الشبكة العربية

الخميس 22 أكتوبر 2020م - 05 ربيع الأول 1442 هـ
الشبكة العربية

قصة مقال "مصر الآن في يد أمينة" بعد الانقلاب ! (2)

في الأيام العشرة الأخيرة من حكم الرئيس مرسي ، وضح أنه فقد السيطرة على كل شيء ، والتحذير الأول الذي أطلقه الجيش في 22 يونيه كان واضحا أنه موجه له وللإخوان ، وكتب الأستاذ محمود سلطان مقالا يومها يحذر الجماعة بأن هذا الإنذار من الجيش موجه لهم ، فشتموه ، وقالوا أن هذا انذار لجبهة الخراب "الإنقاذ" والجيش مع الشرعية ، ومسألة الثقة المطلقة للجماعة في السيسي لها حديث طويل ومعلومات صادمة لا داعي لفتحها الآن ، حتى صدر الإنذار الثاني والأخير في في أعقاب مظاهرات 30 يونيه ، حيث كانت الاجراءات قد بدأت بالفعل وما الإعلان عنها إلا كنوع بروتوكولي من قائد الجيش الذي أدار "لعبته" باحتراف ، وفي الخطاب الأخير لمرسي ـ رحمه الله ـ يوم 2 يوليو ، استمعت له طول الوقت واقفا على قدمي لا أستطيع الجلوس ، وأنتظر منه أن يقول شيئا يقلب الطاولة على الجميع ويخلط الأوراق ، لأنها الكلمة الأخيرة له ، وخاصة مبادرة دعوته لانتخابات رئاسية مبكرة ، ولكنه لم يفعل واكتفى بالتأكيد المتكرر على الشرعية وأهمية حماية الشرعية ، فأيقنت أن الأمر انتهى .

نظام مرسي كان قد انتهى عمليا ، وكما قال الشيخ عبود الزمر ، عندما تحركت جنازير الدبابات والشارع غير موحد خلف القيادة وكل أدوات القوة في الدولة وأجهزتها بالكامل في قبضة قادة المجلس العسكري ، فأي مواجهة ستكون دموية وانتحارية وغير ذات جدوى ، وعلى الجميع أن يبحثوا عن حلول وسط ، وكنت قبلها بأيام قد التقيت بفضيلة الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق ، متعه الله بالصحة والعافية ، الرمز السلفي المعروف ، في بيته في بنها ، وكان يستشعر أن كل شيء انتهى ، فأعد الشيخ بيانا أملاه علي يطالب الرئيس بالإعلان سريعا عن انتخابات مبكرة أو استفتاء شعبي على رئاسته ، وأرسلناه يومها إلى عديد من المشايخ والرموز الإسلامية ، فترددوا في التوقيع عليه ، وبعضهم سحب توقيعه بعد الموافقة ، كانت الأمور مرتبكة ، والجميع يشعر أن الأرض تميد بالبلد والدولة والتجربة كلها ، ولا أحد يريد أن يتحمل مسؤولية قرار ولا حتى نصيحة ، لكن القناعة كانت واضحة أن الأمور خرجت عن السيطرة .

عندما حدث اجتماع 3 يوليو الشهير كان كل شيء قد انتهى ، والدولة بكامل أجهزتها ومؤسساتها في قبضة الجيش كما قلت ، وعلى الجميع أن يتعايش مع مرحلة جديدة ظهرت وفرضت نفسها ، كما فعل نجم الدين أربكان ـ السياسي الإسلامي المحنك ـ يوما ما في تركيا ، والبحث عن الصيغة الأفضل لاحتواء الواقع الجديد ، والخروج منه بأقل الخسائر ، بحيث لا يخسر الإسلاميون والثورة نفسها كل شيء ، فضلا عن بحار الدم لو قررت المواجهة ، التقطنا أنفاسنا عندما رأينا صورة المشهد ، لأنه أعطى الأمل بأن تكون فترة انتقالية حقيقية وشفافة مثل التي سبقت انتخاب مرسي ، ووفى فيها المجلس العسكري بتعهده وأنجز الانتخابات بأمانة كاملة وسلمها لرئيس مدني منتخب بالفعل وأدى له التحية العسكرية ، وكان الجيش قد تعهد قبل إعلان خارطة الطريق ، وفي صبيحة مظاهرات 30 يونيه ، في بيان رسمي معلن للكافة يوم 1 يوليو بأن لا يكون شريكا في الحكم أو السياسة ، وكان نص البيان يقول : (إن القوات المسلحة المصرية كطرف رئيسي في معادلة المستقبل وانطلاقًا من مسؤوليتها الوطنية والتاريخية في حماية أمن وسلامة هذا الوطن، تؤكد على الآتي : أن القوات المسلحة لن تكون طرفًا في دائرة السياسة أو الحكم، ولا ترضى أن تخرج عن دورها المرسوم لها في الفكر الديمقراطي الأصيل، النابع من إرادة الشعب) .

