الشبكة العربية

الثلاثاء 18 فبراير 2020م - 24 جمادى الثانية 1441 هـ
الشبكة العربية

كيف يخرج الإسلاميون من أسر التاريخ إلى سعة الواقع ؟! (1/2)


يمثل التيار الإسلامي في العالم العربي والعالم الإسلامي أيضا ، القوة الشعبية الأولى والأكثر انتشارا ، والأكثر تأثيرا في الشارع ، وذلك لاعتبارات تتصل بارتباط الشعوب بجذر هويتها الإسلامية ، ديانة وحضارة وتاريخا ، وأيضا بفعل توالي الهموم الكبرى على الأمة مع عجزها عن مواجهة تلك الهموم ، ومن أبرزها قضية فلسطين واغتصاب القدس مما يجعل الناس تستلهم أمجاد تاريخها وحضارتها القوية ومعالم شخصيتها لتعويض هذا الفراغ ، وأيضا المعاناة التي عاشتها الشعوب الإسلامية ، باستثناءات قليلة ، من هيمنة الديكتاتوريات العسكرية على السلطة بدعم غربي عادة ، وما يعقب ذلك من استباحة لكرامة الشعوب وهويتها وحريتها على حد سواء ، مع عجز القوى السياسية المدنية عن مجابهة هذا كله ، فيكون "البديل" الإسلامي هو الأمل للناس .
وعلى الرغم من تلك الشعبية الجارفة ، وقوة الحضور في الشارع ، إلا أن التيار الإسلامي أقل التيارات تأثيرا في توجيه المسار التاريخي للدولة العربية طوال تاريخها الحديث ، وفي مختلف التجارب والأدوار والمناطق الجغرافية ، وظل دائما على هامش الدولة ، وهامش السياسة وهامش كل شيء ، باستثناء بعض النفوذ في المساجد والجميعات ذات الاهتمام الديني البحت .
وأكثر من ذلك ، أن كثيرا من نماذج التيار الإسلامي كانت حجر عثرة يحول دون تطوير الحياة السياسية لشعوبهم ، أو العمل على تراكم الخبرة السياسية للشعوب من أجل انتزاع كرامتها وحرياتها من قبضة سلطات غاشمة عادة ومستبدة ، يحدث هذا على الرغم من أن الإسلاميين كانوا أكثر من يتضرر من تمدد الاستبداد واستمراره ، وأكثر من خسر بغياب الديمقراطية والعدالة والحريات العامة في الدولة ، وأكثر من يدفع ضريبة الدم والعذاب والعمر الضائع في أقبية السجون .
يميل أبناء التيار الإسلامي ومفكروه عادة إلى تحميل "الآخرين" مسئولية مآسيهم وعذاباتهم وتهميشهم ، وجزء من ذلك صحيح قطعا ، سواء كان الآخرون النظم الحاكمة التي تقلق من قوة الإسلاميين وقدرتهم على التأثير في الشارع ، أو كان من القوى المدنية الأخرى التي ترى في الإسلاميين خطرا على نفوذهم أو خطرا على الديمقراطية بشكل عام .
غير أن ذلك لا ينفي حقيقة أن محنة الإسلاميين هم سببها الأساس ، وأن الخروج من تلك المحنة الممتدة عبر قرن من الزمان تقريبا ، لن يكون إلا عبر إصلاحات من داخلهم ، ومراجعات جادة وشجاعة ، تضع يدها على مواطن الضعف الذاتي ، والأخطاء الداخلية ، والخلل الفكري ، لكي يتمكن جيل جديد فيهم من أن يبنى مسارات مختلفة وقادرة على إنهاء حقبة التهميش أو الشيطنة ، وتكون أكثر فاعلية في تطوير مجتمعاتها وتقريبها من المنظومة السياسية الحديثة والعادلة لإدارة الدولة وسياسة الشعب بمنطق العدالة والحرية والكرامة الإنسانية .
وهذا المقال يأتي كمساهمة متواضعة في هذا السياق ، ويرجو صاحبه أن يتعامل معه قارئه على أساس تلك الخلفية ، فهو مقال يعبر عن خبرات صاحبه وتأملاته ووجهة نظره ، ولا يعبر أبدا عن أي حزب أو جماعة أو أي كيان ، أيا كان ، ولا يعنيه إدانة هذا الفريق أو ذاك الحزب ، فقط يعنيه تأسيس خطوط عريضة لمفتتح مراجعات إسلامية جادة .
