الشبكة العربية

السبت 08 أغسطس 2020م - 18 ذو الحجة 1441 هـ
الشبكة العربية

كيف وضع عبدالناصر إسرائيل فوق رأس مصر ؟!

بعدما أقصي "جمال عبدالناصر" ؛ اللواء محمد نجيب عن السلطة نهائيا في يوم 14 نوفمبر " تشرين الثاني " 1954 ؛ فقد انفرد "عبد الناصر" ومعه مجموعة محدودة من ضباط الإنقلاب بقمة السلطة في مصر ؛ وبعد ذلك تدريجيا بدأ " عبدالناصر " في حل مجلس " قيادة الإنقلاب " وفي خلال عامين من العمل السري والمخابراتي الدؤوب ؛ وضع "جمال عبد الناصر" نفسه فوق الدولة المصرية وفوق الشعب منذ يونيو " حزيران " 1956 وحتي تكسرت هذه "المكانة الديكتاتورية" التى وضع نفسه فيها بعد عشر سنوات كاملة من استبداده بالسلطة في يونيو " حزيران " 1967 ؛ بوقوع الإنهيار التام في كيان الدولة الذي أحدثه وتحقق الهزيمة الكاسحة التي لم يستطع أبدا تجاوزها !! .
وبعد صدمة الانهيار فقد حاول "عبد الناصر" ؛ دون معالجة الهزيمة وأسبابها الحقيقية ؛ القفز علي الهزيمة فقط بإعادة رواية قصة الهزيمة وإعادة تصويرها : بحيث لا تنهار صورته هو ؛ التي صورتها أجهزة دعايته طوال العشر سنوات السابقة علي الهزيمة .
وهكذا تم صناعة رواية أخري عن الهزيمة تصور ما حدث علي أنه "نكسة" عابرة في مسيرة حافلة بالإنتصارات قادها عبد الناصر !! .
كانت "الرواية السلطوية " عن أحداث عام 1967التي أعدها "جمال عبدالناصر " بنفسه وعاونه في صياغتها مستشاره السياسي " محمد حسنين هيكل " ؛ كانت هذه الرواية تغطي علي "الرواية المحجوبة" بكل وقائعها الصحيحة ؛ بل كانت تتدخل لتشويه وتزييف أجزاء من الوقائع لتحافظ علي تماسك الرواية الدعائية التي تغطي علي إخفاق الرئيس في إدارة الأزمة في عام 1967 وتغطي كذلك علي القرارات السياسية التي ألجمت قادة الحرب ومخططوا هيئة العمليات المصرية وتغطي كذلك علي إدارة "عبد الناصر" الكاملة للحرب والعمليات العسكرية حتي قبول قرار وقف إطلاق النار ؛ المجحف لمصر في الساعة العاشرة من مساء يوم الخميس 8 يونيو " حزيران " 1967 ؛ لقد رويت هذه الوقائع من جانب آلة الدعاية الناصرية التي كان يمسك بها " عبد الناصر " بنفسه ويتحكم في كل ما يطلع عليه المصريين من تفاصيل الحدث المصيري الذي يجري علي الأرض ويرسم كل شيء بعده ؛ فقد كان ما حدث منذ مساء يوم السبت 13مايو " آيار " 67 محولا للأبد لمجري التاريخ وكان يستلزم ذلك من الحاكم الذي تمسك بالسلطة وحده ؛ قبل الهزيمة وبعدها : أن يتلاعب في وعي المصريين والعرب الموالين ؛ بصياغة نظامية تخفف من وقع المأساة عليهم ؛ وتصور لهم الأحداث علي غير حقيقتها تماما ؛ فقد كان الوعي بالحقائق نتيجته الحتمية ليس سقوط النظام الناصري الذي فعل كل هذه الهزائم ؛ بل كان الحتمي هو سحل من فعلوا بالشعب ذلك وأولهم "جمال عبدالناصر" ؛ البطل المكشوف ضعفه وقصور فكره وسوء تخطيطه ؛ بل واختراق الأعداء لكل نظامه وتحكمهم في إدارة هذا النظام من خلال شخوص النظام نفسه ؛ كما لو كان شخوص هذا النظام يمارسون " الخيانة العظمي " عن عمد ؛ وكان إلي جانب الإختراق السوفيتي الواضح لنظام عبد الناصر عن طريق رجل السوفيت في مصر " سامى شرف" مدير مكتب عبد الناصر للمعلومات والمشرف علي مخابرات رئاسة الجمهورية والمتدخل في كل أجهزة المخابرات والأمن الأخري ؛ كان إلي جانب الإختراق السوفيتي ؛ هناك أيضا الإختراق الإسرائيلي والإختراق الأمريكي ؛ وقد تمكن الإسرائيليون في الوصول إلي شخصيات سياسية وعسكرية هامة في قمة الدولة ؛ وقد فعلت هذه الشخصيات كل ما مكن إسرائيل من كسب الحرب ؟! .
