الشبكة العربية

الأربعاء 08 يوليه 2020م - 17 ذو القعدة 1441 هـ
الشبكة العربية

عن تجربة مرسي والإسلاميين والديمقراطية وصحيفة المصريون (1)

هناك لبس واضح لدى الإسلاميين بمقتضى الممارسة الديمقراطية وقوانينها والتزاماتها الأخلاقية والعملية ، وبعيدا عن فئة قليلة منهم ما زالت ترفض الديمقراطية وتراها شركا لأنها تجعل التشريع للناس وليس لله ، حسب فهمهم ، إلا أن حديثي هنا عن القطاع الأوسع من الإسلاميين الذين قبلوا بالديمقراطية ، وقرروا المشاركة وفق معطياتها وقوانينها الحاكمة للممارسة .
وقد تبدى ذلك اللبس بوضوح شديد في الفترة التي أعقبت ثورة يناير ، وانفتاح الأفق السياسي على الديمقراطية بصورة لم يسبق لها مثيل في مصر منذ انقلاب العسكريين في يوليو 1952 الذي صادر التعددية السياسية وحل الأحزاب وأمم الإعلام وألغى المجتمع المدني .

 كان من بركات ثورة يناير أن اندفع الإسلاميون للانخراط في التجربة الديمقراطية ، حتى السلفيون الذين كان يضعون المؤلفات في "كفر" الديمقراطية ، فككوا الأفكار القديمة وأسسوا أحزابا ، وشاركوا في الانتخابات بكل مستوياتها ، ولولا الانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013 ، الذي قطع الطريق على المسار الديمقراطي الجديد ، لأمكن للإسلاميين في مصر أن يراكموا خبرة سياسية مهمة جدا ، تساهم في ترسيخ السلام الاجتماعي وتعميق ثقافة التعددية السياسية في مصر .
نجح الإسلاميون بالوصول بمرشحهم الدكتور محمد مرسي إلى رئاسة الجمهورية ، في مفاجأة ضخمة أذهلت العالم ، من حجم المشاركة ، ومن شفافية إدارة العملية الانتخابية ، وأيضا من الممارسة السياسية والإعلامية التي صاحبت تلك الانتخابات والمناظرات العلنية والنقاشات الحرة المفتوحة لأقصى مدى ، وكان مشهدا غير مسبوق في تاريخ مصر والمنطقة العربية بكاملها ، كما كان صدمة شديدة للمؤسسة العسكرية وأجهزتها في مصر ، والتي صعب عليها أن تتعامل مع رئيس مدني وتقدم له الطاعة الدستورية ، فضلا عن أن يكون من التيار الإسلامي ومن الإخوان المسلمين .

بدون الخوض في تفاصيل ، لم يوفق الرئيس في ترويض المؤسسة العسكرية والدولة العميقة وفشل في السيطرة على أجهزتها ، لأسباب عديدة قد يأتي الوقت المناسب في المستقبل لعرضها بالتفصيل ، ولا يمكن بأي شكل من الأشكال نفي التآمر على الرئيس المنتخب من داخل مصر وخارجها ، وتعمد عرقلته وإرباكه ، لكن لا يمكن أيضا نفي سوء الإدارة لشؤون الدولة ، وخاصة من الكوادر الإخوانية التي وظفها الدكتور مرسي في رئاسة الجمهورية وفي مواقع عديدة في الدولة ، والفشل في إدارة عملية التواصل السياسي مع القوى السياسية الأخرى واحتواء شكوكها وقلقها ، فضلا عن سوء إدارة عملية التواصل مع النخب الإعلامية والصحفية والثقافية والمدنية وشباب ثورة يناير ، مما أدى إلى وجود مناخ شعبي ضخم معادي للرئيس والجماعة ، وهو مناخ ساعد الأجهزة الأمنية في تحقيق مرادها في النهاية من إزاحة مرسي عن السلطة ، وإخراج الانقلاب في صيغة حراك شعبي .

في تلك التجربة الصاخبة ، كنا في صحيفة المصريون نقف في بدايتها بكل قوة مع تجربة الرئيس المدني المنتخب ، وأذكر ، ويذكر زملائي في الصحيفة ، كيف كان صراخنا الهستيري لحظة إعلان لجنة الانتخابات فوز الدكتور محمد مرسي بمنصب رئاسة الجمهورية ، كنا نضرب رؤوسنا في جدران المكتب غير مصدقين ، ونتبادل الأحضان والبكاء يغمر الجميع من فرط السعادة ، بأن مصر أخيرا أصبحت على أبواب الدولة المدنية ، وعهد جديد مفعم بالأمل ، كما كان الرعب يقتلنا من كابوس أن ينجح شفيق ويعيد انتاج نظام مبارك وتنهزم الثورة ، ونشرت مقالي في اليوم التالي لإعلان فوز مرسي بعنوان "يوم عيدك يا مصر" .
وعلى مدار حوالي سبعة أشهر ، كانت الصحيفة تدافع عن التجربة بكل قوة ، وتحمي ظهرها ، وتعمل كلسان حال الرئاسة ، ليس من أجل مرسي ولا الإخوان ، فطوال عمري وأنا ضد الإخوان ولا أقتنع بهم سياسيا ، وهم يعرفون خلافي القديم الجديد معهم ، وإنما من أجل الديمقراطية وتجربة الحكم المدني والتأسيس لتعددية سياسية ناضجة تحمي عملية التداول السلمي للسلطة ، وتنهي فكرة الحكم العسكري الذي جثم على قلب مصر طوال قرابة ستين عاما ، كما كان دفاعنا عن التجربة هو ولاء بديهي لثورة يناير ومخرجاتها .

