الشبكة العربية

الخميس 19 سبتمبر 2019م - 20 محرم 1441 هـ
الشبكة العربية

لماذا تنهزم الديمقراطية في مصر؟

الشعب المصري غير جاهز للديمقراطية”. مقولة قديمة جدا قالها “المعلم يعقوب” (أول “جنرال” مصري  – قائد “الفيلق القبطي” الذي أنشأه نابليون) في شرح ضرورة استبداد الحكم في مصر، وذلك في إطار مشروعه “لاستقلال مصر” الذي أرسله للحكومة البريطانية عام ١٨٠١. وكررها من بعده كل حكام مصر، أجانب ومصريين. فهل هم جميعا على خطأ ونحن – شوية العيال بتوع يناير – على صواب؟ وإن كنا على صواب فلماذا لم تتحول مصر للديمقراطية حتى الآن؟

هل الديمقراطية مطلب نخبوي؟

لننظر للتاريخ كي نعرف. صحيح أننا لا نملك صورة كاملة عن التاريخ السياسي المصري، ومعظم ما لدينا يركز على الملوك والسلاطين لا على الشعب نفسه، لكن ما نعرفه يوضح الأمور التالية:

أولا، أن فئات الشعب المختلفة طالبت بالحكم الرشيد عبر تاريخ مصر كله وبلا انقطاع. وكان تعريف الناس للحكم الرشيد لا يختلف كثيرا عن معناه الحديث؛ فقد طالبوا بإدارة شئون الناس بالعدل، واحترام الحقوق الأساسية (مثل أمن الناس على أنفسهم وعائلاتهم وممتلكاتهم)، وتطبيق القانون واحترام قيم المجتمع وتقاليده، وتسهيل معيشة الناس سواء من خلال نظام ضريبي عادل ومعقول أو من خلال توفير الإطار الملائم لحسن انتظام الزراعة والتجارة والصناعة، ومحاسبة الظالم ومن يخرج عن هذه القواعد والتشاور مع ممثلي الشعب فيما يخص كل هذه المسائل.

ثانيا، أن المطالبات الشعبية بالحكم الرشيد وصلت للتمرد المسلح والثورة – بل والانفصال عن الدولة المركزية – عدة مرات. ومن يقرأ المتوفر من مصادر تاريخية يجد إشارات لإضرابات وهبات وانتفاضات وثورات بطول مصر وعرضها منذ الدولة الأموية (ويرى البعض أنها أقدم)، اشترك فيها الفلاحون والبدو وسكان المدن (ما يسمى بالعوام والحرافيش) وقياداتهم. أحيانا كانت هذه الهبات على نطاق مدينة واحدة مثل ثورات الإسكندرية والقاهرة المتعددة، أو في مقاطعة كاملة مثل ثورات البحيرة والشرقية، وأحيانا تحولت إلى ثورات شعبية واسعة النطاق بلغت حد الاستقلال مثل “ثورة الهوارة” التي استمرت ثلاثين عاما واستقلت بالصعيد لمدة أربع سنوات على الأقل – بين ١٧٦٥ و١٧٦٩. ومثل ثورة ١٧٩٥ التي أجبرت الحكام على تقديم تعهد مكتوب لقيادات الشعب باحترام مطالبهم (شبهها البعض بالـ “ماجنا كارتا” التي كانت أساس تحول إنجلترا الطويل الى الديمقراطية)، أو ثورة ١٨٠٥ التي أجبرت السلطان العثماني شخصيا على الرضوخ وتغيير والي مصر وربطت الوالي الجديد – محمد علي – بتعهد صريح بالتشارك في السلطة مع القيادات الشعبية. 

