الشبكة العربية

الأحد 23 فبراير 2020م - 29 جمادى الثانية 1441 هـ
الشبكة العربية

لماذا يخسر الإسلاميون معاركهم دائما ؟!


لا يوجد حزب سياسي أو جمعية سياسية أو حركة سياسية في العالم العربي كله تملك العمق التاريخي للحركة الإسلامية ، كما لا توجد حركة سياسية تملك الاتساع القاعدي على مستوى الشارع وحتى المؤسسات مثل التيار الإسلامي ، ولا تملك حركة سياسية أو حزب سياسي قدرات معنوية وروحية وفكرية ملتحمة مع جذر المجتمع مثلما تملك الحركات الإسلامية ، وبطبيعة الحال لا يوجد حزب سياسي ولا تيار سياسي قدم من التضحيات وعاني من أهوال القمع والسحق مثلما عانى وضحى أبناء هذه التيارات الإسلامية ، ومع كل ذلك التميز وتلك القدرات الفطرية والسهلة ، إلا أنه لا توجد حركة سياسية أفشل من الحركة الإسلامية ، ولا يوجد تيار أو حزب سياسي خسر ـ تقريبا ـ كل معاركه بالحجم الهائل للخسارات التي خسرتها الأحزاب الإسلامية ، فما هو السبب ؟ وأين تكمن المشكلة ؟ .
بطبيعة الحال ، في مثل هذا الرصد التاريخي الممتد على قرابة قرن من الزمان ، مائة عام من عمر الأمة ، يكون مخلا بالمنطق أن تحصر أسباب ذلك الفشل في سبب واحد بعينه ، ولا أن تختزل الرحلة في خطأ واحد ، حتى وإن كانت بعض الأخطاء وسوء التقدير تكررت في مراحل تاريخية مختلفة ، وأحيانا تتكرر الأخطاء بصورة طبق الأصل ، وهو ما يعني أن الخبرات لم تتكون ، ودروس التجربة لم تتبلور ، رغم كل العطاء والتضحيات .
ولكن هناك ـ في تقديري ـ سبب جامع ، هو "أم" الأخطاء والأسباب ، أعتقد أنه أدى إلى مثل هذه النتائج ، أو هو الذي تولدت منه تلك الأسباب جميعها ، أو أن غيابه أدى إلى غيابات كثيرة أثمرت تلك النتائج الكارثية ، وهذا السبب هو غياب "الرؤية" عند تلك الحركات والأحزاب والتيارات الإسلامية ، والمقصود بالرؤية هنا هي تلك النظرة الشاملة التي تحدد موقعك وموقفك من الواقع المحيط بك ، ومن عناصره ، البشرية والمؤسسية ، ومن ماضيه وحاضره ومن مستقبله الذي تستشرفه ، وما الذي تريده في هذا المستقبل ، وما الذي تريد فعله في هذا الواقع .
الرؤية ، أيضا ، تمثل نظرتك إلى العالم الخارجي ، وموقعك منه ، وموقعه منك أيضا ، عدو أم صديق ، متآمر أم انتهازي يبحث عن مصالحه ، نعاديه أم نتقاطع معه في لعبة المصالح ، والرؤية أيضا التي تحدد لك المشكلات الأهم التي تواجهك وتواجه واقعك وتواجه بلدك ، وأولويات تلك المشكلات أيضا ، والأفكار البديلة التي يمكنك أن تتعامل بها مع تلك المشكلات ، سواء وأنت صاحب القرار أو وأنت مراقب ومتحفز لأن تكون صاحب القرار .
الرؤية التي تحكم نظرتك لشركائك في الوطن ، سواء كانوا قوى سياسية أخرى ، أو تيارات فكرية وايديولوجية أو طوائف دينية ، أو كانت أفكارا وقيما أدبية وفنية وحقوقية وإنسانية ، ما موقفك منها ، وما علاقتك بها ، وكيف تتعايش معها ، وما هو موقعها في مشروعك ورؤيتك عمليا ، بدون مراوغة أو تلاعب بالعواطف والكلمات ، وهل تقبل أن تدخل معها في شراكة سياسية حقيقية ، تتقاسمون فيها المصالح وتحتفظون بمساحات الاختلاف ، وتتبادلون التنازلات ، وهل يمكن أن تقاسمهم السلطة إذا أتيح ذلك ، على أرضية مصالح وليس على أرضية سيطرة ايديولوجية ، وهل تقبل أن تتنازل في تلك الشراكة عن بعض مقوماتك الفكرية أو الدينية أو القيمية .
الرؤية التي تحكم نظرتك للفكر السياسي الجديد ، الذي انتهت إليه البشرية في العقود الأخيرة ، موقفك من الديمقراطية مثلا ، هل تقبلها بكثير خيرها وقليل شرها ، أم أنك تراها شركا أو تخليا عن "المشروع الإسلامي" ، وبالتالي نظرتك إلى البديل الذي تتصوره ، والذي تحمله للناس ، والحديث عن "الشورى" ما هي ملامحه ومحدداته العملية لإدارة شئون دولة اليوم ، ومؤسساتها ، وهل مشكلتك مع الاستبداد لأنه ظلم للإنسان من حيث المبدأ ، أم أن مشكلتك مع الاستبداد الذي يحمل قيما لا ترتضيها ، علمانية أو تغريبية كما يصفها البعض ، وهل المستبد إذا كان "إسلاميا" ستغفر له استبداده وتقبل نظام حكمه .
