون ، ودروس التجربة لم تتبلور ، رغم كل العطاء والتضحيات .
ولكن هناك ـ في تقديري ـ سبب جامع ، هو "أم" الأخطاء والأسباب ، أعتقد أنه أدى إلى مثل هذه النتائج ، أو هو الذي تولدت منه تلك الأسباب جميعها ، أو أن غيابه أدى إلى غيابات كثيرة أثمرت تلك النتائج الكارثية ، وهذا السبب هو غياب "الرؤية" عند تلك الحركات والأحزاب والتيارات الإسلامية ، والمقصود بالرؤية هنا هي تلك النظرة الشاملة التي تحدد موقعك وموقفك من الواقع المحيط بك ، ومن عناصره ، البشرية والمؤسسية ، ومن ماضيه وحاضره ومن مستقبله الذي تستشرفه ، وما الذي تريده في هذا المستقبل ، وما الذي تريد فعله في هذا الواقع .
الرؤية ، أيضا ، تمثل نظرتك إلى العالم الخارجي ، وموقعك منه ، وموقعه منك أيضا ، عدو أم صديق ، متآمر أم انتهازي يبحث عن مصالحه ، نعاديه أم نتقاطع معه في لعبة المصالح ، والرؤية أيضا التي تحدد لك المشكلات الأهم التي تواجهك وتواجه واقعك وتواجه بلدك ، وأولويات تلك المشكلات أيضا ، والأفكار البديلة التي يمكنك أن تتعامل بها مع تلك المشكلات ، سواء وأنت صاحب القرار أو وأنت مراقب ومتحفز لأن تكون صاحب القرار .
الرؤية التي تحكم نظرتك لشركائك في الوطن ، سواء كانوا قوى سياسية أخرى ، أو تيارات فكرية وايديولوجية أو طوائف دينية ، أو كانت أفكارا وقيما أدبية وفنية وحقوقية وإنسانية ، ما موقفك منها ، وما علاقتك بها ، وكيف تتعايش معها ، وما هو موقعها في مشروعك ورؤيتك عمليا ، بدون مراوغة أو تلاعب بالعواطف والكلمات ، وهل تقبل أن تدخل معها في شراكة سياسية حقيقية ، تتقاسمون فيها المصالح وتحتفظون بمساحات الاختلاف ، وتتبادلون التنازلات ، وهل يمكن أن تقاسمهم السلطة إذا أتيح ذلك ، على أرضية مصالح وليس على أرضية سيطرة ايديولوجية ، وهل تقبل أن تتنازل في تلك الشراكة عن بعض مقوماتك الفكرية أو الدينية أو القيمية .
الرؤية التي تحكم نظرتك للفكر السياسي الجديد ، الذي انتهت إليه البشرية في العقود الأخيرة ، موقفك من الديمقراطية مثلا ، هل تقبلها بكثير خيرها وقليل شرها ، أم أنك تراها شركا أو تخليا عن "المشروع الإسلامي" ، وبالتالي نظرتك إلى البديل الذي تتصوره ، والذي تحمله للناس ، والحديث عن "الشورى" ما هي ملامحه ومحدداته العملية لإدارة شئون دولة اليوم ، ومؤسساتها ، وهل مشكلتك مع الاستبداد لأنه ظلم للإنسان من حيث المبدأ ، أم أن مشكلتك مع الاستبداد الذي يحمل قيما لا ترتضيها ، علمانية أو تغريبية كما يصفها البعض ، وهل المستبد إذا كان "إسلاميا" ستغفر له استبداده وتقبل نظام حكمه .
الرؤية التي تنظم موقفك من الحريات العامة ، وحدود قبولك فيها ، وما تشمله من فضاءات الأدب والثقافة والفن والرأي والتعبير بمختلف صوره ، هل تتسع لها رؤيتك فتقبلها ، لك ولغيرك المختف عنك فكريا أو إنسانيا أو قيميا ، أم أنك ترفضها لأنها ستنشر ما تراه الحرام والباطل وبالتالي ستكون أنت أول ضحايا رفض الحريات العامة قطعا ، أم أنك تقبل بها أحيانا ولا تقبل بها أحيانا أخرى ، أو بمعنى آخر تقبل بالحريات العامة إن كانت لصالح قضيتك وترفضها إذا خالفت قناعاتك ، تلك مسألة ملتبسة وسببت حرجا كبيرا للإسلاميين في دورات متتالية من الصراع الاجتماعي والفكري والسياسي ، ولا بد من وضوح الرؤية فيها وثباتها أيضا في تلك المرحلة .
