الشبكة العربية

الجمعة 29 مايو 2020م - 06 شوال 1441 هـ
الشبكة العربية

كورونا.. وأزمة الفروق بين العاقل والناقل

1 - فرق بين أن تنقل وبين أن تعقل.
من المعلوم لدى العلماء والعامة، والجامعيين والمجمعيين أنه لا تناقض أبدا بين النص الصريح والعقل الصحيح، إذ كيف يوجد التناقض بين عالمين كلاهما من صنع الله، الأول قوله، والثاني خلقه؟ 
غير أن تداعيات فايروس كرونا كشفت لنا فروقا هائلة لا بين النقل والعقل، وإنما بين الناقل والعاقل، وبخاصة في مسألة تعليق صلاة الجمعة والجماعات. وأظهرت لنا تلك التداعيات أن البعض مدفوع بحماس عاطفي - يؤجر عليه إن شاء الله-، وغيرة محمودة، استدعي في تأييد وجهة نظره نصوصا وضعها في غير موضعها، كما استدعي أحداثا قاس عليها تتشابه ربما في التصنيف وتشترك في مسمي “الوباء "، غير أنها تختلف في المساحة والحجم وقوة الانتشار والتأثير، والقدرة على التدمير.
• كان يمكن أن يدرج ذلك الاجتهاد المدفوع  بالحماس المحمود والعاطفة الممزوجة ب قواعد الأصول والفقه ،حتى ولو كان خاطئا تحت باب الخلاف الفقهي المعتبر، وينظر إليه كعنصر للثراء العقلي وحرية الاجتهاد بضوابطه ، ثم يعظم أثره كمردود يحسب بالإضافة للعقل الإسلامي العلمي ، وليس بالخصم طبعا ، غير أن بعض الناس ذهب بعيدا ، لدرجة تحريم التوقف عن الذهاب إلي المساجد باعتبار الدعوة إلى ذلك مؤامرة على دين الله ، ومن ثم يجب الاعتماد على الله كما كان يفعل السلف الصالح ،وأنهم في مثل هذا الطاعون لم يغلقوا مسجدا ولم يمنعوا مصليا عن الدخول فيه ، وبصرف النظر عن صحة أو خطأ هذا الاجتهاد الفقهي المشكور والمأجور إن شاء الله ، إلا أن آراء هذه النخبة من العلماء المحترمين وظفت - من قبل جهات أخرى أصغر في الحجم العلمي، ولا صلة لها بالدراسات الفقهية المعروفة - واستخدمت ضد من يتبنون الرأي الآخر - ممن قالوا بتعليق الجمعة والجماعات لبعض الوقت  واستعملت كأداة لاتهامهم - في دينهم وعقائدهم والمزايدة عليهم بأنهم "علماء السلطان" وأتباع الشيطان ، وأنهم باعوا دينهم وغيروا وبدلوا .
البعض أيضا من غير أهل الاختصاص وبدافع الحماس والعاطفة الجياشة أصر أن يدلي بدلوه هو الآخر فأضاف وبالغ في الاتهام والزجر والتخويف ووصف أصحاب الرأي الأخر بأنهم أظلم الناس فقد باعوا دينهم واستدل بقوله تعالى: 
" وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿البقرة: ١١٤﴾
ووصل الأمر به أنه تمنى ودعا على أصحاب الرأي الآخر بأن يصابوا بفيروس كرونا وأن يموتوا به وتمنى أيضا أن يمنعوا من دخول الجنة إن كانوا من أهلها ..... !!!!...هكذا 
• هذه الفوضى العبثية التي لا يحكمها عقل ولا قانون ولا منطق تكشف حجما خطيرا من الخلل - ليس في دين الله وحاشاه - وإنما في حياة طائفة من المتدينين بتدين منقوص خال من الوعي ومسكون دائما بهواجس التآمر ومدفوع بعاطفة لا تشكل حقا يضيء، وإنما تشكل حماسا يشتعل. 
