الشبكة العربية

الثلاثاء 24 نوفمبر 2020م - 09 ربيع الثاني 1442 هـ
الشبكة العربية

فقه الدعوة بين الأصول الشرعية والأفكار البشرية

دعوة الخلق إلى الله عبادة من أجلِّ العبادات ، وأهلها هم أحسن الناس قولاً ،كما قال تعالى: ( ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين ). [فصلت : 33] . وإذا استقر في أذهاننا هذا البعد التعبدي للدعوة إلى الله ،علمنا  أنه لا بد أن نلتزم فيها حدود النصوص الشرعية الواردة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ولا يمنع ذلك من أن يتخير الداعية من الطرق والأساليب ما يمكنه من تحقيق المصلحة الدعوية ،مستفيداً من تجاربه وتجارب غيره ،شريطة ألا تشتمل تلك الطرق والأساليب على شيء من المخالفة لنصوص الشرع الحنيف. وقد نبه علماؤنا في القديم والحديث على أنه لا يجوز تقديم ما قد يظنه العبد مصلحة على النصوص الشرعية المحكمة .وعلى أن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد يجب أن يكون كما يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله : ( بميزان الشريعة ، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها ، وإلا اجتهد رأيه لمعرفة الأشباه والنظائر )[ مجموع الفتاوى : 28/ 129]. وقال الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله في كتابه أصول الفقه (ص:241) ( ...وهكذا كل مصلحة تخالف النصوص المقطوع بدلالتها تكون غيرَ صالحة لأن تكون علةً لإثبات حكم ،فأولئك الذين يعتبرون المصالح التي استحدثتها أهواؤهم عللاً شرعية تهمل لأجلها النصوص قومٌ سُدى لا يلتفت إليهم ) .
وقد قرأت منذ فترة كتاباً صدر في بعض بلاد الغرب  تحت عنوان : ( دليل التدريب القيادي)، وهو كتاب يدعو إلى أن يستفيد الدعاة من الأساليب الحديثة في التنظيم والإدارة وغيرها .وليس لنا اعتراض على ذلك ، غير أني قد وقفت في ذلك الكتاب على واقعة ، أوردها الكاتب تحت عنوان ( الدعوة بين النظرية والتطبيق ) ،رأيت فيها ،مع تعليق الكاتب عليها ،نموذجاً يبين أهمية ما ذكرناه من ضرورة تقديم التأصيل الشرعي على ما قد يتوهم المرء بخبرته وتجاربه أنه من قبيل الحكمة ومصلحة الدعوة .
ملخص تلك القصة -التي لا أدري إن كانت حقيقية أم متخيلة - أن شيخاً كان يدرب طلابه على الدعوة إلى الله .فكان يُدَّرِسهم نظرياً لمدة ستة أشهر ، ثم يدربهم عملياً لمدة ثلاثة أشهر قبل أن ينطلقوا في مجال الدعوة. ولكنَّ طالباً متعجلاً رأى أنه تكفيه الدراسة النظرية وأنه لا حاجة به إلى التدريب العملي ، فانطلق رغم تحذير أستاذه يمارس الدعوة إلى الله. وذهب إلى قرية بعيدة فوجد خطيباً يخطب الجمعة ، ولكنه ملأ خطبته بالكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم  ، فما كان من الطالب إلا أن وقف بعد الصلاة صائحاً : إن هذا الإمام كاذب ، فرد الإمام بأن هذا الشاب كافر يستحق العقاب .فقام جمهور المصلين على الشاب فأوسعوه ضرباً ، فرجع إلى أستاذه بإصابات وكسور .فقال له شيخه دعني أُرِك مثالاً عملياً في الدعوة إلى الله.
وفي الجمعة التالية ذهب الأستاذ مع تلميذه إلى نفس المسجد ، وكرر الخطيب افتراءاته على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فما كان من الأستاذ إلا أن وقف بعد الصلاة وخاطب الناس قائلاً : إن خطيبكم رجل من أهل الجنة ، ومَن يأخذ شعرة من لحيته سيدخل الجنة.
