الشبكة العربية

الخميس 24 سبتمبر 2020م - 07 صفر 1442 هـ
الشبكة العربية

‏لماذا ننصح ببعض الادخار في الذهب

هذا المقال يعتبر إلى حد ما تكميلا لمقال سابق لنا بعنوان "نحن والعالم والأزمة النقدية القادمة" لذا فقد يكون من المفيد للقارئ المهتم أن يطلع عليه قبل قراءة هذا المقال والذي سوف نوضح فيه أهميه أن نسعى بسرعة الى حماية ما تبقى من مدخراتنا وشقى عمرنا. والمقال السابق موجود على النت. 

 ومنذ كتابتنا للمقال الأول والتطورات الاقتصادية تتلاحق بسرعة وكلها تطورات سيئة للأسف عكس ما تحاول الإيحاء به القلة المستفيدة من الوضع الاقتصادي الحالي مستغلة في هذا الزيادة غير ‏العادية في مؤشرات أسواق الأسهم العالمية. وقد سبق أن ألمحنا إلى أسباب زيادة هذه المؤشرات وانفصالها عن الوضع الاقتصادي البائس في كل دول العالم والذي تسببت فيه إجراءات الغلق العشوائية لمعظم القطاعات الاقتصادية بما فيها المدارس والجامعات دون أي نقاش جاد قبل هذا ‏الغلق او إعداد الناس له. وباختصار شديد فإن الأسواق المالية كما يعرف كل الاقتصاديين تعكس التوقعات المستقبلية للسماسرة والمتعاملين وصناديق الاستثمار والمضاربين عكس مؤشرات الاقتصاد الكلي والتي تعبر عن الحاضر. 
 وأرجو أن يعذرني القارئ الكريم في أن اذكر مثالا بسيطا للأذى الذي لحق بقطاع واحد فقط هو قطاع التعليم حيث انتهيت للتو من حفل تخريج دفعة من طلبة الدراسات العليا وعادة ما تكون حفلات التخرج في الجامعة ‏مناسبة مبهجة للطلاب وأسرهم وهم يشاهدون أبناءهم وهم يتوجون بالكاب ووشاح التخرج عكس ما حدث هذه المرة حيث تم حفل التخرج من خلال تقنيات الواقع الافتراضي بسبب حظر التجمعات. وبالنتيجة جلس الجميع في بيوتهم ‏بما فيهم نحن الأساتذة أمام شاشات الكمبيوتر حيث تم وضع أسماء الخريجين ودرجاتهم العلمية على الشاشة وقمنا نحن الأساتذة بإلقاء كلمات قصيرة وتهنئة المتفوقين ببعض الرسائل القصيرة التي تظهر على الشاشة من وقت لآخر. كانت المناسبة كئيبة ‏وبعض التلميذ لم يتمكنوا من رؤية أسمائهم على الشاشة، ولكن الأهم من هذا كان السؤال الذي ظل يطاردني في هذا العالم الافتراضي وهو كيف سيجد هؤلاء الخريجين الجدد فرص عمل لهم والبطالة الآن تشهد معدلات لم يعرفها العالم منذ الحرب العالمية الثانية. هذا مثال بسيط على الخراب الذي حل بالعالم وبالرغم من هذا ‏فإن أسعار البورصات العالمية في ارتفاع في مؤامرة دنيئة يتم فيها خداع الناس وإيهامهم بأن كل شيء على ما يرام وأن ما دفعوه من‬ ثمن باهظ نتيجة الغلق العشوائي كان مبررا وأن ترامب صادق في توقعاته بأن الاقتصاد العالمي سيعود إلى ما كان عليه قبل الأزمة بنهاية هذا العام!
وبالإضافة إلى ما ذكرناه في المقال السابق فإن الإدارة الأمريكية الحالية التي تتسم بأنانية وانتهازية غير مسبوقة تتجه إلى زيادة محفزات النمو النقدية والمالية من خلال مجموعة جديدة من السياسات التي تحدثنا عنها سابقا ومن أهمها ما نسميه بسياسات التيسير النقدي فبالإضافة إلى مبلغ ال 2.8 تريليون دولار‏ التي تم إصدارها خلال الأشهر الماضية فإن الادارة الامريكية تخطط كما أعلن لإصدار دولارات جديدة في حدود واحد تريليون دولار لزيادة الطلب الكلي وتفادي دخول الاقتصاد الأمريكي في نوبة كساد عميق. وأود هنا أن ألفت نظر القارئ الكريم إلى أن أسعار الذهب وفي خط مواز تتجه أيضا إلى الزيادة بمعدلات سريعة وليس هذا مصادفة ‏في رأينا وإنما هو رد فعل محسوب من المستثمرين المؤسساتيين تحسبا للتبعات طويلة الأمد لهذه المحفزات المالية وأثرها على التضخم وقيمة الدولار. وهناك مؤشرات تدل بالفعل على توجهات مستقبلية لإطلاق العنان ‏للتضخم منها ما أعلن عن اتجاه بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى ربط حركة سياساته النقدية بمعدلات نمو الأسعار وهو ما يعني ضمنا بأنه يتجه إلى السماح للتضخم بتجاوز نطاق ال ٢% التي حددها البنك من قبل. أضف إلى هذا بأنه من البديهي أن تتجه كل البنوك المركزية في الدول المتقدمة ‏وحتى الدول الآخذة في النمو التي تتبع نفس سياسيات التوسع النقدي والتمويل بالعجز التي تحدثنا عنها سابقا، ان تتجه بعد تجاوز أزمة الكورونا وبدءها في تطبيع السياسة النقدية إلى السماح بالزيادة في التضخم، ويمكن تنفيذ هذا من خلال رفع سعر الخصم مثلا ‏أو رفع نسبة الاحتياطي الإلزامي لدى البنوك التجارية لجعل تكلفة الاقتراض منها عالية. والغرض من زيادة نسبة التضخم هنا هو تخفيض عبء خدمة الديون التي تتركم الآن على الحكومات نتيجة التوسع في الاقتراض كما اوضحنا في مقالنا السابق من أجل دعم قطاع الأعمال اثناء إجازته الإجبارية ودعم الناس المحبوسة في بيوتها.
‏والغرض الآخر من زيادة التضخم هو تخفيض قيمة العملات النقدية بشكل غير مباشر وتخفيض سعر الفائدة الحقيقية بالرغم من الإبقاء على السعر الاسمي لها وهو ما يعني بالنتيجة تخفيض آخر لعبء الديون الحكومية التي تديرها البنوك المركزية.  وقد تعلمنا ‏كيفية حساب هذه التوقعات من خلال النماذج والمعادلات الرياضية والمنحنيات المركبة التي وضعها عملاق ومؤسس علم الاقتصاد الكلي جون ‏مينارد كينز في مرجعه الاقتصادي الكبير الذي كان مقررا علينا في مرحلة البكالوريوس والماجستير والمسمى بالنظرية العامة في التوظيف وأسعار الفائدة والنقود والذي لا زال يدرس حتى يومنا هذا. وأنوي بمشيئة الله أن أخصص مقالا عن سيرة هذا العملاق الاقتصادي.
الآن ‏وبسبب كل ما ذكرناه في هذا المقال وما قبله تتجه معظم الدول وعلى رأسها الصين وروسيا وبنوك الاستثمار العالمية وصناديق التحوط وصناديق المعاشات والأغنياء إلى شراء الذهب بكثافة لحماية الاحتياطيات الاجنبية والمدخرات. وأود هنا أن أنبه إلى مسألة أخرى ‏تدعم هذا التوجه وهي أن سعر الفائدة على الدولار ومعظم العملات الرئيسية في العالم تقترب الآن من الصفر وهو ما يعني بأن ما نسميه بالقيمة الزمنية للنقود في المستقبل لم تعد موجودة كما أنها لم تعد تدر أي دخل حالي ومن ثم تتضاءل وظيفة النقود كمخزن للقيمة. ‏ونحن نتوقع أن تستمر هذه الأوضاع لسنوات طويلة قادمة بمعنى أننا نتجه إلى عصر أسعار الفائدة المنخفضة جدا كحل لأزمة الكساد العالمي السائد حاليا، وبناءا عليه يكون الذهب أكثر أمانا من العملات الورقية كمخزن للقيمة ووسيلة آمنة للادخار. وعلى مستوى أسعار الذهب في فترة السنوات الماضية فقد زادت ‏بوتيرة ثابتة ولكنها زادت بشكل مذهل منذ اندلاع أزمة الفيروس، وفي خلال العام المنصرم وحده زادت أسعار الذهب بحوالي 70%.
