الشبكة العربية

الإثنين 19 أغسطس 2019م - 18 ذو الحجة 1440 هـ
الشبكة العربية

قراءة في الوعي والسعي

                                                                             
مارجريت تاتشر (Margaret Thatcher‏) كانت زعيمة لحزب المحافظين ورئيسة لوزراء بريطانيا لمد ة 11 سنة .
• المرأة الحديدية كانت تعرف قدر القراءة وقيمة العلم فقالت لولدها " إقرأ يا ولدى فالكاتب يعطيك عصارة عقله , وكلما قرأت كتابا جديدا كلما ضممت إلى عقلك عقلا جديدا"
• الكلمات لها مغزى يعرفه طلاب العلم ويستشعر قيمتها كل باحث.
• وبين الحين والحين يحتاج الباحث أن يجدد معلوماته وأن ينشط ذاكرته فيرجع إلى التراث العظيم الذي خلفه لنا العلماء الأجلاء في شتى نواحي المعرفة الإنسانية ليجد فيه ضالته ويشفى غليله العلمى ويشبع نهمه المعرفي والثقافي بجديد عطائهم الذي احتوته الكلمات وضمته كتبهم بين صفحاتها المضيئة والمشرقة.
• ومع كل معلومة مضافة للعقل والذاكرة يعرف الباحث فضل هؤلاء العلماء الأجلاء فيطامن من كبريائه وغروره ، ويدرك بتواضع الباحث أن: فوق كل ذي علم عليم: وأن عطاء الله لعباده لا حدود لنهايته لم يكن بمقدور أحد في حينه التنبؤ بمده ومداه، فما بالك تحديد السقف الذي قد يبلغه أو المستويات التي قد يشملها.مهما بلغ الإنسان من العلم وعاش من العمر وحصل من أنواع المعارف، وأن الذكاء وحده عاريا عن توفيق الله لا يجلب لصاحبه غير الشقاء والتعاسة وفساد الحال.
• إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يجنى عليه اجتهاده
• وقال أبو مروان الجزيري
ومن العجائبِ والعجائبُ جمةٌ * أن يلهج الأعمى بعيبِ الأعورِ
• كما يدرك أيضا أن وجود الإنسان لا يتوقف على بقائه في هذه الحياة ، فهناك أموات وهم لازالوا على قيد الحياة يعيشون في قبور شهواتهم .
• وهناك أحياء وإن غابت أجسادهم عن دنيانا ، لكن ذكراهم تملأ الآفاق نورا وتألقا وخلودا.
• عشت مع النوع الأخير كطالب علم خلال فترة بحث جديدة دفعتنى لها ظروفي العلمية فتمنيت لوكنت معهم، وأدركت من خلال مطالعتى لتراث هؤلاء أن عصر الهزائم في حياة أمتنا لم يكن مصادفة، وإنما هزمنا لأننا لم نخطط ولم نقرأ واقعنا بشكل كامل، ولم نشخص مشكلاتنا بطريقة علمية منهجية، واكتفينا بالراكد من الأفكار.
• والراكد من الأفكار لن يؤثر تأثيرا كاملا ولن يتغير إلا إذا صُدِمَ صدمات كاملة تجعله يعيد النظر فيما لديه فيحرك سواكنه ويعيد ترتيب أولويات قيمه، ويزيل الغبار الذى غطى ثوابته ،ويجدد آلياته، ليس فقط في مواجهة عدوه وإنما في إصلاح واقعه وفي وسائل حمايته وبقائه، وإعادة صياغة وعيه من جديد.
• وفقه الفقيه وعلم العالم وفكر المفكر هنا في غاية الأهمية، لأن كلا منهم يشكل المنارة التى يَهْتَدِى بها الناس كما يُهْتَدَى بالكوكب الدرى في الليلة الظلماء.
• وفقه الفقيه وعلم العالم وفكر المفكرهي القنوات التى تصل الباحث بمقاصد الإسلام الكبرى وتربط في ذهنه بين قوانين الطبيعة باعتبارها سنن الله في الكون وبين قوانين الاجتماع باعتبارها سنن الله في الحياة والناس.
• وهى لا تقوم فقط بدور الجسور التى تربط ل بين رسالة الإسلام للدنيا وبين دور الإنسان ووظيفته باعتباره المستهدف من رسالات السماء ليكون في الأرض خليفة. وإنما هى بمثابة الجهاز العصبى الذى يجمع بين القلب والعقل والأطراف
• النوافذ التى يطل منها طلاب الحقائق على أهداف وقيم هذا الدين العظيم لابد بالضرورة أن تمر بالعقل لا كمعيار مستقل وإنما كشريك للنص في إدراك الحقائق.