وزاد من الاطمئنان أن الجيش استجاب لمطالب المتظاهرين بأن لا يتولى قائد الجيش رئاسة البلاد في المرحلة الانتقالية ، وإنما يتولاها رئيس المحكمة الدستورية العليا ، وكان المطلب تكليفه برئاسة الجمهورية للمرحلة الانتقالية لحين انجاز انتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة وهو ما تم بالفعل ، كما كان في المشهد رئيس مجلس القضاء الأعلى وفضيلة شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب ، والدكتور محمد البرادعي "أيقونة ثورة يناير" والذي كان الإخوان أنفسهم يجمعون له التوكيلات قبلها بعامين ، إضافة إلى قائد الجيش الذي اختاره الرئيس مرسي بنفسه واستأمنه على الوطن وأخطر قوة فيه ومنحه الترقية العسكرية مرتين في عام واحد تقديرا لولائه وإخلاصه ! ووصفه ورجاله قبل أسبوع بأنهم رجال من ذهب ، وقال فيه الإخوان أنه صاحب دين وأمانة وصوام قوام دين ، ومنحاز لثورة يناير .

أيضا ، كان البيان الذي صدر جيدا للغاية ، ويمكن البناء عليه ، بغض النظر عن الغدر به بعد ذلك وخيانته ، لكن بيان المرحلة الانتقالية كان يحمل كل ما يتمناه الإسلاميون أنفسهم الآن ، بعد كل ما جرى ، لأنه نص على مصالحة وطنية شاملة ، وعلى انتخابات مبكرة ، وعلى أن تكون الدولة وشؤونها تحت إشراف قضائي من خلال رئاسة رئيس المحكمة الدستورية للمرحلة المؤقتة .
وجاءت بنود خارطة الطريق كالتالي ، حرفيا :
- إجراء انتخابات رئاسية مبكرة على أن يتولى رئيس المحكمة الدستورية العليا إدارة شئون البلاد خلال المرحلة الانتقالية لحين انتخاب رئيس جديد.
- لرئيس المحكمة الدستورية العليا سلطة إصدار إعلانات دستورية خلال المرحلة الانتقالية.
- تشكيل حكومة كفاءات وطنية قوية وقادرة تتمتع بجميع الصلاحيات لإدارة المرحلة الحالية.
- تشكيل لجنة تضم كل الأطياف والخبرات لمراجعة التعديلات الدستورية المقترحة على الدستور الذي تم تعطيله مؤقتا.
- وضع ميثاق شرف إعلامي يكفل حرية الإعلام ويحقق القواعد المهنية والمصداقية والحيدة وإعلاء المصلحة العليا للوطن.
- اتخاذ الإجراءات التنفيذية لتمكين ودمج الشباب في مؤسسات الدولة ليكون شريكا في القرار كمساعدين للوزراء والمحافظين ومواقع السلطة التنفيذية المختلفة.
- تشكيل لجنة عليا للمصالحة الوطنية من شخصيات تتمتع بمصداقية وقبول لدى جميع النخب الوطنية وتمثل مختلف التوجهات.

كان البيان تصالحيا ، ولم يقص الإخوان ، بل تمت دعوتهم للمشاركة ، وأرسلت الدعوة للدكتور سعد الكتاتني ، ولكنهم اعتذروا عن الحضور ، كما لم نكن نعلم شيئا عن وضع الرئيس مرسي بعد عزله ، ولم ترق في هذه العملية نقطة دم واحدة ، وعندما تكون أمام دولة في قبضة الجيش فعليا ، والشارع هائج ومنقسم ومواجهات بين أبناء الشعب بطعم الدم تغذيها جهات كثيرة والرئيس عاجز وخرج من يده كل شيء ، ثم تكون أمام خارطة طريق يعلنها رموز مثل البرادعي وشيخ الأزهر ورئيس المحكمة الدستورية ورئيس مجلس القضاء الأعلى وقائد الجيش لانقاذ الوطن ، فكان هذا مبعثا للاطمئنان النسبي أن هناك أملا في انقاذ الأوضاع والخروج بأقل الخسائر .