‏في الماضي كان بعض المستثمرين يتساءلون عن جدوى الاحتفاظ بالذهب على أساس انه لا يحقق أي عائد ثابت مثل العملات الورقية ولكن الصورة اختلفت الآن حيث أصبحت العملات النقدية أيضا لا تحقق أي دخل ثابت بالإضافة إلى أنها مهددة بالانخفاض في قيمتها بسبب الديون المتراكمة وتوقع ارتفاع معدلات تضخم كما أسلفنا. كما أصبح التلاعب بأسعار العملات بقرارات إدارية من الحكومات ومن البنوك المركزية ‏خطر حقيقي على مدخراتنا خاصة في أوقات الأزمات وهذه السياسة يطلق عليها تأدبا سياسة تعويم العملة وهي أسرع طريقة في رأينا لإفقار الشعوب حيث يمكن أن تفقد نصف مدخراتك في يوم واحد. ‏ومن ثم يكون من الحكمة الاحتفاظ بجزء من مدخراتنا في شكل ذهب او أي أصول عقارية أخرى للحفاظ على مدخرات عمرنا. ‏فلا يعقل أن يكون الذهب ملاذا آمنا للأغنياء والدول وكبار المستثمرين ولا يكون كذلك بالنسبة لمتوسطي الحال مثلنا. ‬
وللعلم فإن التضخم الجامح حاصل بالفعل في بلاد كثيرة حيث لا يتم قياسه بدقة ونلاحظ أن مؤشراته القياسية في معظم الدول تركز في مكوناتها على أسعار الأجهزة الإلكترونية والملابس والمشروبات ‏وبعض الأغذية الرخيصة ولكنه لا يتضمن تكلفة الاسكان والتعليم والرعاية الصحية المرتفعة جدا في بلادنا، ولو انه تم قياس كل هذه المعطيات لتغيرت أرقام التضخم بشكل جذري وهذا أيضا يشجع على الادخار في الذهب. ‏وعندما نقول الادخار في الذهب فإننا لا نقصد الحلي الذهبية التي تتضمن تكلفة المصنعية والتي لا تقل عن ٣٠٪؜ ولكننا نقصد الذهب الخام مثل ما يسمى بالاونصة أو القطع المعدنية الذهبية والتي لا أعرف بالضبط تسميتها في عالمنا العربي. ‏والقطع الصغيرة أفضل عادة من السبائك الكبيرة حيث يسهل بيعها في الحال عند الحاجة، ‏كما ينصح بشراء هذه القطع الذهبية من أماكن محترمة لأن هناك عمليات غش وخلط للذهب بالنحاس تنتشر في بعض الدول. ولا يعني كلامنا السابق أن الدولار والاقتصاد الأمريكي على وشك الانهيار ‏كما يدعي البعض فهذا الادعاء لا تدعمه أي حقائق اقتصادية لأن النظام الاقتصادي العالمي الحالي يعتمد على الدولار بشكل أساسي ولا يوجد بديل له حاليا حيث يشكل الدولار حوالي 60% من الاحتياطيات النقدية لكل دول العالم تقريبا وهو عملة المدفوعات والصفقات المالية والسلعية وهو أيضا عملة التحويلات والتسويات الدولية ‏ولنا مقال تفصيلي في هذا على هذا الموقع.والأهم من كل هذا أنه ليس من صالح كل الدول الكبرى الآن مثل الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي واليابان ودول الخليج البترولية أن ينهار الدولار حيث تحتفظ كل هذه الدول باستثمارات ضخمة بالدولار داخل وخارج الولايات المتحدة ويكفي هنا أن أشير إلى أن حجم سوق السندات الحكومية الأمريكية وحدها يصل إلى أكثر من 20 تريليون دولار’ كما أنه حديث العودة إلى نظام قاعدة الذهب يعتبر نوع من العبث لان الاقتصاد والنظام الدولي اختلف تماما وهذا حديث اخر. والخلاصة أن الدولار لا يعاني حاليا من أي مخاطر انهيار مفاجئ ولكن إذا ما أعيد انتخاب ترامب او إذا ما استمرت أي إدارة جديدة من بعده على نهجه فإن قيمة ومكانة الدولار سوف تضمحل لا محالة. ولإنه ليس بمقدور أحد التنبؤ بما سيحدث فإنه يكون من الأفضل أن نتحوط ضد هذه المخاطر وأن نحاول الحفاظ على مدخراتنا بقدر ما نستطيع. 

 

د. محمود يوسف بكير
مستشار اقتصادي 
[email protected]

 

إقرأ ايضا