• ولقد مرت على أمتنا فترة من الانكسار والاستلاب الحضارى جعلتنا نتعامل مع شريعتنا على أنها مجرد نصوص يتغنى بأمجادها الآباء والأبناء ويرددونها ترديدا وكأنها نشيد محفوظ من نصوص تراثنا، وفى أحسن ألأحوال كانت ترفع بعناد وإصرار كشعار ممن يدركون قيمتها ويطالبون بتطبيقها في بيئة تنكر عليهم ذلك وتحظر عليهم حتى مجرد رفعها كشعار ممنوع استعماله والدعوة إليه ممنوعة والمطالبة به محظورة في مهرجانات التزوير والبهتان وتزييف الإرادة، ومن ثم تبددت أو تجمدت أغلب الثروات التشريعية في تراث أمتنا ، وأغلب الثروات المادية في حقولها وما تحت الثرى.
• الثروة التشريعية تحولت إلى مجرد قواعد ومصطلحات في بطون الكتب وبين أيدى الباحثين دون أن يستفاد منها أو يكون لها في الواقع حضور وتأثير ، كما تحولت الثروات المالية إلى مجرد ودائع في بنوك تستثمر في بلاد الآخرين لا يملكها إلا حفنة من الأثرياء الجدد ورجال الأعمال الذين ارتبطوا بأنظمة الاستبداد والطغيان في علاقة تزاوج غير شرعي بين السلطة ورأس المال .
• الرباط غير الشريف بين أنظمة القمع والاستبداد وبين أصحاب رأس المال غير النظيف حولت الثروتين التشريعية والمالية إلى هدر لا يعرف للقيم قيمة ومن ثم فقد حرم المجتمع من ثروته التشريعية كما حرم الشعب صاحب الحق الأول في الثروة المالية واكتفى النظام المستبد بان يرمى له بعض الفتات من ريعها المسلوب دون أن يكون لهم دخل حتى في استخراجها من باطن أرضهم.
• وإذا تواضعنا في القياس فإننا نقول "إن فقه الفقيه وعلم العالم وفكر المفكر هى المصانع التى تنتقل بمقاصد الشريعة وغاياتها وما تحمله من قيم لتحولها إلى منهج يعمل على إعادة انتاج وعي جديد يحلل الواقع بداية بالتشخيص ومرورا برسم المعالم العامة لهيكلية جديدة لمقاصد الشريعة لا تحكم فقط حركة السلوك لفئة بعينها ، وإنما تشكل إطارا مرجعيا لفكر اجتماعي يضم كل الشرائح ويثير همة العقل والإرادة في تحريك الركود الذى أصاب الشخصية العربية والمسلمة فأسلمها إلى حالة من الاتكالية والعجز والعيش عالة على الغير.
• فكر الفقيه وفقه المفكر هنا سلاح خطير، لأنه إما أن يحميك ويحتمى فيك ، وإما أن يُطْمِعَ الآخرين في السيطرة عليك واستغلالك والنيل من استقلالك، والحالة الثانية غالبا كانت هى القانون السائد في بلادنا الحرة المستقلة، بلاد المسلمين عموما وبلاد العرب الآجاويد على وجه مخصوص، حتى جاء الربيع العربي فأيقظ بالثورة أجفان الحياة الناعسة وجعلنا ندرك الفارق الضخم بين ما قالته المرأة الحديدية لولدها وبين ما قاله الرب الكريم لنبيه ومصطفاه " إقرأ بسم ربك الذى خلق"
• في القول الأول قراءة بغير دليل, وفي الثانى قراءة عن قصد ودليل وغاية .
• في الأول قراءة طابعها الأرض وغايتها في أحسن الأحوال تحسيين الأحوال في الدنيا "خبز حرية عدالة اجتماعية" وفي الثاني قراءة مصدرها السماء وغايتها إسعاد الإنسان وإصلاح الوجود وتكريم الحياة .
• في الأول قراءة ليست عن وصف معصوم في المصدر وفي الثاني قراءة في وحي معصوم ضمه كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون .
• في الأول قراءة بفكر مرتعش, يعيش على الأرض ولها يحيا ويكد، وفي الثانى قراءة بتوجيه وحى سماوى يرتبط بالملأ الأعلى وإليه يسعى وفيه يستقر ويسعد .
سمونا للسماء فنازعتنا هواتفنا إلى الأفق البعيد
ومن عشق السماء فلا تلمه إذا كره النزول الى الحضيض
وما يستوي الاعمى والبصير
ولا الظلمات ولا النور
ولا الظل وا الحرور
وما يستوي الأحياء ولا الأموات.
صدق الله العظيم.

المفتي العام للقارة الأسترالية
 

إقرأ ايضا