الشبكة العربية

الأربعاء 08 أبريل 2020م - 15 شعبان 1441 هـ
الشبكة العربية

كيف يخرج الإسلاميون من أسر التاريخ إلى سعة الواقع ؟! (2/2)


المسألة الثانية ، التي تحتاج إلى مراجعة جادة وشجاعة من التيار الإسلامي ، إذا أراد أن يخرج من شرنقة التاريخ وهامش الواقع ، هي موقف الإسلاميين من "الآخر" ، سواء كان هذا الآخر قيميا أو دينيا أو فكريا أو سياسيا ، وهل الاختيار هنا هو سحق الآخر أو تهميشه أم استيعابه ، والتعايش معه ومنح المجتمع الفرصة والحق في قبوله أو رفضه ، وفي هذا المجال فضاء فسيح من القضايا والمشكلات المتصلة بالفن والأدب وحرية الفكر والتعبير والأزياء والسلوك الإنساني العام للفرد ، وهي من أكثر الأمور تشويها للإسلاميين واستثارة لهم ، وأيضا استثارة للآخرين ضدهم ، الأمر مرتبك جدا عند الإسلاميين ، ربما كانت لحظة ثورة يناير وميدان التحرير حالة استثنائية في القبول والتعايش المطلق ، لكنها سرعان ما تلاشت وتخندق كل فريق في خندقه الفكري أو الطائفي أو الأخلاقي ، وتأسست مرحلة التمزق .

وهناك ـ قطعا ـ في تلك الأمور قضايا يصعب على الإسلاميين قبولها دينيا ، وهنا الأمر ينبغي أن يتحول إلى "الواقعية" المجتمعية ، وتقدير المصالح والمفاسد ، والمكاسب والخسائر ، خاصة وأن كثيرا من تلك القضايا متصل بجذر الحرية التي يضار بسببه الإسلاميون أكثر من غيرهم ، ويصعب أن تطالب بها في مواطن تخصك وأنت تحاربها وترفضها في مواقف أخرى تخص غيرك .
يحتاج الإسلاميون إلى بلورة رؤية للموقف في تلك التباينات المجتمعية ، لأنها ألغام حقيقية ، تتفجر كل حين في وجه مسيرتهم ، وهناك نظم سياسية تحترف تفجيرها واللعب بها على فترات ، سواء لاسترضاء الإسلاميين مرة أو استرضاء اللادينيين مرات ، حسب الهوى السياسي للسلطة والمكاسب التي ترى أنها تحققها بغض النظر عن قناعتها أو ولائها الأخلاقي والحقيقي للموقف الذي تنحاز إليه السلطة .

المسألة الثالثة المهمة ، هي موقف التيار الإسلامي من الغرب ، ومن الحضارة الغربية ، ومن دولها ، وهو موقف تأسس على هجمات فكرية مبكرة ولدت مع فترة الاستعمار الأجنبي لمعظم بلدان العالم الإسلامي ، وكان له مبرر أخلاقي وإنساني ووطني أيضا ، لكن عندما انتهت حقبة الاستعمار ، وولدت مرحلة الدولة الوطنية ، لم تنته فكرة الغرب العدو ، والغرب المتربص ، والغرب "الكافر" ، بل الغريب أن النظم السياسية المستبدة ، والنظم العسكرية بشكل خاص ، وهي التي كانت تستعين بالغرب لتثبيت حكمها ، كانت مهتمة بتسويق هذا الخطاب المعادي للغرب ، واستمرار الخطاب عن الاستعمار ومن وراء الاستعمار ، وذلك أن القطيعة التي حدثت بين التيار الإسلامي وبين المرحلة التاريخية الجديدة التي تعيشها البشرية ، سمح للنظم السياسية المستبدة المتوالية بأن تشوه صورة الإسلاميين عند الغرب ، كما رسخت الكراهية والتطرف الديني الداخلي تجاه الغرب من جانب آخر ، وظلت هذه الجدلية مستمرة حتى يومنا هذا ، ويسهل جدا أن تقنع دولة غربية أو حزبا أو مفكرا بأن التيار الإسلامي في بلد ما شر وخطر وحاضن للإرهاب لمجرد أن تربطه بظواهر شاذة ومتطرفة في ذلك البلد ، مثل تنظيم القاعدة أو داعش ، اللذين شوها الإسلام بما لم يشوهه أحد في تاريخه الحديث .

