الشبكة العربية

الإثنين 16 ديسمبر 2019م - 19 ربيع الثاني 1441 هـ
الشبكة العربية

فقه الأولويات الغائب عن منطقتنا العربية

لو استعرضنا كثيرا من المواقف التي قُطعت لأجلها العلاقات وحوصرت بسببها الدول وجُيشت لها الجيوشٌ من الإعلاميين والباحثين والصحفيين وأنفقت لإتمامها ثرواتٌ كانت تنمية بلادنا أحوج إليها وأحق بها مما أنفقت خلاله دونما حسيبٍ أو رقيب. وإليكم بعض الأمثلة التي توضح الغياب المحزن لفقه الأولويات في قرارات ومواقف الأنظمة العربية .
أولا : الموقف من المقاومة الفلسطينية
لن أجد مثالاً صارخاً أبدأ به أشد من موقف غالبية الأنظمة العربية من المقاومة الفلسطينية حماس وأخواتها ، إنني لا أشك في قواي العقلية والذهنية بل وفي مروءتي أن العدو المتربص بنا هم الصهاينة المحتلين لأقصانا المبارك .
 لا شك أن مساندة المقاومة الباسلة على اختلاف مشاربها علاوة على كونه واجبٌ يمليه عليه انتماؤنا للإسلام ، ثم رابطة العروبة التي أنشئت جامعة الدول العربية عام 1949 لأجل القدس ، ثم رابطة الجوار لفلسطين المحتلة وحق النصرة المنصوص عليها في دساتير العالم للجار المعتدى عليه ، فإن الكثير من الأنظمة العربية_وللأسف_قد عمدت إلى شيطنة حركات المقاومة من خلال أجهزة الإعلام لديها ،و يكفيك مشاهدة إحدى نشرات بعض الفضائيات لتستشعر كمّ الإستفزاز والانفعال الذي أصابك بعد الشحنة الجبارة التي تحافظ عليها أدوات الميديا في بلادنا لتحملك على كراهية المقاومة وصب اللعنات عليها!! ناهيك عن البلادة القاتلة التي تبديها تلك الأنظمة تجاه محنة الفلسطنيين، تلك البلادة التي انسحبت على الجامعة العربية الموقرة والتي احترفت في الماضي بيانات الشجب والاستنكار ثم خرصت في الحاضر!!. وفي الوقت ذاته نرى مقدار ما وصلت إليه العلاقات الحميمية بين بعض الدول وبين الإحتلال الصهيوني حتى نطق نتانياهو مفاخراً بما وصلت إليه علاقة تل أبيب ببعض العواصم العربية مما كنا لا نحلم بمجرد التواصل معهم!!
هل من الأولويات في إدارة الأزمات أن نختصم المقاومة وهي السد المنيع_ إن شئنا_ بيننا وبين الصهاينة ؟! ،وبدلاً من تقويتها لتصبح ذراعاً خانقاً حول رقبة المحتل الصهيوني عمدنا إلى إضعافها وتشويهها !
هلّا استفدنا وتعلمنا من إيران في صناعتها لحزب الله حين وفرت له المال والسلاح والمساعدات اللوجيستية لتصنع ذراعاً شيعياً في المنطقة يلتف حول رقبة الكيان الصهيوني بل وحول رقبة الدول السنية نفسها ، وفي نفس الوقت ترانا نشيطن حركة المقاومة ذراعنا السني الذي حاولنا بتره لولا أن الله سلم !!  
ثانياً : التعامل مع حركات المعارضة الداخلية على اختلافها
لا يكاد تجد في محيطنا العربي دولة واحدة أو دولتين قامت باحتواء المعارضين لديها فضلاً عن الإستفادة بأفكارهم وطاقات الشباب المندرج تحت لواءهم بل العكس هو الصحيح فالأنظمة لا تتحمل المعارضة فلا تواصل ولا حوار سواءا كانت سنية وفي القلب منها التيارات الإسلامية أو كانت قومية أو حتى شيعية كما هو حال المعارضة في الدول الخليجية ، دائما التعبئة جاهزة من قوات وأجهزة أمنية وكأنها معركة تحرير لا هوادة فيها ! ، ولم يتطلب الأمر أكثر من الرغبة الصادقة في الإحتواء ، وحقٌ تراه تلك الحركات في التعبير عن رؤيتهم ناهيك عن الإحساس بالحرمان من الثروات والإستئثار بالأوطان وكأنها ضيعة قد توارثتها الأنظمة كابراً عن كابر!!
إن ضرورة الإحتواء علاوة على الإستفادة المرجوة من تلك الحركات هو عدم اهدار الطاقات وتوفير الجهد والمال في تخصيص الأجهزة التي لا تحسن غير ملاحقة هؤلاء والتنكيل بهم!،فإن في احتوائهم تفويت على الخارج من الاستفادة بهم وتأليبهم على أوطانهم بدعوى مساندة حقوق الإنسان، وإن الإحسان إليهم لتقوية الروابط بينهم وبين أوطانهم أولى من تخصيص الفضائيات والمقالات من أجل تشويههم ورميهم بالخيانة والعمالة.
