الشبكة العربية

السبت 11 يوليه 2020م - 20 ذو القعدة 1441 هـ
الشبكة العربية

كيف نشأت الحركة الشيوعية في مصر ؟

كانت مصر خلال الفترة الممتدة بين بدايات القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين هي الملجأ الأنسب للهاربين من الأزمات والحروب والاضطهاد في بلدانهم الأصيلة لاسيما اليونانيين والطليان والأرمن والسلافيين والمالطيين، باختلاف انتماءاتهم الدينية والفكرية والسياسية التي شملت فيما شملته اليهودية والشيوعية مع وجود البعض ممن يحملون الانتمائين اليهودي والشيوعي جنباً إلى جنب، وسرعان ما حصل اللاجئون الأجانب على الجنسية المصرية أو حق الإقامة مع احتفاظهم بالروابط التي تجمعهم فيما بينهم وتبقيهم على صلة منتظمة بمجتمعاتهم الأصلية، الأمر الذي سمح باستمرار علاقات اليهود منهم مع الحركات اليهودية العالمية والشيوعيين منهم مع الحركات الشيوعية العالمية، حتى عندما نظم هؤلاء وأولئك أنفسهم في طوائف وخلايا وحلقات تتخذ مصر موقعاً مكانياً لها فقد ألحقوها بمكاتب الأنشطة الخارجية التابعة لحركات غير مصرية، وكانت الطبقة العاملة المصرية قد ظهرت عام 1840 عقب توقيع مصر على معاهدة "لندن" التي  سمحت بشراء قوة العمل العضلي والذهني من المصريين وغيرهم مقابل أجر محدد سلفاً، ضمن ما سمحت به المعاهدة من حقوق اقتصادية عديدة لصالح فئة الأجانب وكلاء الرأسمالية العالمية في مصر، ثم تبلورت الطبقة العاملة المصرية عام 1871 عقب إصدار قانون "المقابلة" المصري الذي سمح بالتنقل الجغرافي الحر للمصريين والأجانب الباحثين عن العمل العضلي والذهني المأجور لدى الغير، ضمن ما سمح به قانون "المقابلة" من حقوق اقتصادية عديدة لصالح فئة الرأسماليين المصريين المستقلين أسوة بالحقوق التي سبق أن منحتها معاهدة "لندن" إلى فئة الوكلاء الأجانب للرأسمالية العالمية، ورغم مرور حوالي قرنين على ذلك الظهور المتزامن للطبقة العاملة في مواجهة الرأسمالية بفئتيها الأجنبية التابعة والوطنية المستقلة مع التفاوت الصارخ الذي صاحبه، بين فريق رأسمالي محتكر للثروة والسلطة يشكل الأقلية النخبوية وفريق أجير محروم من أدنى حدود الثروة والسلطة يشكل الأغلبية الجماهيرية، فإن التناقض الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بين الفريقين لم يزل حتى اليوم متواصلاً في مصر على نفس النحو الذي كان قائماً منذ قرنين، حيث مازال الفريق النخبوي يسعى إلى الحفاظ على استقرار الأوضاع بهدف تكريس استبداده وفساده وتبعيته لمراكز الاستعمار العالمي لاسيما في ظل اعتلاء الرأسماليين التابعين للرأسماليين المستقلين داخل الفريق النخبوي، بينما مازال الفريق الجماهيري يتطلع نحو تغييرات جذرية تكفل تحقيق الحرية والتحرر الوطني والتنمية الاقتصادية المستقلة والعدالة الاجتماعية لصالح الأجراء الفقراء، الأمر الذي كان يفترض أن يترتب عليه حسب نظريات العلوم السلوكية فرزاً طبيعياً لصراع جذري محدد الملامح بين معسكر استقرار تقوده أحزاب وجمعيات رجال الأعمال ومعسكر تغيير تقوده الحركة الشيوعية، ولكن حسابات الواقع الميداني الفعلي قد اختلفت كثيراً جداً عن تلك الافتراضات النظرية حتى أصبحت تبدو كأنها مجرد خيال علمي!!.