• إشكالية هذا النوع من التدين أن أصحابه يمنحون أنفسهم - وبغير حق- حق الوصاية على دين الله، ومن ثم فهم لا يعرفون لأنفسهم حدودا في تناول العلماء ويطلقون ألسنتهم - حدادا - في سيرهم وتصنيفهم.
• يلحظ المتابع لهؤلاء أنهم كثيرا ما يتعمدون الخلط بين أمور العقائد وبين مناقشة قضية فقهية في ظرف طارئ يهدد الحياة والأحياء ك "فيروس كرونا"، فتسمع صراخ أحدهم يتعالى في فيديو منتشر بأن "الأمر ليس أمر مسجد تمنع فيه الصلوات، الأمر أمر عقيدة يتآمر عليها من يتصدرون المجالس ويقدمون الفتاوى .... هكذا .... سبحان الله. 
• ستظل إشكالية ضبط الفروق بين الناقل والعاقل تهدد وحدة المسلمين في رؤيتهم للقضايا المستجدة موضوع الاجتهاد ما دام باب الفقه مفتوحا لكل من يملك هاتفا تليفونيا يسجل فيه رأيه ووجهة نظره، ويتملق فيها عواطف العامة، ويدغدغ بها رغباتهم المألوفة ليحقق عن طريقها مساحة في التوزيع والانتشار، بينما آراء الراسخين في العلم محصورة ومحدودة بحدود طلابهم ومن يعرفونهم.
-2 البعد الغائب في أزمة التدين.  
في ظل وجود هذه الفئة التي لا تجيد غير الصراخ وهتاف الحناجر - وهي الأعلى صوتا والأكثر ضجيجا - يحرم عموم الناس من ثمرات النظر الفقهي الصحيح الصادر عن جهات الاختصاص المحترمة، كما تقع طائفة من الشباب ضحية هذا التدين الأجوف المجافي في أسلوبه لقواعد التربية والتزكية، والمنبت في أصله عن العلم والأدب معا.    
ذلك فضلا عن أصحاب هذا التوجه مغالون في الشكل ومولعون بقضايا الخلافات ويشكلون عقبة في سبيل وجود وحدانية لمصدر التلقي الصحيح الذي يتولد عنه وحدة في الرؤية والتصورات ولو لغالبية جموع الناس في التقدير الأعلى، وهذا الأمل يشكل أقوى مقوم من أهم مقومات الوحدة ، وهو أمل يمكن أن يتم ويتحقق إذا ارتبط الناس بالعلماء الربانيين وأخذوا عنهم ، وأزيلت حواجز الأمية الدينية، وامتنع هؤلاء الوسطاء أصحاب البازار الديني، غير أن جهات ومؤسسات وأنظمة سياسية تحرص على بقاء الوضع على ما هو عليه ، وتمنع تحقيق هذا الأمل وتحول دون السعي إليه، ولذلك تشجع هؤلاء الوسطاء وتحاول من خلالهم صناعة  "إسلام جديد" يتسع  ويضيق وفق رغبة السادة الكبار في التوظيف والاستخدام، إسلام هين لين لا ثوابت فيه ، يناسب كل دولة على حدة، ولأنهم يريدون للأمة الإسلامية تحديدا أن تكون بلا رأس ولا رمز ولا مرجعية، ويحرصون على أن تعيش كالقطيع الشارد بلا راع ولا مرعى، ليأتي من يجمعها متى شاء، ويفرقها متى شاء، ويحلبها كما شاء ويضربها كما شاء، ويذبح منها كما شاء. 
• حفظ النصوص وحده لا يكفي لصحة الحكم يا سادة، ونقل النص وحده بعيدا عن إدراك الواقع واستيعاب العقل لأبعاده المرئية والخفية، ومعرفة مآلات الأمور وتقدير المخاطر حيثيات لابد منها لصحة الحكم وسلامة الفتوى، وليس هناك حكم فقهي واحد لا يمر بالعقل، لأن العقل شريك للنص في معرفة الحقائق، ومن لا عقل له فلا تكليف عليه - يرحمكم الله - ومعنى أن تعقل، فأنت تعرف: 
· تعرف ما تحتاج إليه.
