الشبكة العربية

السبت 23 مارس 2019م - 16 رجب 1440 هـ
الشبكة العربية

قصة خطابين ... وقصة ثورتين

وجه الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون الليلة الماضية كلمة للشعب الفرنسى بدا فيها وكأنه عملة حائرة لها وجهان : وجه يدرك موقع حركة "السترات الصفراء" فى السياق الثورى الفرنسى منذ اندلاع الثورة الفرنسية العظمى سنة 1789، ووجه لا يريد أن يتراجع عن سياسات تسير عكس مبادئ الثورة الفرنسية ! ... استخلص ماكرون من تاريخ بلاده الثورى، الممتد على مدى أكثر من قرنين وربع القرن، ضرورة احترام المبدأ الرئيس الذى أوجدته الثورة وهو أن السيادة للأمة لا للحاكم، وأن الفرنسيين لن يقبلوا بأن يبقى على كرسى الحكم رئيس متغطرس أو متعجرف يعلى من شأن السلطة على حساب سيادة الأمة !

هكذا استلهم ماكرون صياغة مضمون وشكل كلمته التى وجهها مسجلةً من قصر الإليزيه، معترفاً بأن سياساته - وإن لم يتراجع عنها - ربما شاب تطبيقها أخطاء أثرت سلباً على مستوى معيشة قطاعات واسعة من الشعب الفرنسى، الأمر الذى دفعه لاتخاذ حزمة من إجراءات الطوارئ الاقتصادية والاجتماعية - لا الطوارئ الأمنية - لرفع بعض المظالم التى تسببت فيها هذه السياسات التى دفعت الفرنسيين إلى الانفجار غضباً فى شوارع باريس وغيرها من المدن الفرنسية.

لم يقرأ ماكرون المشهد الفرنسى كما قرأه الناطقون بصوت ساكن قصر الاتحادية، الذى لا تعرف ذيوله الإعلامية شيئاً عن تاريخ الدول، ولا هى ظهرت على صاحبهم أمارات المعرفة بدروس التاريخ، رغم خمسة عقود مزعومة قضاها فى فهم معنى الدولة، ورغم ما ادعاه من تفوقه الدراسى فى مادة التاريخ ! ... بل إن كلمات وأفعال ساكن الاتحادية لا تعترف أصلاً بأن للتاريخ دروساً يستفاد منها : فالتاريخ - كدراسات الجدوى الاقتصادية - له نماذجه كما خبراته القادرة على رسم مسارات الحكم الآمنة نحو المستقبل؛ غير أن ما سبق أن رصدناه مراراً قد عاد واعترف به ساكن الاتحادية بالأمس القريب بعد طول إنكار، وهو أنه لا يتحرك وأركان حكمه نحو المستقبل مدعومين بدراسات الجدوى، فهو لا يرى أصلاً للدراسات أى جدوى، وإلا فلماذا تساءل مستنكراً عن ماذا تراه يفعل التعليم فى وطنٍ ضائع !!

لا أعتقدنى قد أخطأت فى قراءة ما رأيت ليلة أمس، إذ بدا لى ماكرون قلِقاً - بل وفزِعاً - من مشهد الشارع الفرنسى؛ لكن الأبواق الإعلامية لساكن الاتحادية لم تكن قادرة على فهم سبب قلق ماكرون وانزعاجه، حتى أن بعض هذه الأبواق الإعلامية تصورت أن "السيسى هو الحل"، وأن بعض الإجراءات الخشنة أو الغاشمة، على طريقة السيسى فى ضبط الأمور، كان يمكنها إعادة الانضباط للشارع الفرنسى ! ... هذا الخطاب الأهوج لم يفهم حتى غضبة السيدة الفرنسية التى جثت على ركبتيها وهى تخاطب قوات الأمن، بل ذهب الإعلام المصرى الأخرق إلى حد الادعاء بأنها كانت تطالب الشعب الفرنسى بألا يخرب فرنسا كما خرب العرب بلادهم !!