وعلى الفور هجم الناس على الإمام ينزعون شعر لحيته بقوة حتى تركوه مدمى الوجه منتوف اللحية ،وعندئذ همس الشيخ في أذن الإمام : هل ستتوقف عن قول الأكاذيب على الله ورسوله ؟ أم تريد عقاباً أكثر ؟ وعندئذ انتهى الإمام عن أكاذيبه ، وأدرك الطالب خطأه ،وعرف قيمة خبرة الشيوخ وتجربتهم . وعلق صاحب الكتاب على ذلك بقوله : ( إن الهوة واسعة بين النظرية والتطبيق) .
ولعل النظرة العَجْلَى للقصة توحي للقارئ بمثل ما قصد راويها من إثبات خطأ ما فعله الطالب وصحة ما فعله الشيخ .بيد أنني أزعم أن النظرة الفاحصة الموزونة بميزان الشرع ستحكم على الشيخ وتلميذه بغير ذلك .
ذلك أن التلميذ ربما يكون قد أخطأ في ترتيب درجات الإنكار ؛ إذ بدأ بالقول الشديد ، وقد كان الصواب أن يبدأ بالرفق والتلطف في القول . أما الأستاذ فإننا يمكننا أن نحصر في أسلوبه عدداً من المخالفات الشرعية التي يهون أمامها - بل أمام واحدة منها- ذلك الخطأ الذي ارتكبه التلميذ . فمن تلك الأخطاء :
1-أنه قد أدَّب الرجل بنتف لحيته ، وذلك لا يجوز شرعاً ، لأنه تعزير أتى على مخالفة أمر الشارع بإعفاء اللحية ، قال الماوردي عند كلامه عن التعزير وأحكامه : ( ويجوز أن يُحلق شعره ، ولا يجوز أن تُحلق لحيته ).[الأحكام السلطانية ص : 390 ]. وجاء في كتاب الدليل وشرحه منار السبيل في باب التعزير ( 2/ 383) : ( ويحرم حلق لحيته ، وأخذ ماله ، وقطع طرفه ؛ لأن الشرع لم يأت بشيء من ذلك ) .
2-أنه لم يبدأ مع هذا الإمام بالوعظ والنصيحة ، وقد اتفق العلماء على أنه لا يد من تقديم الوعظ باللسان على التغيير باليد .
3- أنه ضلَّل الناس وكذَبَهم حيث أوهمهم أن شيخهم رجلٌ صالحٌ ،بينما هو في الحقيقة رجل يكذب على الله ورسوله .
4- أنه أدخل في أذهان الناس مفاهيم باطلة ،أو رسَّخها في عقولهم-إن كانت موجودة لَدَيهم - وأعني بذلك قضية التبرك بشعر لحية هذا الإمام ، فإن هذا الفعل لا يجوز .
5- أنه قد قال عن الخطيب إنه من أهل الجنة ، ولا يجوز في عقيدة أهل السنة والجماعة أن يُشهد على معين أنه من أهل الجنة أو أنه من أهل النار ، إلا من جاء بخصوصه نص شرعي.  ثم إن هذا القول كذب ولا شك ، وهذا الأستاذ أول من يعلم أنه كذب ؛ لأنه في قرارة نفسه لا يرى في ذلك الخطيب إلا أنه شخص يفتري على الله ورسوله .       
6-ومن الكذب أيضاً أنه جزم للمصلين بأن من يأخذ شعرة من لحية الرجل سينال الجنة ، وهو يعلم أن ذلك كذب .والعجيب أنه جاء ينكر على الرجل كذبَه ،فوقع فيما جاء ينكره .
 وبعد : فلا يقدح في صحة ما ذكرناه ما يبدو في ظاهر القصة من كون أسلوب الشيخ قد أتى بالثمرة المرجوة ،وهي إقلاع ذلك الخطيب عن أكاذيبه وافتراءاته ، فإنه حتى لو تحققت النتيجة المرجوة ،فإن ذلك لا يبرر مخالفة الشرع ، لأن الغاية في الإسلام لا تبرر الوسيلة . ثم  إن هذا الإمام لم يعلن للناس توبته من الكذب ، وإنما الظاهر أنه قد سكت في ذلك الوقت ،خوفاً من استمرار وقوع الأذى عليه ، ومَنْ يدرينا أنه لن يعود بعد ذلك لتكرير كذبه وافترائه ،خاصة وأن الأستاذ لم يقل لجمهور المصلين إن إمامهم كاذب، وأنَّى له أن يقول لهم ذلك ، وهو الذي زعم لهم أنه من أهل الجنة ؟ فالحقيقة أن الثمرة المرجوة لم تتحقق ، بل زاد تعظيم القوم لإمامهم ،وهذا سيُمكِّنه من الاستمرار في غيه وضلاله .   
وأخيراً نقول :إنه إذا كانت الهوة واسعةً بين النظرية والتطبيق ،فإن أوسع منها الهوة بين التأصيل الشرعي ،والاعتماد على التجربة البشرية وحدها في تقدير المصالح والمفاسد .


عضو رابطة علماء المسلمين

 

إقرأ ايضا