والمثير للدهشة أن بعض أكثر الإسلاميين تشددا في كراهية الغرب والحديث عن تآمر الغرب على الإسلام ، كان يلجأ إلى هذا الغرب هربا من الاستبداد في بلده ، أو بحثا عن الأمان ، أو بحثا عن الرزق أو بحثا عن مستقبل أفضل لأولاده ، بينما خطابه الفكري ما زال مثقلا بخبرات ورثتها له كتب ومنشورات من مثل "قادة الغرب يقولون دمروا الإسلام أبيدوا أهله" ، وهي الكتب والمنشورات التي ساهمت بقوة في تشويه وعي الإسلاميين بالعالم الحديث وتياراته ودوله ومؤسساته ومجتمعه المدني القوي .
والمشكلة أن هذا الوعي الكاره للغرب إجمالا ، والمتوجس منه ، والمشيطن له ، والذي يتخده عدوا ولو على مستوى الفكر والنظر ، يشارك كثير من فصائله أو جماعاته أو أحزابه في العمل السياسي ، ويفترض أنهم يمتلكون الحق ـ ديمقراطية ـ في الوصول إلى قيادة الدولة أو المشاركة في قيادتها ، وهذا مخيف جدا لكثير من الدوائر الغربية ، التي يقلقها أن يصل إلى السلطة نماذج تكن لها هذا العداء المرير ، وتتربص بها ، وتتمنى لها الشر وتحرض عليها وعلى مجتمعاتها ، وكل ذلك يترجم في المحصلة النهائية إلى خسارات سياسية فادحة للتيار الإسلامي ، وانحياز تلقائي من قبل دوائر غربية لخصوم الإسلاميين ، حتى ولو كانوا نظما مستبدة أو عسكرية ، فهم يعتبرونها أخف خطرا من الإسلاميين ، وشرا أهون من شر .
وهنا العواقب لا تتعلق بالإسلاميين وحدهم ، لأن انحياز دوائر غربية للنظم المستبدة يضر بمسيرة التطور السياسي للشعوب وبحثها عن الحرية والعدالة والكرامة ، وكل التيارات الوطنية ، مدنية ودينية وغيرها ، تخسر ، وتتعثر خطواتها لغياب الحماس الغربي للديمقراطية في العالم الإسلامي خشية أن تأتي بالإسلاميين الذين يكنون العداء التاريخي والديني للغرب .

