الشبكة العربية

الأربعاء 23 أكتوبر 2019م - 24 صفر 1441 هـ
الشبكة العربية

عن اردوغان ونبع السلام والقضية الكردية


يقول الحكماء قديما ، الحكم على الشيء فرع عن تصوره ، فعندما تغيب عنك حقائق أولية في القضية الكردية في تركيا ، وأن تجهل تاريخ تلك المنطقة بالأساس ، فهذا يفترض أن يجعلك أكثر تواضعا وأقل اندفاعا في إطلاق الأحكام العامة والشاملة على بعض ما يستجد من أحداث ، فضلا عن أن تتخذ "جهلك" مرجعا لمحاكمة ضمائر الآخرين ، وإلقاء التهم على هذا أو ذاك بالارتزاق أو العمالة ، لمجرد أن رأيه مختلف مع "جهلك" ، وفي عجالة أسجل هذه النقاط الضرورية لأي حوار يتعلق بحملة "نبع السلام" التي أطلقها الجيش التركي في شمال شرق سوريا .

لو احتل اردوغان شبرا من سوريا لكنت أول من يهاجمه . نقطة ومن أول السطر .
عندما تكون جاهلا بألف باء القضية الكردية وتاريخها في سوريا والعراق وإيران وتركيا ، يفضل أن تحترم نفسك وتصون عقلك عن أن يرتع مع الحمقى والسفهاء
هذه ثالث حملة يطلقها الجيش التركي خلال السنوات القليلة الماضية في شمال سوريا ، وفي كل مرة يتم تطهير المنطقة من المسلحين والإرهابيين ، وتسليمها لإدارة سورية مدنية منتخبة ، مع دعم المناطق بإنشاء مستشفيات ومدارس ورصف طرق وخلافه ، بما يسمح بعودة مئات الآلاف من اللاجئين السوريين في تركيا لبلادهم أو حماية الموجودين والحيلولة دون اضطرارهم للجوء ، وتركيا تتحمل عبء استضافة أكثر من أربعة ملايين لاجئ سوري ـ شعب بكامله ـ طول بقائهم تسبب في مشكلات سياسية واجتماعية وإنسانية معقدة يعرفها كل من يعرف المجتمع التركي عن قرب .

الحملة الجديدة أعلنت بوضوح وتكرار ، من قيادات سياسية وعسكرية تركية فضلا عن الرئاسة ، أنها ملتزمة بوحدة الأراضي السورية ، وحماية المدنيين ، وتسليم المناطق المحررة لقوات الثورة السورية وإدارة مدنية سورية منتخبة .
حملة "نبع السلام" العسكرية تحظى بإجماع تركي نادر ، من اردوغان وخصوم اردوغان ، من حزب العدالة والتنمية الحاكم والأحزاب المعارضة له ، هناك إدراك تركي واسع بخطورة ما يجري على حدود الدولة الجنوبية ومحددات أمنها القومي ، ومخطط أمريكي أوربي لإقامة "إسرائيل" كردية في خاصرة تركيا وسوريا والعراق .

الميلشيات المسلحة الكردية قتلت أكثر من أربعين ألف تركي ، ما بين مدني وعسكري طوال الثلاثين عاما الأخيرة ، في حملتها المتواصلة على الجيش التركي والحكومات التركية المتعاقبة من قبل اردوغان بعشرات السنين ، فالقلق التركي من نشاط تلك الميليشيات ليس ترفا ، بل إدراك لخطر حقيقي وتاريخي يهدد الأمن القومي التركي في صميمه .
اجتماع إسرائيل وأمريكا والسعودية والسيسي على الهجوم العنيف على حملة نبع السلام التركية تساعدك على تحديد بوصلة الرؤية أو على الأقل تدعوك للمراجعة
حزب العمال الكردستاني الإرهابي المسلح وشقيقه السوري لا يمثلان الأكراد كما أن داعش لا تمثل الإسلام السني ، حتى لو انتمى الاثنان إلى نفس المكون العرقي أو الديني .
الشمال الشرقي لسوريا ـ منطقة عمليات نبع السلام ـ ليس منطقة كردية ، التواجد الكردي بها كبير ، لكنها مناطق عربية سنية بالأساس ، وغالبية سكانها عرب سنة ، حتى بعد أن قامت الميليشيات الكردية المسلحة بتهجير مئات الآلاف من سكانها قسرا .

ما يفعله الجيش التركي الآن في سوريا من تطهير لمناطق حدودية في دولة جوار تعلن صراحة دعمها وتدريبها تسليحها لميليشيات مسلحة تستهدف تركيا ، فعله الجيش المصري في ليبيا أيام السادات والآن وفعله الجيش السعودي في اليمن وفعله الجيش الليبي في تشاد وفعله الجيش السوداني في تشاد وفعله الجيش العراقي في إيران وفعله الجيش السوري في لبنان .. إلى آخره ، فتأمين الدولة لحدودها وتطهير جيوب مسلحة في دول الجوار تشكل خطرا على أمنها القومي من قواعد السياسة الدولية البديهية ، والعاجز وحده هو من يتردد أو يمتنع عن هذا العمل .
سوريا اليوم محتلة فعليا ، من الجيش الروسي ومن الجيش الإيراني "الحرس الثوري" ومن ميليشيات حزب الله اللبناني ومن الجيش الأمريكي ، وهناك تقاسم لمناطق النفوذ والاحتلال وتوزيع للمدن السورية بين تلك القوى ، فحديث الجامعة العربية أو بعض الأصوات الصاخبة عن السيادة السورية في تلك اللحظة أشبه بالكوميديا السوداء ، كما أن الصمت المطبق على كل تلك الاحتلالات ، وادعاء الوطنية والعروبة عندما يتحرك الجيش التركي لتأمين حدوده يقترب من فضيحة.

أن تطلب من كاتب أن يوافقك الرأي ويتخندق في خندقك وإلا كان مرتزقا أو عميلا هو ابتزاز فكري رخيص يتنزه عنه شرفاء القلم والفكر والسياسة .
جميع من هاجموا اردوغان بعد حملة نبع السلام هم أنفسهم الذين هاجموه من قبل وشيطنوه ووصفوه بالديكتاتور الدموي ، فالموقف شخصي أو ايديولوجي ، وليس نفرة للأخلاق والمبادئ والحقوق ، سواء كانت "نبع السلام" أم لم تكن .
 

إقرأ ايضا