الشبكة العربية

السبت 04 يوليه 2020م - 13 ذو القعدة 1441 هـ
الشبكة العربية

عيد الفطر في ظل كورونا ورسالة إلى العقلاء.


يأتي عيد الفطر هذا العام والعالم كله- والمسلمون جزء منه- في ظل جائحة جائرة وُظِّفَ فيها فيروس كورونا ليكون "حصان طروادة " في تسويق الخدعة واستعمل الزخم الإعلامي وخيال هوليود في تحقيق الهدف، وساعدهم في ذلك غياب اليقين العلمي حول الفيروس المستجد.
كل هذه العناصر أفرزت فرض تجربة هي الأولى من نوعها في تاريخ البشرية، تجربة نجحت تحت دافع الخوف على الحياة أن تُدخل عقل الفرد - والعقل الجمعي - أيضا سجن العزلة الاختيارية بإرادته.
واكتشف البعض وسيكتشف العالم كله أن فيروس كورونا لم يكن هو الجاني وحده في إثارة الرعب والفزع وتخويف الناس والتحكم الطوعي في حبسهم وتقييد حركتهم باختيارهم،وإنما شاركه فيروسات أخرى هي أكثر خطورة وأشد فتكا ، في مقدمتها فيروسات الأطماع والأنانية والرغبة في السيطرة على العالم بهدف التخلص من بعض سكانه أو من أغلبهم لا فرق ليخلو لأقلية سيطرت عليها شهوات التسلط والاستبداد ، وقهر الأجناس البشرية ، أقلية تحلم وتريد أن تأخذ دور الإله المزيف في قهر الأجناس البشرية لتحول من يتبقى منهم على قيد الحياة إلى عبودية جديدة لأهل الجنون الرأسمالي المهووسيين بتنميط العالم والسيطرة عليه وحكمه بحكومة واحدة، ومن طرف خفي