المسألة الرابعة ، والأكثر أهمية وحساسية ، هي أهمية ظهور مراجعات شجاعة وجادة لفكرة "الجماعات" الإسلامية ، التي انتشرت بطول العالم الإسلامي وعرضه ، وكلها مستخلصة من القالب الذي صبه الشيخ حسن البنا رحمه الله عندما أسس جماعة الإخوان قبل حوالي تسعين عاما ، ففكرة الجماعة الإسلامية الشاملة ، كبديل للدولة ، بأميرها وقيادتها ومؤسساتها وأهدافها الاستراتيجية والتكتيكية ورؤيتها للدولة الوطنية وللعالم الخارجي ، ربما كان لها بعض ما يسوغها في حقبة الاحتلال ، أو في أعقاب الغياب المفاجئ للخلافة وارتباك العقل الإسلامي ، أما الآن ، فقد ثبت بوجه القطع أنها عبء على المجتمعات ، وعبء على الإسلام نفسه ، وثقب أسود يبتلع طاقات ملايين الشباب المتدين على مدار عشرات السنين ، لينتهي في فراغ أو كمن يصب الماء في رمال الصحراء .
فكرة "الجماعة" بصيغتها التي يعيشها الإسلاميون حتى الآن ، لا تتوافق نهائيا مع أي منظومة سياسية حديثة ، ولا مع فكرة الدولة الوطنية أساسا ، التي يحكمها الدستور والقانون ، وصحيح أن الممارسات الاستبدادية تستبيح الدستور والقانون في كثير من البلدان ولا تحترمهما ، لكن هذا لا يعني أن يتأسس مشروعنا أيضا على تلك الاستباحة ، وإنما على إزالة الاستبداد واحترام الدستور ، فكرة الجماعة خارج إطار الدستور والنظام السياسي الحديث ، الذي لا يعترف إلا بالتخصص وتحديد نطاق النشاط في إطار الدولة ومؤسساتها ، وليس خارجها ، سواء بإنشاء حزب سياسي ، أو منظمة حقوقية ، أو جمعية دينية تربوية ، أو هيثة ثقافية ، أو غير ذلك ، ولا توجد في عالم اليوم ، في الشرق أو الغرب سواء ، دولة تقبل بوجود فكرة الجماعة بتلك الصيغة التي يعمل بها الإسلاميون اليوم ، سواء كانت دولة ديمقراطية أو دولة عسكرية أو استبدادية ، ووجود الجماعات بتلك الصيغة يمثل أحد أهم أسباب عدم استقرار الدول ، كما يمثل الذريعة الدائمة لدى النظم القمعية لإهدار حقوق الإنسان واستباحة القانون والعدالة وإهدار أبسط مقومات الحريات العامة فضلا عن حياة سياسية راشدة وديمقراطية ، والشماعة دائما هي "الجماعات الدينية" ، خاصة وأنها ـ بالفعل ـ جماعات مؤثرة وقادرة على الحشد السريع والنمو السريع أيضا .

ولصيق بتلك المسألة ، استسهال التيار الإسلامي فكرة العمل السري ، أو العمل تحت الأرض ، وهو أمر لم تعد أي دولة تقبله ، مهما كانت ديمقراطيتها ، فضلا عن أن فكرة تحت الأرض أو السرية لم يعد لها مردود عملي في الآونة الأخيرة والمستقبل ، نظرا للتطور التقني الكبير الذي جعل الإنسانية في العراء ، واستحالة فكرة السرية أو عبثيتها واقعيا ، هذا فضلا عن ضرر العمل السري على شفافية الحركات الاجتماعية بشكل عام ، وصحة مسارها وسهولة اختراقها ، وقدرتها على التطور الفكري أو الإنساني أو الأخلاقي أو قدرتها على المشاركة في نهضة الأمة أو الاشتباك مع قضاياها الحياتية .
وشخصيا ، أعتقد أن التيار الإسلامي لو أنه اشتبك مع المجتمع والمؤسسات بشكل مباشر ، ودخل في نسيج مؤسسات الدولية بشفافية ، وعمل أبناؤه من خلال أحزاب وجمعيات ومنظمات وهيئات مدنية ، لكان قد أثمر كثيرا أفضل بمراحل من الجهد المهدر الذي ذهب عبر عشرات السنين في السجون والمعتقلات .

هذه خواطر عابرة ، من واقع خبرة حياتية ، ومن واقع القرب من التيار الإسلامي عبر مراحل مختلفة ، ومن واقع الإدراك الحقيقي ، وغير المبالغ فيه ولا المجامل له ، بأن هذا التيار يمتلك على المستوى الفردي أروع النماذج الإنسانية التي يمكن أن يبنى عليها عمل إنساني مخلص وجاد وطويل النفس ونافع لأمته ومجتمعه ودولته .
 

إقرأ ايضا