ثالثاً : استقبال الربيع العربي
منذ أن أحرق البوعزيزي_رحمه الله_ نفسه غضباً لكرامته التي امتهنتها إمرأة حمقاء تعمل في البلدية التونسية، وقيام ثورة تونس ثم ثورات الربيع في الجوار العربي ، وقد تلخصت مطالب الثوار في حريتهم من الرق والعبودية وحقهم في ثروات بلادهم المنهوبة وأنه قد آن الآوان أن يحيوا حياة كريمة كما تحياه شعوب الدول الغربية ، لكن الأنظمة العربية_إلا القليل_ وقفت بالمرصاد كبراً واستعلاءاً ضد المطالب ورفضاً للتنازل عن إرثها في ثروات البلاد فإصطدمت بالثورة وصادرت حق مواطنيها في المطالبة بالحقوق بل وسارعت عدد من الدول_محبة لا أكثر!_بانفاق الأموال من أجل قتل الوليد وإفشال التجربة وكان الأولى بهم احتواء الربيع والإستفادة منه لتحقيق أكبر قدر من المكاسب وتجنب الصدام وعدم الإصرار على كل المكتسبات التي تحققت في الماضي في غفلة من الشعوب!
رابعاً : حصار وعزل دولة قطر
عجيبٌ أمر الأنظمة العربية والخليجية تحديداً خاصة في أمر خلافهم مع قطر ولجوءهم إلى خيار الحصار الذي ضربوه على الدوحة وتصعيد الأجواء وتوتيرالعلاقات فيما بينهم وعدم الإلتفات إلى نتيجته على الشعوب العربية وكان ذلك الحصار لسببين رئيسيين :
الأول : هو تبني النظام القطري التحول نحو الملكية الدستورية التي تشبه عدداً من الدول الغربية والرحيل عن الملكية المطلقة السائد ردحا من الزمان في منطقة الخليج  وهو ما سبباً انزاعجاً شديداً للإمارات الخليجية ، ثم التناغم مع موجة الحريات التي جاءت بها الثورات العربية وظهر واضحا في تغطية شبكة "الجزيرة" لفاعليات الثورات ، وعدم ممانعة النظام القطري في حق الإسلاميين في التواجد دون اقصاء.
الثاني : تلك الإمارة الخليجية التي لا تتحمل ملء خزائنها بالعملات والذهب فأوقفته حباً وكرامة! لؤاد الثورات ومحاربة الإسلاميين أشخاصاً وجماعات بل وجمعيات خيرية_ولا حول ولا قوة إلا بالله _فقامت بما لديها بشراء الذمم والضمائر"الخربة" من اعلاميين وصحفيين لا حظ لهم من الوطنية والمروءة قيد أنملة من أجل التهيئة لقتل الربيع وقمع الثوار وتشييد السجون _كما جرى في اليمن_ ثم وهو الأهم محاصرة الدولة القطرية ومعاقبتها على دورها في تشجيع الثورات والتبشير بالحريات وإيواء المطاردين والحيلولة دون رغبة الإمارة الشهيرة في صناعة نموذج للإسلام على المقاس الذي رسمته دوائر غربية سلفية مدخلية خانعة ومتصوفة يرقصون وينشدون بحب آل البيت والدعاء للحاكم وتجديد البيعة له! ، وحينما حوصرت قطر براً وبحراً وجواً جعلوا يشنِّعون بها لما قامت به من تعزيز العلاقة مع الدولة الإيرانية ومع تركيا تحديداً متهمينها بشق الصف العربي! وكأنه كان على الدوحة أن تستسلم للحصار وترحب بما قامت به دول الجوار .
خامساً الموقف من إيران
لا أحد يختلف على عداء ايران الصفوية لأهل السنة ورغبتها المتوحشة في نشر التشيع ، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هل حقاً ما تقوم به الأنظمة هو من أجل الحماية لمعتقدات شعوبها وحماية لمذهب الأغلبية السنية إن كان الأمر كذلك فأين هم مما يحدث للأحواز العربية؟! أم هو وللأسف تماشياً مع رغبة البيت الأبيض وتعليمات وزارة الخارجية وأجهزة السي أي إيه !!
لقد خسرت أمتنا العربية والإسلامية معاً ذلك الغياب المشين لفقه الأولويات في إدارة الأزمات حتى سرنا ألعوبة في أيدي من لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة .
 
 

إقرأ ايضا