الشبكة العربية

الجمعة 14 أغسطس 2020م - 24 ذو الحجة 1441 هـ
الشبكة العربية

قضية سارة حجازي .. نقطة نظام


توفيت الناشطة المصرية المهاجرة في كندا "سارة حجازي" قبل أيام بصورة درامية حزينة للغاية ، حيث أقدمت على الانتحار تاركة رسالة فيها عتاب للإنسانية من جهة وإعلان تسامحها مع الجميع من جانب آخر ، وأنها حاولت تجنب هذا المصير إلا أنها فشلت .
وفي مواقفها وكلماتها خلال السنوات الأخيرة ، كان من الواضح أنها تعيش تحولات نفسية وفكرية وحتى قيمية كبيرة ، فأصبحت أكثر اهتماما بقضايا الوطن الكبرى ، وتضامنت في المهجر مع الثورة السورية ولم تعبأ بمحاولات تلويث صورتها بأنها ثورة الدواعش ، كما أن الرسالة الأخيرة التي تركتها تشير إلى تحول إيماني واضح ، لأن الذي يرى "السماء" أفضل من "الأرض" ، يصعب أن تتصور أنه ملحد أو لا يؤمن بالله ، ويبدو أن تلك الفتاة الشابة عاشت صراعا نفسيا وفكريا عنيفا في أيامها الأخيرة ، ومراجعات صاخبة بداخلها لمجمل اختياراتها ، وربما ضغوط عصبية لوفاة أمها وعجزها عن وداعها وإحساسها بأنها كانت سببا في عذابها وموتها، ولكل تلك الأسباب استعصى عليها الوصول إلى اليقين الذي يصنع سكينة الروح والضمير.

رحيل سارة بتلك الصورة ، وبما تمثله سارة من أفكار وسلوكيات ، أثار جدلا واسعا في مصر ، ويكون من الظلم حصر الجدل بالتيار الإسلامي والمدني ، فسوف تجد بين التيار الإسلامي كثيرين ممن اتخذوا موقفا متعاطفا معها ، وستجد من التيار المدني من اتخذ موقفا عنيفا وساخطا عليها ، فللأمانة ، ولضرورات البحث في جذور الأزمة ودروسها ، المشكلة أوسع من هذه القسمة ، المشكلة تتعلق بنظرتنا لموضوع الحرية ، والمدى الذي يمكنك أن تتسامح فيه مع اختيارات عقائدية أو أخلاقية لأشخاص أو منظمات ، وأيضا في مدى قدرتنا على احتواء نزعات لها طابع متمرد أو شاذ ، وهي نزعات لا يخلو منها مجتمع ، من آلاف السنين وحتى الآن ، وتتعامل معها الحضارات بصيغ مختلفة .
سارة حجازي مثلية التوجه الجنسي ، وهو أمر محرم شرعا في الإسلام ، كما أنه مستنكر ومستقبح جدا كثقافة مجتمع عربي ومسلم ، وهو أمر لا ينبغي النظر إليه باستعلاء نخبوي ، لأن ثقافة المجتمع ـ أو العرف بالمفهوم القانوني ـ معتبر في أي منظومة قانونية ، كما أنه متصل بكل ما يمثل "عام" في المجتمع ، كآداب عامة أو أذواق عامة ، ومن الطبيعي أن يختلف ذلك كله من مجتمع لآخر ، بل وفي المجتمع نفسه من جيل لآخر .
أعتقد أننا في حاجة لتحديد وجه التعاطف أو وجه النقد في تلك الحالات ، وهل تعاطفك مع مثل "سارة" كإنسان تعرض لظلم وسجن وتعذيب واضطرار للهجرة خارج وطنه ، يعني بالضرورة أنك توافق على "اختياراتها" العقائدية أو السلوكية ؟ في تقديري أنه لا يلزم ذلك أبدا ، كما يمكنك التعاطف مع مظلوم مسيحي أو يهودي أو بوذي أو حتى ملحد ، دون أن يعني ذلك تأييدك لديانته أو موافقتك على اختياره ، كما لا يعني أن لها اختيارا عقائديا أو سلوكيا لا أرضى عنه أن أوافق على استباحتها كإنسانة وظلمها والعصف بها والبطش بحياتها .
أيضا ، على الجانب الآخر ، أخطأ نشطاء مصريون متعاطفون مع سارة عندما تماهوا في التعاطف مع اختيارها الأخلاقي والسلوكي وركزوا عليه في عناد وعصبية واضحين ، حتى أن بعضهم وضع في صفحته على فيس بوك أو توتير أو غيره علم المثليين ، وهنا تتحول المسألة إلى صراع ايديولوجي أو أخلاقي ، تخسر فيه سارة وقضيتها قطعا ، فهذا يسيء جدا لقضية سارة كإنسانة ، وكشخص تعرض لظلم ، لأنك بهذه "الغشومية" في التعاطف معها ، تحشد الغالبية الساحقة ضدها ، بل وتستنفر مخاوف كل من يحاول الدفاع عنها بأنه سيكون موصوما بأنه يدافع عن المثلية ، وهو أمر غير حقيقي .

البعض اتخذ تلك المسألة كساحة لتصفية الحسابات الايديولوجية مع التيار الإسلامي ، وهذا لا يضر فقط بقضية سارة ، وإنما بأي جهد لصياغة رؤية لتوافق وطني حول المستقبل الأفضل للوطن ، وخاصة في قضية الحرية والتعددية والقبول بالاختلاف ، كما أن هؤلاء استنكروا رفض الغالبية لموضوع المثلية عند سارة ، وهذا موقف لا يتسق مع أصل فكرة الحق في التعبير نفسه ، فحماية حقوق الأقليات لا يعني أن تمنع حقوق الغالبية ، والبعض خاض معركته هنا بمنطق وروح أنه إما أن تقبل بالمثلية وإما أن لا معنى للبحث عن حرية وعدالة وكرامة للمواطن في مصر ، لقد تلاشت تماما فكرة الأولويات في الجدل والصراع الفكري القائم ، والبعض يتعامل مع المجتمع المصري وقيمه كما يتعامل مع المجتمع الهولندي مثلا .
لا أحد انشغل بالبحث عن "احتواء" أو جسور للتواصل ، أو إيجاد مناخ من العقل والمسؤولية يتيح للحوار الوطني أن ينضج ويتبلور ويصل إلى مشتركات أو مقاربات ، أو آليات تتيح للمجتمع احتواء مثل هذه النزعات بأقل ضرر ، وبما لا يضر بانحياز غالبية المجتمع لأشواق الحرية ، الكل يتربص بالكل ، بما في ذلك النشطاء الحقوقيون والمنظمات الحقوقية الذي انخرطوا هنا في صراع ايديولوجي يتعارض مع رسالتهم كحقوقيين على مسافة واحدة من كافة الايديولوجيات ولا يصح أن يتخندقوا في أي منها لأنهم يصبحون هنا نشطاء سياسيين وليس حقوقيين .
قضية سارة حجازي أعادت التذكير بحقيقة أن مفجرات الانقسام الذي أطاح بثورة يناير وقسم قواها ومزق الشارع السياسي في مصر ما زالت قائمة وفعالة ، وأن مشكلة الوطن ليست فقط في تسلط النظام ، وإنما في تمزق النخبة ، وعجزها ، وتطرفها ، وفردانيتها ، ولا عقلانيتها ، وغياب أي توافق وطني من أي نوع على خطة لإنقاذ الوطن .
 

إقرأ ايضا