التجربة المريرة حرمتنا من المساجد في رمضان، لكن فضل الله علينا لم يحرمنا من شرف السجود له، فكان لكل بيت قبلته، وتحولت البيوت إلى مساجد عامرة بالذكر والتلاوات والتسبيح، ونحمد الله تعالى أن بلغنا رمضان ورزقنا الطاعة فيه والقدرة على صيامه وقيامه.
ثم جاء العيد والنفس تتوارد عليها خواطر الزمن بماضيه وحاضره ومستقبله القادم،
وحديث النفس عادة ما يمتزج فيه الواقع بأحلام المنى، ويختلط فيه الأمل الكبير بمرارة المعوقات التي تحول دون تحقيقه، لكن الإيمان الديني العظيم يمنحنا يقينا دائما أن دقيقة واحدة باقية في العمر هي أمل فسيح في رحمة الله، وما يعجز عن تحقيقه جيل تحققه بالقطع أجيال أخرى قادمة، ومدد الله في الزمان والمكان والأمة لا يتوقف أبدا.
وجيلنا والجيل الذي يليه حمل أمانة الدعوة في مجتمع المهجر، وأدى بكفاءة واقتدار، فكانت المساجد والمراكز والجمعيات والتجمعات، ومن ثمارها الناضجة كان مجلس الأئمة الفدرالي في استراليا، وكذلك كان موقع الإفتاء.
ومنذ اللحظة الأولى لوجودنا في مجتمع المهجر حرصنا ونحرص دائما على أن يكون وجودنا كمسلمين في مجتمع المهجر إضافة علمية وأخلاقية وحضارية، لكن ذلك كله لا يتحقق إلا إذا كنا كعلماء وأئمة بشكل خاص، ومعنا عموم المسلمين في مجتمع المهجر بشكل عام سندا لكل دعوة للتوحيد والوحدة والسلام والحب، كما نحرص أيضا أن ننتج هنا في استراليا دعاة من شباب ولدوا هنا ، وتربوا هنا، وهنا صنعت عقولهم، وهؤلاء يمكنهم أن يجددوا شباب الدعوة وأن يجنبوها شيخوخة الزمن، وركود الأفكار وعجز الرؤية عن تصور الواقع وتقديم حلول لمشكلاته ومعالجة الخلل الطارئ مع مرور الأيام.
وإذا صح لنا أن نخاطب جماهيرنا المسلمة في استراليا وفي غيرها من دول العالم بهذه المناسبة فإن هذا الخطاب يجب أن يحتوي في لبه ومضمونه مركزا وأطرافا.
مهمة المركز في هذا الخطاب أن يحدد الأهداف المراد للناس أن يدركوها أولا، ويحققوها ثانيا:
أما الأطراف في هذا الخطاب فهي الأفكار والآليات والوسائل التي تخدم على أهداف الخطاب فتشرح معالمه وتوضح طرقه وتحفز همة الفرد وتحشد طاقات المجتمع لتحقيقه وفي مقدمة تلك الأفكار" فكرة ضرورة وجود الرأس والرمز والمرجعية للأمة.
الرأس الحر: المؤمن بالحق والذي ينطلق في فكره وسلوكه منضبطا ومتحررا.
منضبطا بضوابط دينه في صدقه وعدالته وتجرده لله.
ومتحررا من قيود التبعية والطائفية والحزبية الضيقة.
أما الرمز فنقصد به النموذج والقدوة والمثال، النموذج في المعرفة، والقدوة في السلوك والتطبيق، والمثال في الحرص على الصالح العام ومن ثم فهو بما يتمتع به من خصال ومزايا يؤتمن بها على الدين والوطن معا.
أما المرجعية فهم مجموع العلماء - وتحديدا بهذا القيد والوصف -الصاقين الأحرار الذين يشكلون قاطرة لنهضة أمتهم ولا يتخلون عن دورهم ليذوبوا في سطلة، وهؤلاء هم من يقودون الناس إلى الله بخطوات مسددة، وهم من يدفعون الناس دفعا للنهوض بالمجتمع، وهم من يحولون بفكرهم ساحات الحياة وميادينها إلى محراب عبادة، وهم من يقودونالتحولات الكبرى في الأمة نحو الإقلاع الحضاري وهم من يسعون دائما لتحرير الناس من كل عبودية زائفة تغتال كرامتهم وتصادر حريتهم وتسلبهم حقوقهم ، لذلك تحرص كل أنظمة الطغيان والاستبداد على تهميش وجودهم ،و تحجيم دورهم، ومنع تأثيرهم من الشيوع والانتشار.
ولا مانع لديها أن تسلك كل السبل في سبيل تحقيق ذلك بداية من محاولة إغوائهم وإغرائهم بمنح مباهج الحياة لهم، أو تهديدهم ومطاردتهم بمنع الحياة عنهم.
ذلك هو مركز الخطاب ولبه،
أما الأطراف التي تخدمه وتحافظ عليه وتقدم له الدعمفي صورتيه المادية والمعنوية ففي مقدمتها الوعي والسعي.
الوعي بضرورة وحدة المجتمع وحماية نسيجه العام ولحمته الوطنية من التصدع والتمزق والضياع، ومن ثم وجب تحذير الناس من أن يعيشوا في الخَلْفِ أو في الخُلْفِ.ففي الخَلْفِ غياب وتخل، وليس مكانك أيها المسلم هناك، وفي الخُلْفِ تمزق وضياع وشتات، وسقوط إلى سواء الجحيم، وأعيذ المسلمين بالله أن يسقطوا فيه.
لابد للمسلم من أن يكون جزءا من وعي يرفض الظلم والطغيان في كل أشكاله وصوره التي لن تكون إلا قبيحة.
وعليه أيضا أن يكون جزءا من سعي يدفع الناس إلى العمل والكرامة والحرية،
وعلى ضوء ذلك التوزيع والربط في الخطاب بين المركز والأطراف أقول للزملاء والدعاة والعلماء في مجتمع المهجر تحديدا دينكم يواجه كثيرا من التحديات التي تحاول أن تحجب نوره وتعيق حركته، وربما تحاول وقف نشاطه ومنع قيم الهداية والنور فيه من الانطلاق لعقول الآخرين وقلوبهم.
نماذج هذا التحدي كثيرة وأنتم خير من يرصدونها ويعرفونها.
أساليب هذا التحدي تفتقد الدليل والمنطق، لكنها تملك أدوات العصر وآلياته وتوظفها بذكاء خطير.
