الشبكة العربية

الجمعة 24 مايو 2019م - 19 رمضان 1440 هـ
الشبكة العربية

لا بديل له...!!؟؟

منذ أن أُرسل السيسي إلى أهل مصر ليخلصهم وينجيهم من نير حكم "الإخوان المسلمين" وهو يتلفت يمنة ويسرة باحثا عمن يمكن أن يكون قائدا ورئيسا لهذا الوطن. فالرجل كما تعلمون جميعا زاهد في مسألة الحكم غير راغب في الرئاسة، تفرس في وجوه مئة مليون مصري لعله يجد ضالته، ولكن بكل أسف خذله الشعب وخذلته أرحام النساء فعقمت أن تنجب من يصلح لهذه المسئولية. فاضطر مرغما مجبرا على أن يقبل هذا المهمة ويتصدى لها، بعد أن ناداه الشعب وألح في النداء، وما كان لرجل ذي خلفية عسكرية أن يتخلف عن نداء الشعب وتوسلاته.
ولكن ليس معنى أن يقبل السيسي برئاسة مصر مشكورا، أنه قد تخلى عن مبادئه الزاهدة في الحكم، والتي أقسم مرارا وتكرارا عليها. فقد عمد منذ اليوم الأول إلى البحث الجاد عمن يخلفه. فالمؤسسة العسكرية التي هي المعين الذي لا ينضب عن إمداد مصر برجال الدولة والرؤساء، لم يترك السيسي فيها قائدا إلا وقد أطاح به، حتى ذاك الذي ظن أنه محصن دستوريا...!! وذلك الذي ربطته بالسيسي علاقة نسب، وأعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ورؤساء الأركان وقادة الأفرع والجيوش، حتى القادة الذين خرجوا من الخدمة وحاولوا الظهور في الصورة ومنافسة السيسي، فضل السيسي لهم الراحة بعد طول عناء في الخدمة فوفر لهم إقامة تليق بمقامهم في السجون، وصدق من قال أن السيسي إن لم يجد من يطيح به فلربما أطاح بنفسه...!!
أما عن الساحة السياسية فحدث ولا حرج، فوفقا لنظم الدول العصرية الحديثة تعد هذه هي الحاضنة الطبيعية للقادة والرؤساء، ولذا فقد عنى بها السيسي عناية فائقة. فمن الأحزاب السياسية ما أصابه الحل ومنها ما أصابه التهديد فأحاله إلى التجميد، وهؤلاء للحق خرجوا من الساحة بكرامتهم كما يقال. أما من كتب عليهم البقاء فقد أكرمتهم غاية الكرم إن وصفتهم بالأحزاب الكرتونية، فهم دون ذلك بمراحل. ولا مبالغة على الإطلاق إن قلت أن الغالبية العظمى من شعب مصر لا تعرف اسما لحزب أو رئيس حزب لتلك المراكيب السياسية المسماة ظلما وزورا بالأحزاب.
أما عن البرلمان المصري، الذي هو من أقدم برلمانات العالم والمنطقة، والذي شهدت قاعاته على مر تاريخه أعظم الشخصيات السياسية المصرية، فلا شك وأنه يبكي الآن بكاء مريرا على مستوى الشخصيات التي ترتاده وتلعب فيه دور نواب الشعب، وطامته الكبرى ولا شك هي في من يتقمص دور رئيس البرلمان، والذي يشهد الجميع على مدى هزلية "شخصيته" في هذه الرواية الكئيبة، أما عندما يتكلم فلا شك أن الجميع يصم آذانه حتى لا يصيبه الغثاء على وقع لغة عربية لا تليق بطالب ابتدائي فاشل.
فإذا ما انتقلنا إلى السلطة التنفيذية التي يديرها السيسي، فقد اختارهم السيسي بطريقة أكثر من رائعة بحيث لا يسببون أدنى مشكلة ولا يشعر بهم أحد من الأساس، فهم لا لون لهم ولا رائحة ولا مذاق. وقد حرص السيسي على أن يجعل فوق كل مسئول "رتبة" تقيه الخطأ والزلل... والعمل! ولا يخلو مشهد من مشاهد افتتاح مشروعات وإنجازات حكومات السيسي من حضور طاغي لرتب القوات المسلحة وحضور خجول للوزراء والمسئولين المدنيين. ويتعمد السيسي إبراز كفاءة حكوماته من خلال أن يجعل الشرح والبيان دائما للسادة الضباط، وحتى عندما يمنح مسئول مدني الكلمة يأمر السيسي ضابطا من الجيش بتصحيح معلوماته...!!