في نهاية تلك المرحلة بدأت الممارسات تضطرب بشدة ، وملامح البصمة الإخوانية تظهر بوضوح في أكثر من موقف وسوء إدارة المشهد السياسي تتفاقم مع الوقت ، وبدأ يسيطر علينا قلق كبير ومخيف من ضياع التجربة وضياع الثورة نفسها وضياع كل شيء ، ومن لحظتها بدأنا ننتقد تلك الممارسات ، وننبه لها بلطف وهدوء ، فلم نتلق سوى الشتائم وقتها والاتهامات ، ونسوا كل ما فعلناه ، وأذكر وقتها أني كتبت مقالا شهيرا بعنوان "ولكن لا تحبون الناصحين" ، وحذرتهم مما يحدث تجاه مؤسسة القضاء ، وعدم هيكلة وزارة الداخلية وضعف التواصل مع القوى السياسية وتمكين فلول نظام مبارك من مفاصل مهمة في الإعلام والسياسة ، ونصحتهم بتشكيل حكومة ثورة من رموز ثورة يناير بقيادة الدكتور محمد البرادعي ، تكون مصدات رياح ومانعة صواعق أمام التحرش الواضح بالثورة وبالتجربة وتحول بين العسكر وبين اللعب بالشارع ، فسخروا من المقترح وهاجموه بشدة ، وأمور أخرى عديدة لا مجال لبسطها هنا ، ولا نقصد لذلك هنا أساسا .
في ذلك الوقت كانت لنا رسالتان متمازجتان لا تنفصلان ، الأولى هي معارضة الحكومة القائمة ومناصحتها ونقدها بشدة إن لزم الأمر ، حتى لا نخالف ضميرنا الوطني ونخون ثورة يناير ، والثانية الدفاع عن شرعية الرئيس المنتخب والتأكيد على حقه في استكمال مدته الانتخابية أربع سنوات ، والتأكيد على أن الرئيس أتى بالصندوق ولا يمكن أن يذهب إلا بالصندوق ، وأن شرعيته الدستورية خط أحمر ، وأن على كل من يعارضه أن يفهم ذلك ويحترم ذلك ، وظل الخطان متمازجين حتى آخر يوم من حكم مرسي ، وأذكر أني سجلت ذلك بوضوح كاف في حلقة تليفزيونية في برنامج كنت أقدمه في قناة الجزيرة بعنوان "على مسؤوليتي" ، وفيها تفصيل واضح للتأكيد على الخطين ، حق من يعارض مرسي ومن يتظاهر ضده ، وحق مرسي في شرعيته الدستورية ، وتم بث الحلقة قبل أسابيع قليلة من إطاحة مرسي .
حلقة "على مسؤوليتي" لجمال سلطان بقناة الجزيرة قبل عزل مرسي بأسابيع قليلة


جرى ما جرى بعد ذلك ، وتم عزل مرسي ، وتم الغدر بثورة يناير بالكامل ، وإعادة سيطرة المؤسسة العسكرية على السلطة من جديد ، كما حدثت مذابح دموية ، وكل ذلك هيج المشاعر وخلط الأمور ، لكن المشكلة هنا أن مؤيدي مرسي ، وخاصة من جماعة الإخوان ، استغلوا لذلك لتشويه معارضيهم ، ونسبة أباطيل كثيرة لهم ، في زحمة الأحداث وزحمة المشاعر الغاضبة ، وتعمدوا خلط الأمور ، واتهام كل من عارض مرسي بأنه خان الديمقراطية وحرض على إسقاط الرئيس المنتخب وكان خنجرا في ظهره ، إلى آخر هذه الاتهامات ، رغم أن ما يقولونه هو الذي يمثل خيانة للديمقراطية ، لأن مقتضيات الديمقراطية حفظ حقك في المعارضة كما تحفظ حق من يوالي ، وليس معنى أن هذا رئيس من شيعتي أن أمتنع عن انتقاده أو معارضته ، هذه تكون خيانة للديمقراطية .
والأسوأ هو الترويج لخرافة أنني وصحيفة المصريون كنا نحرض على الانقلاب على الرئيس المنتخب ، والحقيقة أن خلط ما جرى بعد 3 يوليو مع ما جرى قبل عزل مرسي ، وبقاء هذا الوعي المغلوط خطير جدا ، لأنه يعيد انتاج شكوك الآخرين حول مدى إيمان الإسلاميين بالديمقراطية فعلا ، أو طرح الشكوك حول التزام الإسلاميين بالديمقراطية فقط إذا أتت بحكومة ورئيس من شيعتهم ، أما إن كان من قوى أخرى مخالفة لهم فيتم العمل على إسقاطه ، أو أنه إذا كانت الحكومة والرئيس من شيعتنا فلا يجوز معارضته ، حتى لا يستفيد الخصوم السياسيون من تلك المعارضة ، كل ذلك سوء فهم للديمقراطية ، ومصادرة على أساسياتها .
لقد عارضنا مرسي في الأشهر الأخيرة بقوة ، وهذا حقنا وتلك مسؤوليتنا الأخلاقية والوطنية ، ولكننا في نفس الوقت كنا واضحين تماما في الدفاع عن شرعيته وعن حقه في استكمال مدته الانتخابية أربع سنوات ، وأنه أتى بالصندوق فلا يذهب إلا بالصندوق ، وأن ذلك خط أحمر لا يمكن تجاوزه .
ونستكمل الحديث ، بإذن الله ، عما حدث في 3 يوليو وما بعدها .
 

إقرأ ايضا