كان علي " عبدالناصر " إنقاذ نفسه بالتلاعب بالوقائع وإعادة تقديمها علي النحو الذي يحقق نجاته الشخصية واستمراره في السلطة ؛ وهكذا كانت تغطية آلة
ندعاية الرئيس "جمال عبدالناصر" علي أكبر هزيمة في تاريخ المصريين علي مدار تاريخهم المدون ؛ وهي أيضا واحدة من هزائم الحروب التي غيرت مسار تدفق تاريخ البشرية .
وقد أفلت "جمال عبدالناصر" بما فعل ؛ فلم يحاكم عسكريا أو جنائيا أو سياسيا عما صنع ؛ وقد كان هذا واحدا من العجائب السياسية التي صنعتها القوي السياسية العالمية المتصارعة ؛ في ذلك الوقت ؛ فقد حافظت كل القوي التي صنعت من "جمال عبدالناصر" قائدا وشخصا ورئيسا مهزوما ؛ علي إستمراره في الحكم لفترة ما بعد الهزيمة الكبري في عام 1967 ؛ ومن بين هذه القوي التي صنعت هزيمة عبدالناصر ؛ وقد حرصت علي إستمراره في الحكم وعدم إسقاطه ؛ كانت "دولة إسرائيل" ؛ العدو الأول للدولة المصرية وللدول العربية ؛ وكان الأمر الواقع الذي تم الاستسلام له ؛ هو وجود "عبدالناصر المكسور " ؛ محجوزا بالمانع المائي في قناة السويس ومحصورا بخوف "عبدالناصر" نفسه من خوض حرب أخري مع إسرائيل ؛ واكتفائه بتسوية سلمية انتهت حياته عليها ؛ بديلا عن خيار الحرب التي لا يقدر لعوامل كثيرة علي خوضها .
لقد عكفت سنوات علي دراسة ؛ ورطة الحرب في يونيو " حزيران " والنتائج التي تحققت بعدها ؛ وكانت الحصيلة عدة درسات موثقة عن عام انهيار نظام عبد الناصر ؛ وإضعاف الدولة المصرية والحد الأقصي من سيطرة الدولة الإسرائيلية علي مجريات الأحداث في الشرق الأوسط .
ويبقي هنا أن أشير في هذه السطور حول عام 1967 وأحداثه ؛ إلي أن "عبدالناصر" لم يكن قد حقق الخسائر الفادحة فقط ؛ بل أنه بالمقامرة والرعونة والرعونة في المقامرة فقد عجل بنهاية أحداث التاريخ . وأنه قد اندفع في فعل ذلك ؛ بشكل لا يمكن تبريره أبدا ؛ فمثلا هو كان يتجنب إشارات التعقل والتحذير وكان يندفع بإصرار غريب علي السير في الطريق الخطأ ؛ بما يؤكد أن قواه العقلية في سنوات حكمه الأخيرة ؛ كان قد أصابها الضعف وأصابها شيء أقرب للجنون العقلي ؛ ربما بتداعيات آثار مرض السكر في أعصابة مع التوتر الشديد في معالجة الأزمات وحتي التافه من الأمور .