حاول الشيوعيون المصريون تنظيم أنفسهم داخل خلايا وحلقات منذ منتصف القرن التاسع عشر، حيث اعتقلت أجهزة الأمن العثمانية عام 1865 "أحمد الطيب السلمي" من مدينة "الأقصر" بتهمة قيادة تمرد شيوعي ضد أولي الأمر المحليين حسبما ذكر الكاتب البريطاني الشهير "جون ستيوارت ميل" في أحد مقالاته المنشورة آنذاك، ثم ضبطت الأجهزة الأمنية العثمانية والبريطانية عام 1889 في مدينتي "الإسكندرية" و"القاهرة" منشوراً يدعو الشيوعيين المصريين إلى الاحتفال بالذكرى المئوية لكوميونة باريس من خلال استمرار نضالهم على نهج رفاقهم الفرنسيين السابقين، وفي عام 1915 أصدر "مصطفى المنصوري" كتابه الشهير "تاريخ المذاهب الاشتراكية "والذي دَوَّنَ فيه عدة أفكار شيوعية مصرية خالصة، مثل رفض التماثل الشيوعي الأممي بتأكيده على ضرورة اختلاف آراء الشيوعيين من بلد إلى آخر تبعاً لاختلاف الظروف المحلية والإقليمية المحيطة ببلدانهم، ورفض تقديس البيان الشيوعي الذي كان "كارل ماركس" و"فريدريك إنجلز" قد سبق أن أصدراه عام 1848 لتوجيه الشيوعيين حركياً على مستوى العالم كله، حيث وصفه "المنصوري" بأنه يتضمن أفكاراً عتيقة تجاوزها الزمن فأصبحت لا تواكب متطلبات العصر، مع رفضه للاتهامات الجزافية الموجهة إلى عموم الشيوعيين المصريين بقوله : "إننا لا نحارب الدين بل نحارب الذين يفسدون الدنيا باسم الدين"، ثم أصدر "نيقولا حداد" عام 1920 كتابه الشهير "الاشتراكية" الذي قال فيه : "إن رأس المال قد استعبد جسد العامل وعقل المفكر ليهضم الغلة الناتجة عن تعبهما فأصبح هناك فريق صغير من الناس يتمتع بثمرات أعمال السواد الأعظم من الناس الذين أصبحوا محرومين من ثمرات أعمالهم، لذلك لابد أن يتمهد السبيل للاشتراكية كضرورة مستقبلية تتملك فيها الأمم كل ثرواتها تحت إشراف الحكومات"، ورغم الضغط العثماني والبريطاني على مفتي الديار المصرية ليصدر في أغسطس عام 1919 فتوى لم تزل قائمة حتى اليوم بأن الشيوعيين ملاحدة كفار مع ما ترتب عليها من آثار عقب فتوى مماثلة لدار الإفتاء العثمانية، فقد أنشأ الشيوعيون المصريون عام 1921 أول أحزابهم السياسية وهو الحزب الاشتراكي بقيادة "سلامة موسى" و"محمَّد عبدالله عنان" و"علي العناني"، ليغير اسمه في العام التالي إلى الحزب الشيوعي تحت قيادة جديدة ضمت "محمود حسني العرابي" و"صفوان أبوالفتح" و"أنطون مارون" وبعضوية حوالي خمسة آلاف شيوعي مصري حسبما ذكرت الوثائق الأمنية، واستمر الوجود العلني للحزب الشيوعي على مختلف الأصعدة الفكرية والسياسية والحركية حتى عام 1924، عندما أصدرت المحكمة العسكرية قراراتها بحله وحظر كافة أنشطته ومصادرة كل مقراته وأملاكه وأمواله وحبس جميع قياداته وكوادره أو طردهم خارج البلاد بعد إسقاط الجنسية المصرية عنهم، ليدخل الشيوعيون المصريون مرحلة العمل السري التي استمرت عشرين عاماً قبل معاودتهم الظهور العلني مرة أخرى في منتصف أربعينيات القرن العشرين، من خلال ثلاثة تنظيمات هي تنظيم "طليعة العمال والفلاحين" بقيادة الرفيق "عباس" (أبوسيف يوسف) وتنظيم "الراية" بقيادة الرفيق "خالد" (فؤاد مرسي) وتنظيم "الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني" الشهير باسم "حدتو" تحت قيادة الرفيق "يونس" (هنري كورييل)، وهي التنظيمات الثلاثة التي تجاوزت حاجز العشرة آلاف عضو شيوعي مصري أثناء قيادتها للكفاح الوطني المسلح ضد الوجود الاستعماري البريطاني في مصر طوال الفترة الزمنية الممتدة بين عامي 1946 و1952، ثم اتحدت معاً يوم 8 يناير 1958 لتعلن عودة الحزب الشيوعي مجدداً بقيادة عدد من الرفاق المتعاقبين كان آخرهم الرفيق "طارق" (إسماعيل المهدوي)، حتى اضطر الحزب إلى حل نفسه عام 1965 تحت قهر الأحكام العسكرية ليدخل الشيوعيون المصريون مرة أخرى مرحلة عمل سري استمرت عشرة أعوام قبل أن تعاود امتدادات التنظيمات الثلاثة السابقة أنشطتها العلنية وشبه العلنية في منتصف سبعينيات القرن العشرين ولكن تحت أسماء جديدة، حيث أصبح "طليعة العمال والفلاحين" يحمل اسم "8 يناير" ويقوده "طاهر عبدالحكيم" أما "الراية" فأصبح اسمه "العمال" بقيادة "إبراهيم فتحي" في حين ظهرت ثلاثة امتدادات متداخلة لتنظيم "حدتو"، أحدها خارجي تمثله مجموعة "روما" لليهود الشيوعيين المصريين المقيمين بأوروبا والآخر داخلي شبه علني اسمه "الانتصار" والأخير داخلي علني اسمه "التجمع التقدمي" مع بروز اسم الرفيق "حسن" (رفعت السعيد البيومي) كمنسق يبن الامتدادات الثلاثة، وقد نجحت هذه التنظيمات معاً مرة أخرى في تجاوز حاجز العشرة آلاف عضو شيوعي مصري خلال قيادتها للكفاح الاجتماعي الذي بلغ ذروته بانتفاضة يناير عام 1977 ضد الاستبداد والفساد والتبعية لمراكز الاستعمار العالمي!!.

 

إقرأ ايضا