بالطبع، لا تجوز معاتبة هذه الأبواق المنفلتة على عجزها عن دراسة المشهد الفرنسى وفهم مفرداته، ولا على هذا الإقحام المعتوه لدور افترضته هذه الأبواق لجماعة الإخوان فى إدارة وتوجيه الأحداث فى فرنسا ! ... وكأن استدعاء اسم الجماعة فى كل تحليل، وفى مواجهة كل أزمة، قد صار مطواة النظام السويسرية التى تفتح له كل ما استغلق عليه فهمه واستعصى عليه إدراك أبعاده ! ... أقر بأن ليس على الجاهل حرج كما نعلم جميعاً، خاصة إذا لم تكن له صلة جينية بأدوات العقل، ولا هو على الأحمق حرج، خاصة إذا لم تكن الحكمة من بين مفردات الرزق الذى حباه به الله ! ... لكن قراءة ماكرون للمشهد كانت مغايرة تماماً للقراءات التى قدمتها أبواق هذا الإعلام المصرى الأخرق، سواء كان هذا بتوجيه من صاحبهم، أو سعياً منهم لأن يبذلوا له سبتهم علّه يذكرهم باقى أيام الأسبوع !!

دعونا نتفق مبدئياً على أن الثورات - كما حركات الاحتجاج - ليست أحداثاً مبهجة فى ذاتها، بل هى أحداث مأساوية، تُخَلِّف وراءها خسائر مادية فادحة، ويروح ضحيتها العشرات والمئات، بل والآلاف من بين من قامت الثورة عليهم ومن بين من قامت الثورة بهم ! ... لكن الثورات - رغم جوانبها السلبية تلك - تبقى أحداثاً إيجابية، تعيشها الأمم فى لحظات التحول التاريخى العنيف التى تحتمها قوة ما تجَمَّع من طاقة الرفض لما تقادم وهرم من أنظمة الحكم القديمة التى استنفدت منطق وجودها ... فالفعل الثورى هو قوة لا تعبر عن نفسها إلا إذا ضغطت على النظام بأكثر مما تحتمل قشرته التى ضعفت بفعل سنن التاريخ وأحكامه ... فالثورات فى حقيقتها هى كالزلازل والبراكين التى تُفَرِّغ الأرض من خلالها طاقتها المتراكمة التى إن لم تجد لها مخرجاً فى قشرة الأرض لظلت تتراكم تحت السطح حتى ينفجر - ولو بعد حين - كوكب الأرض بأكمله، بما فيه وبما عليه ومن عليه !!

بمحاكاة الحراك الثورى لحركة الزلازل والبراكين، فإن الثورات ما هى إلا أحداث تاريخية تسببها طاقة غضب مكتومة فى دول سدت أنظمتها الحاكمة كل منافذ تفريغ طاقة الرفض للأحوال السياسية والاقتصادية والإنسانية القائمة حال اعتلالها، وهى أحوال تسببت فيها أنظمة حكم مختلة استعانت فقط بقشرتها الأمنية والإدارية والقانونية لامتلاك أسباب البقاء، حتى بعد انقضاء زمانها، دون أن تمتلك أسباب الاستقرار والاستمرار، فهذه الأخيرة لا تحققها صلابة القشرة الأمنية والإدارية والقانونية وحدها وإنما تحققه قدرة النظام على احتواء وتفريغ طاقة الرفض التى تتراكم مع تتابع الأيام تحت السطح !

الثورات إذن هى كالزلازل والبراكين ظواهر إيجابية رغم خسائرها، والعمل على قمعها حال العجز عن احتواء أسبابها هو - على عكس ما تعتقده أنظمة الحكم الحمقاء - ظاهرة سلبية لم تحقق عبر التاريخ الإنسانى كله إلا انفجار هذه الدول والمجتمعات المعتلة من داخلها ولو بعد حين ... وكلما أطالت هذه الدول المعتلة أعمارها مكابرةً واحتيالاً، كانت طاقة الانفجار هائلة، وكان الدمار الذى تخَلِّفه من ورائها كلياً وشاملاً !!

دعونا نعود الآن للسياق الفرنسى سعياً وراء إدراك ما أدركه ماكرون وهو يشاهد ما أوصله إليه عناده ومكابرته، ولنتمثل ما أصابه من قلق وفزع وهو يشاهد تلك المرأة الثائرة - التى صارت أيقونة "السترات الصفراء" - وهى تصرخ بكلمات وظفها الإعلام المصرى للتدليس على المصريين، أو وهو يستمع لما كانت تنذر به كلمات هذه المرأة الثائرة من خطر جسيم ووشيك على رئاسة ماكرون، بل وعلى مستقبل الجمهورية الخامسة التى أكملت بالكاد ستة عقود فى دولة لم يستقر لها نظام بعد الثورة الفرنسية لأكثر من سبعة عقود، وهو الرقم القياسى الذى سجلته الجمهورية الثالثة !!