قبل أن يتلقي "جمال عبدالناصر " الضربة الساحقة والهزيمة الكبري في هذا العام ؛ فقد وقعت حوادث غريبة وسلوك مريب ؛ لن أستبق توصيفه بأكثر من" سلوك المقامرة " ؛ المتزامنة مع الضعف العقلي علي إدارة الأحداث ؛ ولكن يجب أيضا لفت الإنتباه إلي أن التشوش الذي أصاب "عبدالناصر " قد أصاب المحيطين به ؛ وكذلك فإن الجهل والتشوش والغرض الذي كان حاكما لسلوك مساعديه قد انتقل إليه فزاده تشوش علي تشوش ؛ وإلي الحد المهلك للدولة المصرية والذي لم يتم إصلاحه منذ حدث وحتي الآن ؛ لعظم التدمير الذي تم حينها ؛ والمؤكد أن استمرار "عبد الناصر" ومعه ثلاثة في قمة مراكز السلطة هم : الفريق أول " محمد فوزي " والسيد "سامي شرف " والصحفي محمد حسنين هيكل " كان ما فعله " عبدالناصر " ومعه هذا الثلاثي الغريب ؛ لم يحدث أن فعل مثله مجموعة حكم في أي بلد من البلدان ؛ فقد كانوا أقرب " لمجلس وطني للخيانة وصنع الهزائم والإستسلامات " .
لقد خادع هذا المجلس الأعلي للهزائم والنكسات ليس المصريين والعرب فقط ؛ بل تمادوا في المخادعة حتي أنفسهم والتآمر المستتر ضد بعضهم البعض ؛ وضد من يحاول كشف أمرهم من داخل النظام ؛ وهو ما دفع الكثيرون أرواحهم ثمنا له ؛ مثل الفريق عبد المنعم رياض ؛ الذي استشهد في حادث مدبر في 9 مارس " آزار" 1969 . ( اكتفي محمد حسنين هيكل ؛ في كتابه "الطريق إلي رمضان" الصادر في عام 1975 عن "دار النهار" بيروت ؛ بالتلميح للخلافات الحادة التي كانت موجودة بين "عبد المنعم رياض" ؛ وبين "جمال عبدالناصر ومجموعته ؛ وخاصة الفريق أول محمد فوزي القائد العام للقوات المسلحة المصرية ووزير الحربية : " بشأن طبيعة الحرب التي علي الجيش المصري أن يخوضها ضد إسرائيل من أجل تحرير سيناء والأراضي العربية المحتلة في حرب يونيو " حزيران " 1967 . )
وكانت طبيعة "جمال عبد الناصر " الشخصية الديكتاتورية ؛ هي من فاقم نتائج هذا الخليط السىء من الأشخاص والسياسات
فوسط هذا "المجلس الأعلي لصنع الهزائم والنكسات" ؛ كان الدور الذي مارسته بعض الشخصيات السياسية في مصر في هذه الفترة والتي تماهت في شخص " عبدالناصر" وفي وهم زعامته وريادته للقومية العربية وفي تعاطي وهم الدعاية الناصرية لبطل العرب ، وكان علي رأس "مجموعة الوهم " هذي التي تبث التغييب والتخدير ؛ إثنان بالتحديد هما : الرئيس "جمال عبدالناصر" نفسه ومستشاره الخاص " محمد حسنين هيكل " فقد كانا شركاء في التدبير الذي حدث لمصر ودورها في هذا العام ؛ وما ترتب عليه من مكانة وأدوار لمصر منذ ذلك التاريخ وحتي نهاية التاريخ ؛ ولم يعيشا الواقع الدولي ؛ ولا مدي الفخ الذي كان جاهزا لمصر ؛ لا لعبدالناصر .
فقد سبق عام 1967 أن تلقي " جمال عبد الناصر " مجموعة من رسل التحذير السرية والعلانية ، إلي أنه يدبر لمصر شيء كبير وخطير ولقد تجاهل "جمال عبدالناصر " هذه الرسائل التحذيرية والتي وصلته إحداها مثلا عن طريق " يوجين بلاك " رئيس البنك الدولي للإنشاء والتعمير ؛ ثم كانت رسالة التحذير الأوضح عن طريق الملك حسين ملك الأردن الراحل ؛ ورسائل التحذير التي أتت من المخابرات الإيطالية ؛ التي كانت علي صلة تعاون مخابراتي مع "صلاح نصر " والمخابرات العامة المصرية .