ثالثا، أن هذه المطالبات استمرت حتى تحت الحكم القمعي لمحمد علي وخلفاؤه، سواء من خلال المجالس التي أنشأها الباشا أو في صورة هبات وانتفاضات عنيفة. بل ان حفيده سعيد اضطر لإعادة تشكيل بعض هذه المجالس لتقليص قدرتها على تحدي إرادته. ثم بلغت هذه المطالبات أوجها في عصر إسماعيل مع تشكيل “مجلس شورى النواب” عام ١٨٦٦. هذا المجلس – الذي يفترض أنه “هبة” من الخديوي – بدأ أعماله بالسعي لتوسيع سلطاته والإشراف على موازنة الدولة وتحول خلال سنوات قليلة لمركز ثورة برلمانية ديمقراطية تشبه بداية الثورة الفرنسية حين رفض المجلس (في مارس ١٨٧٩) الانفضاض وانعقد في بيت أحد القيادات الشعبية وتحول لجمعية وطنية تضع دستورا جديدا (وهي “الثورة” التي ستتحول فيما بعد لتمرد مسلح بقيادة أحمد عرابي). وبعد الاحتلال البريطاني عادت المطالبة بالحكم الرشيد (إضافة للاستقلال) وتبلورت في ثورة ١٩١٩ ثم في الصراع حول دستور ١٩٢٣ واستعادته وهكذا حتى استيلاء الجيش على الحكم في ١٩٥٢ وما بعد ذلك وصولا لثورة يناير.

رابعا: ان الكثير من هذه الثورات والهبات انتهت باتفاق بين ممثلي الشعب والحكام، تعهدوا فيها باحترام القانون وحقوق الناس ومراعاة العدل وتسهيل حياة الناس والتشاور مع ممثلي الشعب واشراكهم في قرارات الحكم، ثم نقض الحكام هذه التعهدات بعد هدوء الأمور وعودة “الاستقرار” وانقضوا على القيادات الشعبية التي حاولت المقاومة. أفضل مثالين على هذا هما ثورة ١٧٩٥ التي أسفرت عن “العهدة الشرعية” والثورة التي وضعت محمد علي في سدة الحكم عام ١٨٠٥.

باختصار، الرغبة في الحكم الرشيد قديمة ومستمرة، لكن قدرة الناس على فرضه على حكامهم ضعيفة وموسمية. يتجاوز ظلم الحكام أو إهمالهم حدا معينا فينفجر الناس. يحاول الحكام قمع الانفجار وحين يفشلون يستجيبون لممثلي الشعب – مؤقتا، حتى تهدأ الناس ثم يعودون سيرتهم الأولى، وهكذا، دون أن تنشأ هيئات سياسية ذات قيادات دائمة تردع الحكام وتحد من سلطاتهم (باستثناء الفترة من ١٩٢٢ إلى ١٩٥٢). هذا الغياب، هذا العجز عن تحويل المطالب الشعبية لقوة سياسية مستمرة تردع الحاكمين وتحد من سلطاتهم هو بيت القصيد. وتفسير هذا العجز ومعرفة أسبابه العميقة هو مفتاح فهم هزيمة الديمقراطية في مصر حتى الآن.


كيف ترغم الحاكم على احترام الديمقراطية؟

لا يجوز تفسير هذا العجز بسذاجة القيادات الشعبية أو عدم فهمها، فلا يعقل أن تكون هذه سمات القيادات عبر كل هذه القرون. المسألة ليست مسألة سذاجة ومهارة بقدر ما هي مسألة قوة. تفسير العجز عن بناء قوة سياسية تردع الحاكم بشكل مستمر يحتاج لفهم الطريقة التي تبنى بها القوة السياسية ومصادرها. فالقوة لا تأتي بمجرد الرغبة والعزم، تماما مثلما لا تأتي الثروة بمجرد الرغبة في جمعها والإصرار على ذلك.