ولذلك نحتاج أن نقدم الإسلام في صورته الحقيقية، لا كما تصوره دوائر المكر السيئ، ودوائر الشرور التي تملأ الأفق بحديث الكراهية والعنف وتحض عليه.
ولتصحيح الصورة وإنقاذ الضحايا من وهم الخوف من الإسلام دينا وأتباعا نحتاج أن نعيد النظر في صياغة وأساليب دعوتنا وخطابنا، لتنتفي عن الدين الحق وعن المسلمين تهمة الشراسة والعنف والعدوان لذلك يجب على المسلمين أن يبعثوا برسائل طمأنة بأن يكونوا جزءا من مجتمعهم الأسترالي وعليهم أن يبادلوا بلدهم حبا بحب، وعطاء بعطاء، ووفاء بوفاء.
عليهم أن يجعلوا أمن هذا البلد جزءا من ثقافتهم ورسالتهم، وأن يجعلوا من العمل على تقدم استراليا جزءا من مسؤوليتهم الدينية والأخلاقية، فالوطن يستحق الوفاء والولاء والعطاء. فليحرص المسلمون على حمايته ليحتموا فيه.
عليهم أن يقدموا الإسلام رحمة تعالج شقاء البشر، وعلاجا يضمد جراحهم ويشفي آلامهم.
عليهم أن يقدموه زهورا تملأ الأرض عطرا وتحول القيظ ربيعا.
عليهم أن يقدموه فكرا يطهر الأرض من جراثيم الاستبداد، ويحول صحراء العقول الجامدة إلى روضات وجنات.
عليهم أن يقدموه حبا يحتضن مشاعر كل الناس، ويفيض عطفا على الجيران في المسكن والصاحب في السفر والجليس في القطار والزميل في العمل والشريك في كل مرافق الحياة.
أمزجوه أيها المسلمون بفكركم وسلولكم لتتحول حركتكم إلى عصارة حية تخضر بها عقول الأجيال القادمة، وتتفتح بها زهور المستقبل الواعد لبلدنا وأمتننا في داخل استراليا وخارجها.
عيشوه قيما أخلاقية ليراه الناس مجسدا في صدقكم، وطهارة حركتكم ونزاهة مواقفكم ورقي سلوكم وشرف مقاصدكم وسمو غاياتكم في خدمة الإنسان.
قدموه أمانا للقلوب المضطربة وللنفوس القلقة والأرواح الشاردة يملأ الآفاق بتراتيل المحبة، ويزين الأرض والسموات بأكاليل السلام.
قدموه صديقا للإنسان يجبر كسره إذا أخطأ، ويقيل عثرته إذا تعثر، ويمسح التراب عن وجهه إذا سقط، ويأخذ بيده ليعاود الوقوف من جديد، ويمنحه بالتوبة دورا جديدا مليئا بطهر الحياة وشرفها.
قدموه دينا يملأ الوجود بالحياة والحركة، ويملأ العقل الإنساني بالمعرفة والعلم، ويشيد بناء القلب والوجدان بإيمان راسخ يربط بين الأرض والسماء، ويمزج بين عالم الغيب وعالم الشهادة، ويزاوج بين قوة المادة وطاقات الروح، ويحمي الحضارات بسياج الأخلاق والشرف وتحقيق العدالة، ولا يتخلى أبدا مهما كانت الصعاب والتحديات عن الولاء لله.
علينا أن نقدم الإسلام في صورته النقية والحقيقية كمؤسس للحضارة الإنسانية، وحاضن للعلم، وراع للعقل البشرى وحصن للحريات.
قدموه ضامنا لكرامة الإنسان- كل الإنسان.
قدموه نصيرا للمظلومين وخصما للظالمين ورادعا للمعتدين.
قدموه عدوا للفقر والمرض والجوع، وكل ما يذل كرامة البشر ويهين إنسانيتهم.
قدموه كما هو منهجا للعدل وحماية للناس وعمارة للكون.
قدموه صديقا للمنطق لا نقيضا له، وباعثا يوسع دوافع الخير في الناس والأشياء.
ويقلص دوافع الشر ويحاصرها في الناس والأشياء.
قدموه منقذا للأخلاق والقيم الإنسانية الرفيعة.
قدموه دعوة لسعادة الحياة لا لشقائها.
قدموه دعوة إلى الحركة لترشد وتستقيم، ودعوة إلي اللسان ليكف أذاه ويعف، فلا ينطق إلا حقا، ولا يقول إلا صدقا.
قدموه على أنه بناء للحياة وليس هدما لها، وعمارة للكون وليس تخريبا له، وصلاحا للوجود وليس إفسادا فيه.
قدموه أدبا رفيع المستوى، وعفة لا يخدشها فجور، وسموا يرفض السقوط والتدني، وشرفا يرفض المساومة ويأبى المتاجرة، وأن يباع أو يشترى.
قدموه عزة ترفض الخضوع والخنوع والذل، وولاء لله لا يباع بمليء الأرض ذهبا، ولا يتخلى صاحبه عنه مهما كانت التضحيات ولو بلغت مثل سعة الأرض حرابا وعذابا.
قدموه دعوة للسلام ترفض الحروب، وتدين تجارها وسماسرتها، ودعوة للأمن ترفض العنف والإرهاب وترويع الناس.
قدموه واحة للمحبة، وساحة مفتوحة الميدان للفكر والثقافة وكل ما يرقي الإنسان ويطهر وجوده ويصحح رسالته ويُرَشِّدُ دوره.
قدموه منهجا للنظام والضبط الإرادي العظيم الذي عجزت عن إبداع مثله كل أنظمة الحياة القانونية والأمنية،
قدموه على أنه منهجا لاستثمار الطاقات الإنسانية ودافعا لقوى الإبداع فيها لتتقدم وتجدد وتضيف.
قدموه هداية للناس وبشرى لهم بحياتين سعيدتين واحدة هنا، والأخرى هناك في الجنة
قدموه على أنه دعوة إلى العقل ليفكر ويهتدى، ودعوة إلى القلب ليؤمن فيطمئن، ودعوة إلى الوجدان ليمتلئ حبا وفرحا. .......هذا هو دينكم فقدموه رحمة للعالمين.

جاء عيد الفطر في ظل كورونا وأوحي بتلك الخواطر، فكل خواطر وأنتم في أمان ، وكل كورونا وأنتم بخير. 

                                         المفتي العام للقارة الأسترالية
 

إقرأ ايضا