الرؤية التي تنظم موقفك من الحريات العامة ، وحدود قبولك فيها ، وما تشمله من فضاءات الأدب والثقافة والفن والرأي والتعبير بمختلف صوره ، هل تتسع لها رؤيتك فتقبلها ، لك ولغيرك المختف عنك فكريا أو إنسانيا أو قيميا ، أم أنك ترفضها لأنها ستنشر ما تراه الحرام والباطل وبالتالي ستكون أنت أول ضحايا رفض الحريات العامة قطعا ، أم أنك تقبل بها أحيانا ولا تقبل بها أحيانا أخرى ، أو بمعنى آخر تقبل بالحريات العامة إن كانت لصالح قضيتك وترفضها إذا خالفت قناعاتك ، تلك مسألة ملتبسة وسببت حرجا كبيرا للإسلاميين في دورات متتالية من الصراع الاجتماعي والفكري والسياسي ، ولا بد من وضوح الرؤية فيها وثباتها أيضا في تلك المرحلة .
الرؤية التي تنسج علاقتك مع المجتمع الدولي ، مؤسسات ومنظمات مدنية وبرلمانات وإعلاما وحكومات ، وهي تحمل تقديرات سياسية وأخلاقية وإنسانية مختلفة عما تحمله أنت ، فكيف ستدير علاقتك بها ، وما هو المنطق الذي يجعلك تهاجمها أخلاقيا وسياسيا في بعض الظروف ، ثم تلجأ إليها لدعمك سياسيا وأخلاقيا أيضا في الظروف التي تضغط عليك ، وهل يملك الإسلاميون أي قواعد لحسابات الربح والخسارة في التعامل مع المجتمع الدولي وصناعة جسور من الثقة والفهم والتعايش .
أحيانا تشعر أن التيار الإسلامي يتحدى العالم كله ، ويستعديه ، ويضعه في خندق الأعداء المتربصين بالأمة ، ويستعذب بعضهم استحضار ظلال التاريخ والغزوات الصليبية ليثبت أنها ممتدة ومستمرة ، وفي أحيان أخرى تجد نفس التيار ، بنفس فصائله ، يطلبون تضامن العالم كله مع محنتهم أو مع قضاياهم أو مع عذاباتهم ، ويناشدونهم بنفس القواعد الإنسانية والأخلاقية التي سبق وهاجموا العالم بسببها ، وهي حيرة مستمرة من عشرات السنين وحتى الآن في خطاب الإسلاميين ومواقفهم .
بطبيعة الحال ، هذا الغياب للرؤية الجامعة التي تضبط بوصلة الفعل الإسلامي ، سياسيا وإنسانيا ، ولدت اضطرابا في السلوك ، وفوضى في المواقف ، وتناقضات في الاختيارات ، وكل ذلك أحدث شقوقا نجح فيها خصومهم ، وخاصة من النظم المستبدة في العالم الثالث ، في النفاذ من خلالها لتصويرهم أمام شعوبهم وأمام العالم الخارجي بأوصاف شديدة السلبية ، وبدون شك فإن مثل هذه الأوصاف وجدت طريقها لعقل وقلب هؤلاء وأولئك ، داخل الأوطان وفي العواصم الغربية ، وكان هذا من الأسباب المهمة في إضعاف حصاد جهود الإسلاميين وإضعاف مواقف التعاطف معهم ، سواء كان محليا أو دوليا ، حتى لو كان ضحاياهم بالآلاف ، وتشعر أن حاجزا من العزلة الشعورية حال دون هذا التفهم والتعاطف معهم ، رغم أن العالم كله يمكن أن يضج من أذى تعرض له شخص واحد فقط ، وضحت قضيته ، وفهم الآخرون رؤيته ومحددات نضاله .
أتصور ، أن أولى الأولويات لأي جهد إسلامي جاد اليوم ، هو العمل على إجراء مراجعات نظرية شاملة ، تطرح بوضوح رؤية واقعية شاملة وجذرية ، مقنعة وجادة ، يستبصر بها جيل جديد من الإسلاميين في عملهم من أجل مستقبل أفضل وأرشد ، وتتيح الفرصة أمام شعوبهم وأمام العالم لأن يفهموهم بشكل صحيح وصادق وشفاف ، ويطمئنوا إلى مشروعهم أيضا ، وان اختلفوا مع بعض تفاصيله ، وبدون إنجاز هذه الرؤية ، فأعتقد أن نزيف الأجيال سيستمر بلا أي مردود عملي ، وآلة الحصاد القمعي ستحصد كل عدة سنوات أعمار الآلاف بلا أي ثمرة ، وسيظل التيار الإسلامي ـ رغم ضخامته ـ في عزلة عن مجتمعه وعن العالم ، يعاني مرارة الهزيمة وحصاد الهشيم .
 

إقرأ ايضا