· وتعرف حجم احتياجك إلى المنقول. 
· وقيمة المصدر الذي نقلت عنه. 
· وتعرف درجته في صحة الرواية وسلامة التوثيق. 
· وتعرف قبوله ومناسبته للمنقول إليه. 
· وتعرف دلالته في مساندة الفكرة وتقوية الدليل.
· وتعرف ضوابط وشروط صحة القياس بين المقيس والمقيس عليه من كل وجه. 
· وتعرف أيضا أنك مسؤول مسؤولية علمية وأخلاقية عن هذا النقل وتنزيله على الواقعة المماثلة وما يترتب عليه من آثار وتداعيات في توضيح الحقيقة أو تشويهها. وفي هداية الناس أو في إضلالهم.
• وفي العادة فإن الناقل عاقل، والعاقل ناقل، وهذا هو الوضع الطبيعي.  
ومن ثم ف النقل هنا سعي سبقه علم وتقدم عليه وعي استوعب المطلوب، وخطط ورسم الطريق وحدد الغاية، فالناقل هنا عاقل، ومن ثم فلا يجوز في النقل أن يكون الناقل مجرد دابة حملت "نصا مقدسا" من مكان إلى مكان دون وعي وإدراك -وحاشا العلماء- أن يكونوا كذلك.  
أن تنقل فقط بلا عقل: فأنت كسائق شاحنة، قد تعرف ما تحمله شاحنتك، وقد لا تعرف أيضا، فهناك من لا يعنيه ما يحمل، هنا يشكل النقل بلا عقل مشكلة كبيرة، فقد ينقل السائق أشياء ثمينة، لكنه لا يستفيد منها ولا يعرف قيمتها، ولا أين يضعها، وقد ينقل أشياء ضارة ومفسدة. 
• من هنا كان الوحي "نصوصا ومضمونا " خزينته العقل المدرك - للنصوص كمنهج معرفي، ولمضمون تلك النصوص كمقاصد عامة- أما وسيلته في الوصول إلى قلوب الناس كعقيدة وإلى عقولهم كمقاصد يجب أن تطبق وتتحول إلى واقع عملي، لا يمكن أن تتم عبر عقليات جامدة كبلتها قيود الطمع في التصدر، وسيطرت عليها شهوة التمحور حول الذات، ورؤية الوجود من خلال النفس التي ضاقت بصاحبها من كثرة الانتفاخ والغرور الأجوف الذي لا يجيد غير الصراخ واتهام الآخرين والتشكيك في عقائدهم. 
• العقل المستضئ بأنوار الوحي والمحروس والمحصن من فيروسات الهوى بالتجرد لله هو عقل الفقيه الحر المفكر، والمفكر الحر الفقيه. وهو الأمين على دين الله، والأمين على فطرة الناس. "وباختصار" هو الجسر الذي يربط بين الدين كنص معرفي يشكل أصل الهداية، وكمقاصد توجه التطبيق وتحمي ممارساته من الخطأ وتصوب وترشد إذا أخطأ.
{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} ﴿يوسف: ٢﴾ 
{إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} ﴿الزخرف: ٣﴾
-3   الوسطاء يمتنعون.  
• وإذا كانت العلمانية تعنى فصل الدين عن الدولة، فإن المنهجية العلمية تعنى فصل الحديث في الدين والتصدر للفتوى عن المضطربين نفسيا والمختلين عقليا، لأن العاهات النفسية والعقلية ليس مكانها قيادة الناس في المساجد وفي ميادين الحياة يا سادة،
• العاهات النفسية والعقلية مكانها الاحتجاز في أماكن تأهيل خاصة تدرب أصحابها وتعلمهم كيف يتعايشون بشكل طبيعي مع خلق الله، وبعيدا عن المناطق ذات الحساسية والتأثير في صياغة عقائد الجماهير وبناء عقولهم وتأسيس ثقافتهم الدينية.
أنقذوا دين الله من المتاجرين به، واحرسوا تدين الناس ممن يختطفونه ويحاولون صبغه بصبغتهم هم لا بصبغة الله.  
 

إقرأ ايضا