كتبت في اليوم التالي مقالي المشهور "مصر الآن في يد أمينة .. ولكن" ، أما أنها في يد أمينة فللاعتبارات السابقة ، فلا يمكن أن تكون أمام كل وجوه الدولة والوطن هؤلاء ـ البرادعي وشيخ الأزهر ورئيس المحكمة الدستورية ورئيس مجلس القضاء الأعلى ـ ثم تصفهم بأنهم خونة أو متآمرون ، المهم أن بعض "المتصيدين" أمسكوا في عنوان المقال ولم يكلفوا أنفسهم قراءة المقال نفسه ، بل حرصوا على إخفاء "لكن" التي علقت كل شيء على شروط طالبت باحترامها لكي يتم القبول بما حدث .
في هذا المقال قلت ما نصه الحرفي : (رغم مرارة الأحداث، وبعيدًا عن الخلاف الذي سيطول أمده حول الظالم والمظلوم في تلك المحنة الكبيرة التي عاشتها مصر خلال الأشهر الماضية والتي انتهت إلى خسارة "الإخوان المسلمين" لأعظم فرصة تاريخية أتتهم، فإني شخصيًا أثق بأن مصر ستكون خلال هذه الفترة في يد أمينة، وأن المستقبل سيكون واعدًا للجميع، أكرر: للجميع، شريطة أن يعتصم "الجميع" بالعقلانية السياسية والبعد عن الاندفاعات العاطفية والتشنج الذي يصنع الأخطاء ويسهل وقوع "الطيبين" في الفخاخ المنصوبة لهم) .
وأضفت في المقال قائلا : (ومبعث ثقتي أن هذه الوثيقة، وهذا العهد الذي قطعه الجيش على نفسه، صدق عليه أمام العالم كله ثلاث مؤسسات لها خصوصيتها وحساسيتها وحرمتها الشديدة لدى ملايين المصريين وأصبحت شاهدة على هذا الالتزام وضامنة له، الأزهر في شخص رأس المشيخة فضيلة الدكتور أحمد الطيب، الكنيسة الأرثوذكسية في شخص رأس الكنيسة الأنبا تاوضروس، القضاء المصري ممثلًا في رأس القضاء رئيس المجلس الأعلى للقضاء المستشار حامد عبد الله، وعندما يوثق عهد بضمان هؤلاء الثلاثة فقد امتلك حرمة لن يستطيع أحد أن يتلاعب بها)
ومضيت في المقال أحذر من بوادر غير مشجعة وطالبت بوقفها فورا ، وقلت : (أتفهم أن هناك إجراءات احترازية للسيطرة على الانفعالات المتوقعة للغاضبين، ولكن بعض الممارسات التي تمت تعطي رسائل سلبية جدًا أرجو أن يتدخل كل هؤلاء الضامنين فورًا لتصحيحها ووقف تفاقمها، وعلى رأسها عملية غلق القنوات الفضائية الإسلامية، واحتجاز بعض مذيعيها، والتحرش المسيء لمصر بقناة الجزيرة الفضائية، هذا سلوك غير مفهوم بالمرة، خاصة وأنه يأتي بعد نص الوثيقة على ميثاق الشرف الإعلامي، فإيقاف قنوات مثل الناس والحافظ سيفهم قطعًا في سياق تصفية حسابات لا صلة له بالقانون ولا بأي مواثيق إعلامية، وتوقيف إعلامي كبير مثل خالد عبد الله لا يمكن تبريره إلا بوصفه تصفية حسابات أو استجابة لتحريض منافسين إعلاميين، وهو سلوك بعيد عن المروءة وحتى الآدمية)
ثم ختمت المقال بمناشدة للتيار الإسلامي حتى لا تجرفه العواطف فيدخل في صدام يخسر به كل شيء ، وقلت ناصحا : (وأكرر ندائي إلى أبناء التيار الإسلامي، لا تلتفتوا إلى أخطاء صغيرة، وأرجو أن تقدروا ورود بعض الخطأ هنا أو هناك ولا تفسروه على أنه سياسة دولة، كما أتمنى أن تكونوا أعقل وأحكم من أن تستجيبوا لشراك يحاول البعض نصبه لكم لكي تندفعوا في ممارسات تتسبب في وقف مسيرتكم السياسية وحقكم المشروع والمهم في الشراكة الوطنية، فالبعض يدرك أن مفاتيح المستقبل الديمقراطي ما زالت معكم، ويحاول حرمانكم منها، ولن يستطيع، وعلى الإسلاميين سرعة إعادة ترتيب أوراقهم، ومراجعة الأخطاء وتصحيحها، والإصرار على الخيار السلمي والديمقراطي، والاستعداد الجاد من الآن للانتخابات النيابية والرئاسية والتي ستتم خلال أقل من عام من الآن) .

