الشبكة العربية

السبت 25 مايو 2019م - 20 رمضان 1440 هـ
الشبكة العربية

قراءة مصرية للانتخابات البلدية في تركيا


تشهد تركيا غدا الأحد الحادي والثلاثين من مارس 2019 أحدث نزال ديمقراطي في البلاد ، متمثلا في الانتخابات البلدية ، وخلال العامين الأخيرين شهدت تركيا أكثر من نزال ديمقراطي جاد وصاخب وخطير أيضا ، بدءا بالتعديلات الدستورية لتغيير النظام إلى رئاسي بدلا من برلماني ، ومرورا بالانتخابات الرئاسية والبرلمانية ووصولا إلى الانتخابات البلدية ، فالديمقراطية وممارساتها في تركيا طاحونة مستمرة ودائمة تقلق الأحزاب السياسية في تركيا وتجعلها في حال من التوتر الدائم والتواصل الدائم أيضا مع قواعدها الجماهيرية .
في الخبرة التركية تحولت الانتخابات إلى بنية مؤسسية ذات استقلال حقيقي ، وضمانات كاملة ، وشبه مستحيل أن يتم التلاعب في الانتخابات في أي مستوى ، وأيا كانت السلطة القائمة ، وقد استمعت إلى الدكتور ياسين أقطاي مستشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وهو يتحدث عن الانقلابات العسكرية العديدة التي شهدتها البلاد ، فأكد على أمرين ، الأول هو أن العسكرية التركية لم تتدخل أبدا في الانتخابات أو هيكلة المؤسسات القائمة عليها ، وهذا ما يحسب لها ، بخلاف الانقلابات العسكرية في العالم العربي التي جعلت من فكرة الانتخابات كوميديا تنتهي بفوز صاحب الكرسي بنسبة ثلاث تسعات الشهيرة ، لذلك غالبا كان الانقلاب العسكري في تركيا تخسر الأحزاب الموالية له أو التي صنعها أي انتخابات تالية ، والملاحظة الأخرى أن الانقلاب العسكري كان مرادفا دائما للفساد السياسي ، لأنه يصنع نخبة جديدة موالية طفيلية ومنتفعة وفاسدة ويسيطر العسكريون على مقدرات الدولة ويوظفونها في شراء الولاءات ، بين القضاة والسياسيين والإعلاميين ، ويسقطون الشعب من حساباتهم بالأساس .
الانتخابات البلدية الجديدة في تركيا لا تقل خطورة وأهمية عن الانتخابات البرلمانية الماضية ، بل ربما تنظر لها الأحزاب بأهمية أكبر ، لأنها المؤهل الحقيقي للأحزاب للوصول إلى السلطة ، عن طريق الاتصال المباشر بحاجات الناس وتفاصيل حياتهم في كل قرية وكل شارع وكل حارة ، في المدارس والمستشفيات والمخابز والمتاجر والطرق والمواصلات وغير ذلك ، لذلك تلقي الأحزاب بثقلها كله في تلك الانتخابات وتخوض فيها صراعا سياسيا بالغ العنف والتوتر .
الحزب الجمهوري المعارض الرئيسي دفع بأفضل كوادره الشابة للتنافس على رئاسة بلدية اسطنبول ، جوهرة تركيا ، وحزب العدالة والتنمية الحاكم دفع بأقوى رجاله من أجل الفوز بتلك المدينة ، ولك أن تتخيل أن أردوغان ـ رئيس الحزب ـ يطلب من رئيس البرلمان الدكتور "بن علي يلدريم" أن يتنازل عن رئاسة البرلمان لكي يتمكن من الترشح لبلدية اسطنبول ، أي أن بلدية اسطنبول في المعيار السياسي أهم من رئاسة البرلمان ، كما أن هناك معارك لا تقل ضراوة في البلديات الأخرى الأكثر أهمية ، أنقرة ، وأزمير .
يتجه الناخبون الأتراك غدا لانتخاب ممثليهم في البلديات ، على امتداد 32 ألف بلدية في طول البلاد وعرضها ، و18 ألف قرية ، وبعض الأحزاب والمرشحين استخدم وسيلة طرق الأبواب ، فكان يتصل ببرنامجه المطبوع أو حتى بهدايا رمزية إلى أبواب السكان بابا بابا ، وهو أمر مثير بالفعل .
الديمقراطية التركية مسار جاد وحقيقي ومثمر ، تستطيع أن تراه في عجز الحزب الحاكم عن تحقيق أغلبية في انتخابات البرلمان فيضطر للتحالف مع حزب آخر ، وتستطيع أن تراه في رئيس للدولة يملك كل كاريزما اردوغان وإنجازاته التاريخية ، ومع ذلك يعجز عن الفوز بالرئاسة إلا بشق الأنفس وبفارق أقل من 2% ، وتستطيع أن تراه في سلوك الناس ، وفي إحساس المواطن الفرد بكرامته ، وفي استقلال الموظف الحكومي أيا كانت درجته الوظيفية بقراره ، دون أي خشيه من رئيسه في العمل ولا رئيسه في غير العمل ، وتستطيع أن تراه في الممارسات الفردية للمواطن ، المتدين وغير المتدين ، دون تدخل من أي سلطة أو جهة ، وتسطيع أن تراه عيانا في الصحف المعارضة التي تخوض معركة عنيفة وجارحة ضد الحزب الحاكم ورموزه بمن فيهم أردوغان ، وتستطيع أن تراها في التجمعات السياسية الحاشدة والمسيرات التي تديرها المعارضة في الميادين الرئيسية في المدن المختلفة ويقابلها تجمعات للحزب الحاكم ، وتستطيع أن تراها في مساحات الدعاية عبر التليفزيون الرسمي للدولة والفرص المتساوية للجميع فضلا عن الإمكانيات المالية الهائلة للأحزاب المعارضة ، وتستطيع أن تراها في الجهد المضني الذي يبذله الرئيس اردوغان ، وهو يتجول في مدن البلاد ليعقد مؤتمرات انتخابية ضخمة ، تقريبا بمعدل مؤتمر شعبي كبير كل ثلاثة أيام ، رغم مشغولياته في إدارة شئون الدولة الداخلية والخارجية وكلها خطيرة ، وهو ما يكشف قلقه على النتائج وإيمانه الحقيقي بأن الشعب هو صاحب القرار ، ومن أراد أن يحصل على صوت الناس عليه أن يتعب ويتواصل ويعمل ، لا أن يوجه آلة التزوير لإنهاء الموضوع من المنبع .