فى سنة 1789 كانت قد اندلعت أحداث الثورة الفرنسية العظمى بكل ما صاحبها من أحداث مأساوية، وبكل ما خلَّفته سنواتها الأولى من ضحايا، وبكل ما تركته وراءها من رؤوس أطاح بها نصل المقصلة، وكثرة من هذه الرؤوس كانت تحمل عقولاً لمفكرين وعلماء وأدباء وفنانين قَلَّ أن يجود الزمان بمثلهم ! ... بالطبع، فإن الملكيات الأوروبية، وكل الملكيات والأنظمة الاستبدادية فى إقليمنا وفى العالم، لم تر فى الثورة الفرنسية العظمى إلا هذا الجانب المأساوى، وقد كان لهذه الثورة بالتأكيد هذا الجانب المظلم الذى دمغ سنوات ما بعد الثورة مباشرة بأنها سنوات الرعب والترويع، تماماً كما توصف البراكين بأنها حرقت الأرض، وكما نصف الزلازل بأنها هدمت المبانى على رؤوس أصحابها وشقت الأرض فابتلعت من كان يسير عليها من الناس !

بيد أنه كان للثورة الفرنسية جانبها الإيجابى الذى يرصده كل الذين يرون أن حركة التاريخ إنما تهدم القديم - وبكل قسوة فى كثير من الأحيان - فقط لتفسح الطريق أمام الجديد الذى ما كان القديم ليسمح له بأن يولد، تماماً كما سجل قصص الأقدمين ولادة المخلص المنتظر، من موسى إلى قورش، ومن حورس إلى المسيح ! ... القديم الذاهب لا ينزل عن عرشه اختياراً لصالح الجديد القادم، بل هو يعاند حتى الرمق الأخير ولو اختنقت أسباب الحياة على الأرض، واختلت موازين العدالة، واختفت أو اعوجت أسباب التمكين السياسى والاقتصادى للسواد الأعظم من الشعب ... ولقد كان للثورة الفرنسية فضل تمكين هذا الجديد الذى وُلِد غريباً، بل ومضطهداً؛ فالثورة الفرنسية هى التى رفعت شعارات الحرية والإخاء والمساواة، وهى التى صاغت إعلان حقوق الإنسان، وأرست مبدأ المواطنة، وقضت على الجزء الأعظم من النظام الإقطاعى، وتصدت لسيطرة الكنيسة على العقل وعلى الضمير الإنسانى.

على أن كل هذه الإيجابيات التى نتجت عن اندلاع الثورة الفرنسية ما كان لها أن تعيش جنباً إلى جنب مع حالة الفوضى التى سيطرت على الشارع الفرنسى فى أعقاب الثورة، وهو ما خلق الظرف التاريخى الذى مكَّن لنابليون بونابرت أن يمسك بمقاليد السلطة فى فرنسا بيده العسكرية القوية، ولكن أيضاً بعقله العلمى الذى عبر عنه تأسيسه للمجامع العلمية، واستعانته بأبرز علماء عصره، ثم برؤيته التاريخية التى كانت قد ظهرت ملامحها أثناء الحملة الفرنسية على مصر ... هكذا فرض نابليون النظام، لكنه بقى فى نفس الوقت محملاً بمبادئ وروح الثورة الفرنسية بعد أن خلصها من عشوائية الحراك الجماهيرى العفوى الذى كان ضرورياً فى لحظة تاريخية ما لكى تعبر الثورة عن نفسها، وعن مولد مبادئها !

دون الدخول فى تفاصيل تاريخية كثيرة ومعقدة، انتهى الأمر بنابليون إلى تنصيب نفسه إمبراطوراً، واستمرت فترة الإمبراطورية نحو عشر سنوات حتى هزيمة نابليون النهائية فى موقعة ووترلو التى أعادت إلى حكم فرنسا - بمساعدة تحالف الدول الأوروبية المناهضة لنابليون - أسرة البوربون، التى كانت الثورة الفرنسية قد أسقطتها قبل هذا التاريخ بنحو ربع قرن ... بريطانيا - الخصم اللدود لنابليون - كانت عضواً مهماً فى هذا التحالف الأوروبى الذى أعاد أسرة البوربون إلى حكم فرنسا، ولا شك أنها قد استفادت من درس الثورة الفرنسية فى تطوير نظامها السياسى والاجتماعى خاصة وأنها كانت قد شهدت ثورة كرومويل، وإعدام الملك تشارلز الأول، قبل اندلاع الثورة الفرنسية بأكثر من قرن ونصف القرن ... كذلك كان الأمر بالنسبة للنمسا التى ترأس وزير خارجيتها الأشهر "ميترنيخ" مؤتمر فيينا الذى رتب أحوال أوروبا، وأعاد رسم حدود دولها بعد التغييرات التى كانت قد دخلت عليها بسبب الحروب النابليونية.