الرؤية التي تنسج علاقتك مع المجتمع الدولي ، مؤسسات ومنظمات مدنية وبرلمانات وإعلاما وحكومات ، وهي تحمل تقديرات سياسية وأخلاقية وإنسانية مختلفة عما تحمله أنت ، فكيف ستدير علاقتك بها ، وما هو المنطق الذي يجعلك تهاجمها أخلاقيا وسياسيا في بعض الظروف ، ثم تلجأ إليها لدعمك سياسيا وأخلاقيا أيضا في الظروف التي تضغط عليك ، وهل يملك الإسلاميون أي قواعد لحسابات الربح والخسارة في التعامل مع المجتمع الدولي وصناعة جسور من الثقة والفهم والتعايش .
أحيانا تشعر أن التيار الإسلامي يتحدى العالم كله ، ويستعديه ، ويضعه في خندق الأعداء المتربصين بالأمة ، ويستعذب بعضهم استحضار ظلال التاريخ والغزوات الصليبية ليثبت أنها ممتدة ومستمرة ، وفي أحيان أخرى تجد نفس التيار ، بنفس فصائله ، يطلبون تضامن العالم كله مع محنتهم أو مع قضاياهم أو مع عذاباتهم ، ويناشدونهم بنفس القواعد الإنسانية والأخلاقية التي سبق وهاجموا العالم بسببها ، وهي حيرة مستمرة من عشرات السنين وحتى الآن في خطاب الإسلاميين ومواقفهم .
بطبيعة الحال ، هذا الغياب للرؤية الجامعة التي تضبط بوصلة الفعل الإسلامي ، سياسيا وإنسانيا ، ولدت اضطرابا في السلوك ، وفوضى في المواقف ، وتناقضات في الاختيارات ، وكل ذلك أحدث شقوقا نجح فيها خصومهم ، وخاصة من النظم المستبدة في العالم الثالث ، في النفاذ من خلالها لتصويرهم أمام شعوبهم وأمام العالم الخارجي بأوصاف شديدة السلبية ، وبدون شك فإن مثل هذه الأوصاف وجدت طريقها لعقل وقلب هؤلاء وأولئك ، داخل الأوطان وفي العواصم الغربية ، وكان هذا من الأسباب المهمة في إضعاف حصاد جهود الإسلاميين وإضعاف مواقف التعاطف معهم ، سواء كان محليا أو دوليا ، حتى لو كان ضحاياهم بالآلاف ، وتشعر أن حاجزا من العزلة الشعورية حال دون هذا التفهم والتعاطف معهم ، رغم أن العالم كله يمكن أن يضج من أذى تعرض له شخص واحد فقط ، وضحت قضيته ، وفهم الآخرون رؤيته ومحددات نضاله .
أتصور ، أن أولى الأولويات لأي جهد إسلامي جاد اليوم ، هو العمل على إجراء مراجعات نظرية شاملة ، تطرح بوضوح رؤية واقعية شاملة وجذرية ، مقنعة وجادة ، يستبصر بها جيل جديد من الإسلاميين في عملهم من أجل مستقبل أفضل وأرشد ، وتتيح الفرصة أمام شعوبهم وأمام العالم لأن يفهموهم بشكل صحيح وصادق وشفاف ، ويطمئنوا إلى مشروعهم أيضا ، وان اختلفوا مع بعض تفاصيله ، وبدون إنجاز هذه الرؤية ، فأعتقد أن نزيف الأجيال سيستمر بلا أي مردود عملي ، وآلة الحصاد القمعي ستحصد كل عدة سنوات أعمار الآلاف بلا أي ثمرة ، وسيظل التيار الإسلامي ـ رغم ضخامته ـ في عزلة عن مجتمعه وعن العالم ، يعاني مرارة الهزيمة وحصاد الهشيم .
 

إقرأ ايضا