الشبكة العربية

الإثنين 16 ديسمبر 2019م - 19 ربيع الثاني 1441 هـ
الشبكة العربية

قسمة ونصيب

على مرأى ومسمع مني داخل النادي القاهري العريق كانت إحدى السيدات تحاول تسويق ابنها الملازم أول طيار الذي يدللونه باسم "حمادة" لدى جليستها حتى تقتنع أنه العريس المناسب لابنتها طالبة السنة الجامعية النهائية التي يدللونها باسم "ريري"، قالت "أم حمادة" وهي منتفخة كدجاجة رومية في موسم التزاوج "ياختي اسم الله على مقامك سي حمادة ابني مرتبه الشهري من الطيران معدي العشرتلاف جنيه بكتير قوي والطيران يا حبيبتي مديله شقة في كومباوند المستقبل اللي عند التجمع الخامس تمنها معدي المليون ونص جنيه ومديله عربية شيروكي تمنها معدي مليون إلا ربع جنيه والأقساط الشهرية بتاعة الشقة والعربية بيخصموها من مرتبه على خفيف علشان الباقي منه برضو يفضل معدي العشرتلاف جنيه ... ياختي اسم الله على مقامك سي حمادة ابني بيتعالج هو وعيلته في مستشفى الطيران بتاع التجمع الخامس اللي هو يا حبيبتي ربنا يشفي الجميع أحسن من فندق هيلتون بكتير قوي وبيجيبو لهم فيه أشطر دكاترة من كل بلاد العالم علشان يعالجوهم لو حد فيهم عطس بس ... وعنده عساكر المراسلة بتوعه بيروحو يقضو له كل طلباته من مجمعات الجيش اللي تلاقي فيها يا حبيبتي كل حاجة من الإبرة للصاروخ طازة بطازة وبملاليم ... وعنده ياختي تلتميت نادي جيش وشرطة في كل حتة ولو عاوز يدخل نادي مدني كبير زي اللي احنا فيه ده ما بيستناش دور وبيدفع عشرتلاف جنيه بس رسوم عضوية مش ربع مليون جنيه زي الأعضاء التانيين" ... كانت "أم ريري" تنظر صوب الأرض وهي تستمع إلى استعراضات جليستها ثم شردت برهة وردت عليها قائلة "إنشالله خير يا حبيبتي" ... أنا لا أعرف حمادة ولا أمه كما أنني لا أعرف ريري ولا أمها ولم أشعر بأي غضب تجاه هؤلاء أو أولئك لكنني أعرف الطرف الغائب جيداً لأنني أراه يومياً في وجوه ملايين الشباب المصريين المجايلين لحمادة وأشفقتُ عليه إلى حد البكاء، شاب أنهى تعليمه الجامعي ولم يجد عملاً داخل بلده مما اضطره للبحث عن فرصة هجرة إلى الخارج لم يجدها أيضاً لعدم اعتراف الخارج بتعليم الداخل فاستمر في كفاح متكرر يعقبه فشل متتالي حتى سقط تحت خط الفقر، كما أعرف أن أمله وحلمه الباقيان في الحياة على وشك الضياع مع ضياع ريري التي عقب ظهور حمادة ورغم سابق حبهما ستقول له "كل شيء قسمة ونصيب"، وأعرف أن إسلاميين غاضبين راغبين في الانتقام من الجميع لإنهم يكرهون الجميع سوف يلتقطونه من ضياعه فيندمج معهم ويستعد كي يشاركهم في تنفيذ عملياتهم القادمة، وأعرف جيداً أن هذا ليس قسمة ونصيب بل هو أحد أوجه عديدة لظلم اجتماعي يستشري في مصر منذ وقوعها تحت حكم العسكر سنة 1952!!.
                      طارق المهدوي
 
 

إقرأ ايضا