نص مقال "مصر اليوم في يد أمينة .. ولكن ؟"
https://www.masress.com/almesryoon/291355

كانت هذه هي قصة المقال الشهير الذي دائما يستحضر الإخوان "عنوانه" دائما من أجل الإحراج ، وعزله عن سياق الأحداث بالكامل ، ثم كان اختيار قيادة الجماعة ـ مع الأسف ـ الصدام ، وعندما بدأت نذر الشر ورائحة الدم ـ قبل رابعة ـ ناشدت الإسلاميين من خلال قناة الجزيرة ، آخر حلقة لي من برنامج "على مسؤوليتي" ، بالابتعاد عن "المعادلة الصفرية" ، لأنها خطيرة ، وميزان القوة ليس في صالحهم ، وحذرتهم من الأوهام التي تصنعها زيارات بعض الشخصيات الدولية وقلت لهم أن "الجيش" يشهد عليكم العالم ، ويبرئ ذمته ، ويخلي مسؤوليته ، تمهيدا للذبح وليس لأنه مترنح أو خائف ، وقلت لهم أن المعادلات الصفرية نتائجها مروعة ، والمهزوم فيها يخسر كل شيء ويتم سحقه سحقا كاملا وبمنتهى القسوة ، لكن قرار الجماعة كان المواجهة حتى النهاية ، فوقع ما وقع ، وخسرنا كل شيء ، وخرجنا خارج الحساب السياسي بالكامل .
هل أفرطنا في الثقة ؟ نعم ، كما أفرط من كانوا في العام السابق ، هل تم الغدر بالتعهدات ؟ نعم كما حدث الغدر بالتعهدات والمواثيق في العام السابق ، هل منحنا السيسي ثقة زائدة وغير مبررة ؟ نعم كما منحه من سبقنا ثقة مفرطة وغير مبررة ، هل تعرض من كانوا في صدارة مشهد 3 يوليو للخيانة ؟ نعم كما تعرض من سبقوهم للخيانة ، هل أسأنا التقدير ؟ نعم كما أساء من كانوا في السلطة العام السابق التقدير ، هل خدعنا ؟ نعم كما خدع الذين كانوا في السلطة العام السابق ، هل الوضع الآن أفضل أم أيام مرسي ؟ طبعا أيام مرسي أفضل كثيرا ، ليس بسببه ولا لسماحة الإخوان وإيمانهم بالديمقراطية وإنما لموازين القوة في الشارع وقوة وهج الثورة وقتها ، لذلك كانت أمور الحريات أيام المجلس العسكري قبله أفضل حتى من سنة مرسي ، ليس لنزاهة مجلس طنطاوي وعنان والسيسي وإيمانهم بالحرية والديمقراطية وقتها ، وإنما لقوة وهج الثورة ووحدة قواها قبل الانقسام الكبير .

أبدا لم نبع ضميرنا الوطني لأحد ، كائنا من كان ، ولا تربحنا من موقفنا هذا بل ضحينا فيه وخسرنا ماديا على المستوى الشخصي وعلى مستوى صحيفة المصريون ، عارضنا مبارك وهو في السلطة ، وعارضنا المجلس العسكري وهم في السلطة ، وعارضنا مرسي والإخوان وهم في السلطة ، وعارضنا السيسي وهو في السلطة ، وفي كل هذه المواقف جميعها دفعنا الثمن ، بدرجات متفاوتة ، لأن قناعتنا كانت ـ وما زالت ـ أن موقع المثقف الحقيقي هو على يسار السلطة وليس في حضنها ، وأن الإعلام هو صوت الناس وليس صوت السلطة .

وبقي الحديث عن قصة حوار الدكتور أحمد التويجري ....

 

إقرأ ايضا