ليس أدل على الأثر العميق الذى تركته الثورة الفرنسية، والإمبراطورية الفرنسية الأولى، على مسارات التاريخ الأوروبى من أن مؤتمر فيينا قد وضع شرطاً لمؤازرة تحالف الدول الأوروبية لعودة أسرة البوربون لحكم فرنسا، وكان هذا الشرط هو أن تتحول الملكية الفرنسية إلى ملكية دستورية لا أن تبقى ملكية مطلقة كما كان الحال قبل اندلاع الثورة الفرنسية، وهو الشرط الذى استجاب له لويس الثامن عشر - أخو لويس السادس عشر - بإصداره ما عُرِف بميثاق 1814 الذى صار بمثابة الدستور الذى حكم به فرنسا ... أن تتحالف دول أوروبية لهزيمة نابليون، ولكن - فى نفس الوقت - لإسقاط الحكم الملكى المطلق وتأسيس حكم ملكى دستورى فى فرنسا، كان ولا شك - بعيداً عن كل "تفاصيل" الطريق المؤدية إليه - نقلة تاريخية بدت مستحيلة عشية اندلاع الثورة الفرنسية !

كان لويس الثامن عشر مدركاً لحقيقة أن التاريخ يتقدم للأمام ولا يعود للخلف، وتعلم من رأس أخيه الطائر الحكمة التى افتقدها كثير من أفراد البلاط وعلى رأسهم أخوه الأصغر الذى سيعتلى عرش فرنسا من بعده تحت اسم شارل العاشر ... قاوم لويس الثامن عشر قدر استطاعته ضغوط غلاة الملكية هؤلاء الذين كانوا يطالبونه باتخاذ إجراءات راديكالية ضد كل ما يمت للثورة الفرنسية ولحقبة الإمبراطورية النابليونية بصلة، ومحو كل أثر لهما على أرض الواقع الفرنسى، وتجريم كل من شارك فى الثورة أو دعا إليها أو حرض عليها، وإعادة كل مظاهر ومراسم وطقوس النظام القديم، مع إعادة كل أملاك النبلاء وكل أملاك الكنيسة إلى أصحابها الأصليين الذين كانت قد صادرتها منهم الثورة ... بيد أن لويس الثامن عشر كان يرى عكس ذلك، وأن اللحظة التاريخية التى كانت تعيشها فرنسا بعد إعادة الملكية هى لحظة إعادة توحيد الأمة وتضميد جراحها؛ ومن ثم، فقد اعترف لويس الثامن عشر بكثير من إنجازات الثورة، وأبقى على كثير من مكتسباتها مع تعويض المتضررين من مصادرة أملاكهم بسندات على خزانة الدولة، وهى إجراءات لم يكن يوافق عليها شارل العاشر الذى اعتلى عرش فرنسا بعد وفاة أخيه لويس الثامن عشر، مفتتحاً عهده بمراسم تتويجه على نهج تتويج أخيه الأكبر لويس السادس عشر، مستدعياً منذ تتويجه كل المظاهر والطقوس الدينية التى أعادت صور النظام القديم إلى الذاكرة !

كان شارل العاشر عصياً على فهم الدرس الذى استوعبه أخوه لويس الثامن عشر من قبل، وترك لنا فى نهاية عهده درساً مهماً من دروس التاريخ ومن دروس الثورات، وهو أن موجات الجزر التى تتعرض لها أى ثورة قد تأتى بحكام حمقى وغير قادرين على التعلم من دروس الماضى، بل هم يعودون مُحَمَّلين بأمرين لا ثالث لهما : أولهما شهوة الانتقام من الثورة التى سبق أن أطاحت بالنظام القديم، وثانيهما حماقة توظيف الوسائل الخشنة للحيلولة دون تكرار سيناريوهات الماضى التى انتصرت بها الثورة عندما أطاحت بحكمهم أول مرة ! ... النتيجة المنطقية لحماقات شارل العاشر كانت استعداء التيار الليبرالى ضد السلالة الرئيسة لأسرة البوربون الحاكمة، وما أعقب ذلك من اندلاع الثورة الفرنسية الثانية، ثورة 1830، المشهورة باسم ثورة الأيام الثلاثة المجيدة، التى وإن أسقطت شارل العاشر، ومعه كل السلالة الرئيسة لأسرة البوربون، إلا أنها لم تُسقِط الملكية، فقد كانت أغلبية التيار الليبرالى فى ذلك الوقت من الملكيين الدستوريين الذين استوعبوا دروس الثورة، لا من الجمهوريين الذين لم يتمكنوا من إعلان الجمهورية الفرنسية الثانية !