أسباب القوة السياسية ومصادرها تتنوع بين ثلاث: القدرة على القتال، والثروة، والقدرة على التحكم في سلوك الناس (سواء لأسباب دينية أو فكرية أو زعامة قبلية أو ما شابهها). والبلاد التي تحولت للديمقراطية كان حكامها ديكتاتورين بلا شيء يحد من سلطاتهم ولا حتى القانون، لكنهم اضطروا لقبول حدود على هذه السلطات وتقاسم السلطة ثم اشراك آخرين في الحكم لأن هؤلاء الآخرين كانوا يمتلكون أشياء احتاجها الملوك ولم يستطيعوا الحصول عليها بالإكراه. أحيانا كان هؤلاء الآخرين نبلاء واقطاعيين لديهم جنود يحتاجها الملك ولا يستطيع ارغام النبيل على تقديمها دون مقابل. أحيانا كانوا تجار وأصحاب ثروات لا يستطيع الملك مصادرتها أو فرض الضرائب عليها كما يشاء. وأحيانا كانوا مزيجا من هذا وذاك. وأحيانا كانوا رجال دين أو قادة قبائل أو عشائر أو مجموعات عرقية تتصرف كجماعة متماسكة. ومع التحديث انضم العمال المنظمين في نقابات الى هذه القائمة. أيا كانت التفاصيل فالقاعدة واحدة: مادام كان هناك قوة مستقلة عن الحاكم لا يملك السيطرة عليها بالإكراه فإنه سيضطر للتفاوض معها، وهو ما يعني تقاسم السلطة معها (ليس بالتساوي بالطبع). لو فقدت هذه القوة استقلالها لأي سبب، سيرتد الحاكم فورا عن تعهداته ويبتلعها.

مصر لم يكن فيها أي قوة مستقلة عن سيطرة الحكام؛ لا قوة قتالية ولا ثروات ولا فئة اجتماعية متماسكة تتصرف بشكل منظم. سيطر المماليك على القوة القتالية واحتكروها، وصاروا هم الحكام الحقيقيين للبلاد. لم يتحولوا لطبقة اقطاعية أو “نبلاء” لهم مصلحة في استقرار الحكم وخلق نظم إدارية وضريبية وقضائية مستقرة (وبالتالي تقييد سلطة الحاكم بالتشريع والتشارك في السلطة) وإنما ظلوا مجموعات قتالية في حالة احتراب دائم فيما بينهم وسطو وبلطجة على بقية فئات المجتمع. أصحاب الأراضي والثروات لم يتمتعوا باستقلال يذكر لأن المماليك والولاة استطاعوا السيطرة على مقدراتهم ولم يجد هؤلاء الأثرياء من يحميهم من البطش. حتى البدو والعشائر، وان احتفظوا بدرجة أعلى من الاستقلال، ظلوا منكشفين أمام بطش الحكام والمماليك في معظم الأوقات. تاريخيا إذا لم يكن في مصر- منذ سقوط الدولة الفرعونية، وربما خلالها – مجموعة اجتماعية لديها من الاستقلال والقوة ما يمكنها من ردع سلطة الحاكم.

ومن ثم حين قضى محمد علي على ما تبقى من قدرة المماليك القتالية، لم يعد أمامه أحد أو شيء يردعه. وحين خرق تعهداته للمشايخ وقمع من اعترض لم يجدوا ما يستندون اليه لمواجهته. لم تكن هذه القيادات ساذجة؛ بل كانت بلا مصدر مستقل للقوة تواجه به بطش الحاكم حين يبتلع تعهداته. وهكذا تم التحديث – الذي يقوي سلطة الدولة وتغلغلها في المجتمع – في ظل حكم مطلق ينفرد فيه الحاكم بتحديد كل شيء: توزيع الأراضي ونوع النشاط الاقتصادي ونظام الضرائب والتعليم والأمن والقانون. باختصار، يحدد الحاكم الفرد درجة التحديث ونوعه وإيقاعه ومداه والمستفيدين منه وضحاياه. يقاوم المصريون وقياداتهم هذا الحكم المطلق، لكن دون سند مستديم من القوة. يثورون ويضغطون ويحصلون على وعود، لكن حين يخرق الخديوي تعهداته بقبول الدستور وبالحكم من خلال الوزارة والمجلس النيابي لا يجد قائد “الثورة الدستورية” – شريف باشا – من مصادر القوة ما يستند اليه لإجبار الخديوي على احترام تعهداته. وحين دخل العسكريون المصريون لأول مرة في المعترك السياسي بقيادة عرابي متحالفين مع القيادات الديمقراطية بقيادة شريف باشا ثم انقلبوا عليه لم يجد شريف باشا من مصادر القوة ما يستند اليه لإجبار عرابي على الالتزام بتعهده طاعة “الجناح الديمقراطي”. لم يكن شريف باشا وزملاؤه ساذجين؛ كانوا يخشون شراكة العسكريين من البداية ويكادوا يوقنون أنهم سيستولون على السلطة. لم تكن المشكلة غياب المعرفة وإنما غياب القوة.