أول مشكلات التيار الإسلامي ، هي الفراغات الكبيرة في التراث السياسي ، وغياب القدرة على صياغة نظرية إسلامية مقنعة وعملية تحتوى الخبرات الإنسانية الجديدة في تأسيس الدولة وضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم ، فضلا عن تصور دولة المؤسسات وليست دولة ولي الأمر .
في الذاكرة الإسلامية صورة نموذج الخلافة الراشدة ، وبعض أدوار التاريخ الإسلامي ، وهي بلا شك نماذج إنسانية مبهرة للغاية ، غير أن المشكلة أنها تجارب إنسانية بنت مجتمعاتها وبنت الخبرات الإنسانية التي كانت متوفرة في زمانهم ، وقد ثبت أن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم لم يكونوا يألون جهدا في الاستفادة بأي خبرات إنسانية من أمم أخرى لم يعرفها العرب ، خاصة الامبراطوريات التي كانت متفوقة ، مثل الفرس والرومان ، مثل تدوين الدواوين بما يناسب امبراطورية ضخمة وليس مجرد إمارة صغيرة في المدينة أو الحجاز .
كما أن الخيال الإسلامي التراثي كان مبنيا على فرضية وجود الخليفة ، وكل المنظومة السياسية للدولة تنبثق من عنده وتتنهي إليه ، وبالتالي لما غاب الخليفة والخلافة انقطعت الرؤية واحتار الناس في كيف تكون الدولة وكيف تكون العلاقة بين الحاكم والمحكوم ، وهناك جهود نادرة واستثنائية وغير كافية وقديمة ، مثل بعض ما أشار إليه إمام الحرمين الجويني في كتابه المهم "غياث الأمم" .
التيار الإسلامي في حاجة ماسة لحسم تلك المسألة في رؤيته السياسية والدينية أيضا ، وموقفه من الديمقراطية كخبرة إنسانية جديدة ضروري ، فبعض الإسلاميين يشارك في الممارسات الديمقراطية ويلعنها ، وبعضهم يعمل على وفق قوانينها ومقتضياتها وهو يهاجمها فكريا ، هذه ازدواجية مخيفة وتقلق أي قوة سياسية أخرى ولا تبعث على الطمأنينة لأي شراكة سياسية أو حتى تنوير المجتمع نفسه بحقوقه .
فكرة دولة المؤسسات كبديل حديث وعصري لفكرة ولي الأمر ، مهم أن تراجع ، وفكرة الفصل بين السلطات ـ التنفيذية والتشريعية والقضائية ـ جزء مهم من ذلك ، وهناك من الإسلاميين من لم يستوعب أن يحاكم مجلس النواب الأمريكي ـ على سبيل المثال ـ رئيس الجمهورية ، لأن هذا القطاع يعتبر رئيس الجمهورية هو ولي الأمر الشرعي الواجب الطاعة ولا يجوز الخروج عليه أو العمل على عزله وإسقاطه .
أيضا فكرة المعارضة السياسية ، هل تمثل خروجا على ولي الأمر ؟ ، وشرعية الأحزاب والتعددية السياسية ، وهل الحاكم المتدين أو الملتزم دينيا لا يجوز معارضته والعمل على إسقاطه بالطرق التي يكفلها القانون أم لا ، لأن هذه إحدى الإشكاليات المخيفة التي ما زالت تقسم الأمة حتى الآن ، وتعطي الانطباع بأن الإسلاميين يؤمنون بالديمقراطية إذا كانت لصالحهم وصالح رموزهم فقط .
أعود للتذكير ، بأني هنا لا أفرض رأيا ولا أقرر منهجا ، بقدر ما أطرح تساؤلات لاستدعاء أفكار جديدة واجتهادات تفكك أزمة خطاب سياسي عانت ـ وتعاني ـ منه الحركات الإسلامية على مدار قرن من الزمان تقريبا .
وللحديث بقية ...
 

إقرأ ايضا