أما على الصعيد الدولي، يصر السيسي على تقديم الكفاءات المصرية المتعددة أمام العالم أجمع ليعلموا مدى ثراء مصر من حيث الكفاءات والقدرات البشرية. فما من زيارة لدولة ما إلا ويكون السيسي على رأس الوفد الزائر، وكذلك اجتماعات الهيئات العالمية كالأمم المتحدة وغيرها وذلك بغض النظر عن طبيعة الاجتماعات وتخصصها. وللسيسي أيضا عادة شبه شهرية بإقامة مؤتمر أو أكثر في شرم الشيخ يكون هو المتحدث الأول فيه أيا ما كان موضوع المؤتمر. وعندما لاحظ السيسي أن رسالته قد لا تفهم من بلدان العالم، أعلنها صريحة لا لبس فيها ولا غموض، "والله العظيم... اللي هايقرب منها هامسحه من على وش الأرض..!!".
وبالرغم من تعدد وتنوع رسائل السيسي داخليا وخارجيا والمعبرة عن بحثه الدؤوب عمن يصلح لقيادة ورئاسة مصر، إلا أنه فضل الدعوة المباشرة والصريحة للمنصب وأمام أعين الجميع، فقال: "أنا مش هاسمح لحد يقرب من الكرسي ده..!!". وغالب الأمر أن هذه الرسالة وصلت لكل من تسول له نفسه برفع شعرة من رأسه متطلعا للمنصب، فاختفوا جميعا وآثروا السلامة غير نفر قليل يبدو أنهم يفضلون الرسائل العملية عن الشفوية. وهؤلاء أقام لهم السيسي حفلات خاصة للترحيب بهم على مداخل السجون، وعلى رأسهم بالطبع سامي عنان .. بينما أفلت شفيق بحفلة تحديد إقامة لأن الرسالة وصلته وإن كانت متأخرة بعض الشيء.
هذه الجهود المضنية التي يقوم بها السيسي من أجل إيجاد البديل المناسب له في حكم وقيادة مصر وخاصة مع دخوله العام الثاني من ولايته الثانية والأخيرة بحسب النص الدستوري "الرخم" لا تبدو أنها أقنعت على الأقل دول العالم الغربي. ولكن منذ متى وكان للإقناع طريق واحد، وحسنا فعل السيسي بأن عامل كل دولة بالوسيلة "اللائقة" التي تناسبها وتقنعها. فعلاقات غير محدودة وتطبيع غير مسبوق مع "الكيان الصهيوني" وتنسيق عالي المستوى كما قال بنفسه ، وهي وسيلة بإمكانها إقناع عدد غير قليل من الدول الغربية، بل والعربية أيضا...!! بالإضافة إلى وسائل أخرى مثل التنازل عن أجزاء من أرض مصر وصفقات سلاح بالمليارات وتحميل الدولة ديون بفوائد لا حصر لها، وتطبيق سياسات البنك الدولي بغض النظر عن آثارها الكارثية على الشعب المصري المطحون من قبل أن يجد من يحنو عليه ومن بعد!.
وعلى ذكر شعب مصر المغلوب دائما على أمره، فقد اعتاد على أن يقف متفرجا وأموره تؤول من يد إلى يد دون أن يكون له دور في اختيار حاكمه. وكما تعلمون أنه في المرة الوحيدة التي أتيحت فيها الفرصة لهذا الشعب لاختيار حاكمه، أخبرنا السيسي بأن الشعب لم يحسن الاختيار واختار مرشح الإخوان المسلمين الذي أخذ معه السلم لفوق، وإلى الآن يحاول السيسي أن يستعيد السلم مرة أخرى حتى يتمكن الشعب من ممارسة حقه، ولكن هيهات يا حضرات، فقد اختفى السلم تماما، فماذا عساه السيسي أن يفعل لكم...!!
"لا بديل له.." هو الشعار الأزلي والقديم على مدار التاريخ لكل حاكم وطني مخلص كالسيسي حاول جاهدا أن يبتعد عن دائرة الحكم وأن يجد بديلا يحمل عنه هذا العناء ولكن بكل أسف كانت النتيجة دائما أنه "لا بديل له..". تبقى عقبة بسيطة وهي ذلك النص "الرخم" في الدستور المصري الذي يقضي بأن الرئاسة فترتان فقط لا ثالث لهما. ولكن كما تعلمون يا سادة يا كرام أن الدستور هو نص بشري وليس مقدسا بأية حال، ولذا ننتظر إبداعات "اسطوات" و"ترزجية" الدساتير وكيف سيتمكنون بخفة ورشاقة من إزالة هذا النص وربما إزالة الدستور بما حوى ليستريح الجميع.
وختاما، على الشعب المصري أن يعي أن السيسي غير مخلد (آه والله)، وأن على هذا الشعب ألا ينتظر من يعيد له السلم مرة أخرى، ولكن عليه أن يبحث عن السلم ويستعيده بنفسه مهما احتاج من جهد ونضال ، حينها فقط سنخرج من نبوءة حازم أبو إسماعيل "سنصبح أضحوكة العالم"، ونعود إلى مقولة "الشعب المصري ألهمنا".