قد أعود فى رسالة لاحقة لبعض ملامح ثورة 1830 لأهميتها، لكن يكفينا هنا أن نقف عند نقطة مهمة وهى أن هذه الثورة كانت "ثورة مسلحة"، وهو ما حرص على إبرازه الفنان الفرنسى يوجين دولاكروا فى لوحته الأيقونية "الحرية تقود الشعب"، وهى اللوحة التى كانت تزين ورقة العملة فئة المئة فرنك فرنسى فى ظل الجمهورية الخامسة قبل أن تتحول فرنسا لنظام العملة الأوروبية الموحدة ! ... واحد من أشهر ميادين باريس هو ميدان الباستىّ (بالياء المشددة)، وهو يحمل نفس اسم السجن الأشهر الذى ارتبط تاريخ اقتحام الثوار له بتاريخ الثورة الفرنسية، وقد كان هذا السجن القلعة - الذى ننطق اسمه عادة بالعربية فنقول "سجن الباستيل" - يقوم فى هذا الميدان الذى ظل يحمل اسم السجن العتيق بعد أن لم يعد له أى أثر اليوم ! ... ما هو قائم اليوم فى الميدان هو نصب تذكارى فى صورة عمود مرتفع للغاية يمجد ثورة 1830 "المسلحة" لا ثورة 1789 التى هى الثورة الأم التى ارتبطت بالباستىّ ! ... أسفل هذا النصب التذكارى الذى يمجد ثورة الأيام الثلاثة المجيدة توجد لوحة مكتوب عليها "إلى مجد المواطنين الفرنسيين الذين تسلحوا وقاتلوا من أجل الدفاع عن الحريات العامة فى أيام 27، 28، 29 من يوليو 1830 التى ستبقى فى الذاكرة" ... ولنتوقف كثيراً عند هذه التفاصيل المهمة، التى أعتقد أنها لم تغب عن ذهن ماكرون، ولا عن ذهن دولاب الحكم والدولة العميقة فى فرنسا، وهى أن ثورة 1830 ضد رعونة وحماقة شارل العاشر قد قام بها مواطنون "مسلحون" !!

جاءت ثورة 1830 بالملك لوى فيليب إلى الحكم، وهو ينتمى لفرع غير رئيس من شجرة البوربون، هو فرع أسرة أورليانز؛ وقد كان لوى فيليب ملكاً ليبرالياً اجتمعت فيه مجموعة من الصفات والمواصفات التى جعلت منه الحل الأمثل لمعضلة الحكم فى فرنسا، لكن من المهم الإشارة إلى أنه لم يجلس على العرش باعتباره "ملك فرنسا" وإنما باعتباره "ملك الفرنسيين"، فقد حرص الثوار على أن يرتبط الملك بهم لا أن ترتبط فرنسا به ! ... ولم تكن ثورة 1830 هى آخر الثورات الفرنسية، وإنما قامت ثورة أخرى بعدها قادها مرة أخرى الليبراليون، هى ثورة 1848، ولأن الأغلبية الليبرالية فى هذا التاريخ كانت جمهورية لا ملكية فقد أُعلِنت بعد هذه الثورة الجمهورية الفرنسية الثانية، وانتهى بذلك حكم كل فروع أسرة البوربون منذئذٍ وحتى اليوم !