الحالة الوحيدة التي تمتعت فيها القيادات الشعبية بمصدر مستقل للقوة هي أيام قيادة سعد زغلول لحزب الوفد، سواء في ١٩١٩ أو فيما تلاها من صراعات مع القصر وسلطة الاحتلال البريطاني. لم تكن هذه القوة كافية للتغلب على هذين الخصمين، لكنها مكنت أنصار الديمقراطية من الصمود واحراز انتصارات من وقت لآخر. هذه القوة كانت مزيجا من الثروة (حيث شكل ملاك الأراضي عصب الوفد) والقدرة على التحكم في سلوك مجموعات جماهيرية كبيرة (بسبب زعامة سعد زغلول واشتدادا المشاعر الوطنية والتنظيم التعبوي المحكم الذي أنشأه مساعدوه). لكن يبدو أن الأولى قضت على الثانية: سيطرت المصالح الطبقية على اختيارات حزب الوفد ووجدت المجموعات الجماهيرية المؤيدة أن حياتها لم تتغير بوصوله للحكم أو بتحقيق “الاستقلال”. وهكذا تدريجيا فقد الوفد مصادر قوته المستقلة ولم يتبق منها سوى هيكلها الخارجي الممثل في التصويت في الانتخابات، فلما قامت “الحركة المباركة” بالاستيلاء على السلطة وخرقت تعهداتها بالعودة للثكنات وإعادة الحياة الديمقراطية لم يجد الوفد من مصادر القوة ما يستند اليه، فضاع في هدوء.

ومن ساعتها ونحن في هذا الوضع. عاد الحاكم ليكون المانح والمانع في كل شيء: في الاقتصاد وفي السياسة وفي الثقافة والدين، بل حتى في تحديد بداية ونهاية شهر رمضان وحضور الجماهير مباريات الكرة ومواعيد اغلاق المحلات ومناهج التعليم وأسعار الخضروات. إن أراد فعل وإن لم يرد فلا راد له. قد يخطئ ويصحح أخطاؤه، أو يتركها تتحول لكوارث. ليس هناك قوة مستقلة ترغم الحاكم على تغيير مساره أو التشارك في السلطة مع غيره. حتى الإخوان المسلمين الذين بنوا تنظيما شعبيا متماسكا نجح في انتزاع تنازلات من الحكام في أوقات كثيرة، افتقروا لمصدر قوة مستقل يكفي لحمايتهم حين قرر الحاكم الانقضاض عليهم. هناك دائما اعتبارات، داخلية وخارجية، يحسن مراعاتها إذا أراد الديكتاتور الحاكم استقرار حكمه وتفادي وجع الدماغ، مثل مقالات المعارضين، الادانات الدولية، همهمات الناس في الشوارع أو مظاهراتهم وإضراباتهم أو حتى الانتفاضات الشعبية. الأمر كله يرجع لاختيارات الحاكم: يمكنه فتح المجال للتنفيس أو اغلاقه والكبس على أنفاسهم. وفي الحالتين تحت يده اعلام رسمي وأجهزة أمنية يقظة تتعامل مع الحد الأدنى لوجع الدماغ، وجيش قادر على التعامل مع الحد الأقصى له.

الشعب المصري يريد الحكم الرشيد، لكنه غير قادر – حتى الآن – على إجبار حكامه على احترام قواعده

 

** نقلا عن صفحة الكاتب