وحدثت الهزيمة الكبري ؛ التي غيرت تاريخ البشرية ؛ ليس في الشرق اﻷوسط فقط ؛ بل في العالم أجمع . وقد كان من حرص صناع الهزيمة علي مضاعفة أثر الهزيمة ونتائجها في مصير المصريين والعرب والمسلمين ؛ أن أستمر النظام الذي صنع الهزيمة في الحكم ؛ وأن تتولي آلة الدعاية الخاصة بهذا النظام ؛ رواية وقائع هذه الهزيمة وتبريرها . وقد قام بهذه المهمة ممثلا لكل نظام "جمال عبدالناصر " ومكلفا منه ومعبرا عنه "محمد حسنين هيكل " مسئول الدعاية في عهد جمال عبد الناصر وقناته السرية للإتصال مع المخابرات المركزية اﻷمريكية ؛ حتي رحيل عبدالناصر في 28 سبتمبر " أيلول " 1970 .
لقد كتب "هيكل " الرواية غير الصادقة والكاذبة عن وقائع الحياة السياسية في "عهد عبدالناصر" وقد بالغ "هيكل" في روايته الكاذبة وخصوصا ما جاء منها متعلقا بعام1967 ؛ عام الهزيمة ونهاية دولة عبدالناصر وبداية العهد الجديد من التاريخ .
حقا لقد كان عام 1967 هو عام نهاية حقبة من التاريخ المصري وبدء ما يمكن تسميته بـ " عهد بداية نهاية التاريخ " وكان ما حدث أيضا خطيرا ومنشئا لما بعده ؛ بما لا يمكن الرجوع عنه : ففي منتصف هذا العام " التحولي " الذي جرت فيه " وقائع الهزيمة الكبري" في حياة المصريين ؛ وتحقق أول إنتصار كبير لليهود عليهم منذ الخروج الهارب السارق المصاحب لنزوح " النبي موسي " عن اﻹقامة في مصر ؛ فقد حدث بهزيمة يونيو" حزيران " 1967 إنكسار اﻹقتران ما بين الديانة المصرية القديمة الموحدة ومابين الديانة اﻹسلامية ؛ أمام "الديانة اليهودية والمسيحية الصهيونية" ؛ وبدأ عهد من " اﻹسلام التابع " الذي تلجأ فيه دوله اﻹسلامية وحكام هذه الدول ؛ إلي الحماية المباشرة والمعلنة من الدول التي تمثل الفكر والشخصية " الصهيو مسيحية " . وأصبحت هذه الهزيمة السياسية والعسكرية التي جلبها "جمال عبدالناصر" هي المؤسسة لكل الوقائع واﻷحداث إلي ما نظن أنه نهاية الحياة البشرية والحضارية في العالم ؛ وانتصارا جديدا : في الجولة الحاسمة في "الحروب الصليبية الممتدة " عبر التاريخ .
لقد تغير العالم ما بعد هذا العام ؛ لم يعد كما كان ؛ لقد أصبح عالم ما بعد عام 1967 مختلفا تماما عما قبله ؛ وحتي عندما إستطاعت مصر في مشوارها الذي تلي هذا العام إسترداد بعض اﻷرض المفقودة ؛ فإنها كانت بذلك قد كرست ما حدث لا صوبته ؛ فقد تم تطويع مصر في المشروع " الصهيوني " الذي خطط له أن يسود في الشرق الأوسط .
علي مدار سنوات طويلة ؛ جدا تجمع لدي وثائق كشف الرواية الغير صادقة للرئيس "جمال عبد الناصر " ولرجل الدعاية واﻹرشاد القومي والعلاقات السرية مع اﻷمريكان " محمد حسنين هيكل " واللذين إنفردا سويا وبعيدا عن باق شخصيات ومؤسسات الدولة المصرية في هذه الفترة ؛ بصنع وتخطيط أخطر القرارات والسياسات التي نفذها الآخرون في الدولة وكأنها وحي وإلهام نزل علي الزعيم " الخالد " . ولقد نشرت بعض مما تجمع لدي من وثائق ومذكرات عن صنع القرارات السياسية ؛ في عهد الرئيس " جمال عبد الناصر " نشرت بعض من هذا ؛ في السنوات الماضية وفي حياة "هيكل" ولقد آن اﻵوان ؛ الآن ؛ لإستكمال الرواية اﻷخري المحجوبة عمدا !! .
 

إقرأ ايضا