الديمقراطية التركية تم انتزاعها عبر عملية نضال سياسي إصلاحي طويلة ، ومكتسبات جزئية متراكمة ، وعمليات إزاحة وتضييق للهيمنة العسكرية والأمنية على مسافة زمنية طويلة ، ونجحت الأحزاب المدنية في النهاية في قصقصة ريش الجنرالات ، ووضع المؤسسة العسكرية تحت قيادة مدنية ينتخبها الشعب في انتخابات حرة ، ونجحت القيادة المدنية في تطوير الجيش التركي وجعله ثالث أقوى جيوش أوربا بعد فرنسا وبريطانيا ، ودعم ذلك نهضة اقتصادية مذهلة ، حققت نقلة كبيرة للمجتمع التركي والمواطن العادي ، يشعر بها في تفاصيل حياته وجودة المعيشة على كافة المستويات ، وبنية أساسية متطورة للغاية واقتصاد شديد التنوع والتكامل .
هناك مشكلات تعاني منها تركيا ، منها الانقسام العرقي الذي ينعكس أحيانا على تحيزات الناخبين في الانتخابات المختلفة وحركات انفصالية مسلحة يتعاطف معها صحفيون وسياسيون وبرلمانيون أيضا ، ومنها نفوذ بعض الجماعات الدينية التي وصلت إلى حد خطير جدا في اختراقها لأجهزة الأمن والقضاء والجيش وحاولت عمل انقلاب عسكري قبل ثلاث سنوات تصدى له الشعب ببسالة وأفشله ، وتبعه عملية تطهير واسعة لمؤسسة القضاء والجيش والأمن وإدارات التعليم وغيرها ممن تغلغل فيهم التنظيم الديني "جولن" بصورة واسعة النطاق على مدار سنوات طويلة ، وهناك اعتقالات تمت في أوساط صحفيين موالين لأحزاب انفصالية غالبا ، مثل حزب العمال الكردستاني المسلح ، وهناك قلق من توسع عملية ملاحقة الصحفيين ، رغم المساحة الواسعة لحرية الصحافة والإعلام بشكل عام ، كما أن هناك بعض المشكلات الهيكلية في مؤسسة القضاء ربما تحتاج إلى مزيد من النضال الديمقراطي لتصحيحها ، لكنها في كل الأحوال لا تقارن بغيرها في العالم العربي ولا تقاربها من مسافات بعيدة .
أنزعج جدا من استسهال بعض المثقفين المصريين الحديث عن تركيا كدولة ديكتاتورية ، كثير منهم بطبيعة الحال لم يعايش التجربة التركية ، وربما قرأ عنها من بعيد بعض القشور ، وبعضهم ربما له انحيازات يسارية أو انحيازات ضد التيار الإسلامي من الناحية الأيديولوجية فلا يريد أن يقبل منه صرفا ولا عدلا ، ولا أي صلاح أو إصلاح ، وهناك بطبيعة الحال الموالون لعسكرة الدولة وسيطرة "الرئيس الدكر" على البلاد والعباد ومصادرته لجميع المؤسسات والأجهزة لقراره وإرادته ، وهم كارهون لأردوغان ورمزيته بداهة .
خطورة ضحالة الوعي السياسي لدى النخبة المصرية بالتجربة التركية تتمثل في خسارة الاستفادة من تجربة مهمة جدا ، وقريبة الشبه بالحالة المصرية ، حضاريا وسكانيا وتحديات سياسية مع العسكر بالأساس ، رغم أن طموح النخبة المصرية وأحلامها ـ الآن ـ لا تصل لأبعد من نصف ما تحقق لتركيا وشعبها ، كما أن فكرة أن "كل شيء أو لا شيء" ، ربما تصلح في الأدب والشعر والفن والخيال ، لكنها لا تصلح في عالم السياسة النسبي في كل شيء ، فإذا كانت هناك تجربة ديمقراطية تحقق 80% من متطلبات المنظومة الديمقراطية ، وتعاني من ضعف أو غياب النسبة الباقية ، لا يمكن أن تضعها على قدر المساواة مع تجربة لا تسمح للشعب بهامش 10% فقط في ممارسة ديمقراطية ، ثم تقول باسترخاء كامل أنها كلها ديكتاتوريات ، هذا عبث وتسطيح للوعي وإهدار للخبرات الإنسانية .
تبقى التجربة التركية ملهمة بالفعل للجيل العربي الجديد ، ونموذجا قريبا يمكن الإفادة منه والبناء عليه وتطويره وإن أمكن إنجاز ما هو أفضل منه ، أما استسهال اطلاق الاتهامات بالديكتاتورية أو إدارة الظهر لما يتحقق في الواقع ، وحجم إنجازات التجربة ، فهو نوع من الانتحار للوعي السياسي أو الإصرار على العيش في عالم الأوهام للمحبطين والتائهين وفاقدي بوصلة المستقبل والأمل معا .
 

إقرأ ايضا