يطول الحديث ويتشعب إذا ما أردنا استيعاب كل تفاصيل ودروس التاريخ الإنسانى بصفة عامة، والتاريخ الفرنسى بصفة خاصة، وتاريخ الثورة الفرنسية بصفة أخص؛ لكن دعونا ندخل - ولو من باب المغامرة - إلى عقل الرئيس الفرنسى ماكرون وهو يوجه كلمته ليلة أمس إلى الشعب الفرنسى؛ فقد كان ماكرون يتعامل بصلف وعناد مع مظاهرات "السترات الصفراء" رغم كل العنف الذى صاحب هذه المظاهرات طيلة الأسابيع الماضية، لكنه - فى تصورى - تذكر تجربة شارل العاشر، التى انتهت بثورة 1830، وتجربة أخيه الأكبر لويس السادس عشر، التى انتهت بالثورة الفرنسية العظمى سنة 1789

كان فى استطاعة شارل العاشر أن يسير على الخطى الحكيمة لسلفه لويس الثامن عشر، وألا يقف أمام عجلة التاريخ محاولاً إعادتها إلى الوراء؛ وكان فى استطاعة لويس السادس عشر من قبله أن لا يعاند حركة التاريخ، وأن يسمح ببعض الإصلاحات السياسية والاقتصادية لامتصاص طاقة الثورة الهائلة التى كانت تتكثف تحت سمع وبصر الجميع، لكنه قرر أن يتعسف فى استخدام أدوات السلطة ليعاكس حركة المطالبين بهذه الإصلاحات من بين طبقة العامة (إحدى الطبقات الثلاث فى مجلس طبقات الأمة مع طبقة النبلاء وطبقة الإكليروس أو رجال الدين)، ظناً منه أن التحالف العضوى بين الكنيسة والنبلاء قادر إجرائياً عند التصويت على إنفاذ إرادة الملك، فما كان من "سيياس" - أحد زعماء الثورة الفرنسية - إلا أن أطلق صيحته الحاسمة للشعب الفرنسى : "فلنقطع الحبال التى تربط سفينتنا بمرفأ السلطة"، وهى الصيحة الثورية التى رأى فيها كثير من المؤرخين البداية الحقيقية للثورة الفرنسية لا حدث اقتحام الباستىّ !

لم تكن تجربتا لويس السادس عشر وشارل العاشر مع عناد السلطة ضد إرادة الشعب ما يقلق وحده فى المشهد الفرنسى، ولكن كان المشهد الأيقونى لهذه المرأة الفرنسية التى واجهت قوات الأمن كاشفاً لأمر أكثر خطراً : فمن ناحية كانت المرأة ترتدى زياً عسكرياً، وإن لم تكن تحمل سلاحاً؛ ومن ناحية أخرى لم تستعطف هذه المرأة قوات الأمن بتوسلات إنسانية أو دينية أو أخلاقية، وإنما استخدمت مفردات خطاب أخرى، مثل "الأمة"، و"الشعب"، و"الوطن"، و"فرنسا"، وهى مفردات تستدعى روح الثورة الفرنسية؛ فإذا نحن وضعنا هذا المشهد الأيقونى جنباً إلى جنب مع لوحة دولاكروا الأيقونية للحرية - التى هى فى صورة امرأة خلعت عنها سترتها - وهى تقود الشعب، فلابد أن يسمع أى دارس للتاريخ الفرنسى وللثقافة الفرنسية صوت جرس تنبيه قوى يردد أن 1830 تطل برأسها من جديد، وأن ثورة مسلحة قد تكون على الأبواب !!

لا أعتقد أن هذا الهاجس كان يروع ماكرون وحده، لكنه كان يروع ولاشك كل الدولة العميقة - بل والعميقة جداً - فى فرنسا ... لا أعرف إن كانت حالة الطوارئ الاقتصادية والاجتماعية التى أعلنها ماكرون كافية لإطفاء الحريق، فمثل هذه الحرائق حين تندلع لا تنطفئ عادةً إلا بثمن لابد وأن يدفعه أحدهم طالما ترك الأمور تتفاعل حتى وصلت لنقطة الانفجار ! ... لكن الأمر المؤكد عندى - بعيداً عن فرنسا وعن أداء ماكرون الذى ظل يعمل بمنطق حافة الهاوية - هو أن البعض فى أماكن أخرى من العالم مازالت تراقص مصائرها عند حافة الهاوية، وتتبنى خطاباً لا شأن له بتاريخ ولا بجغرافيا، ولا بسياسة ولا باقتصاد، ولا بماض ولا بمستقبل ... فهم يعيشون فى بلهنية من العيش، وفى بلهنية من الغفلة، وفى بلهنية من الجهل ... صحيح، يعمل إيه التعليم فى بلد ضاعت عقول حكامه !!
 

إقرأ ايضا