الشبكة العربية

الجمعة 30 أكتوبر 2020م - 13 ربيع الأول 1442 هـ
الشبكة العربية

عُزلة الأغنياء

أذكر أنا ولا ينسى أهل قريتي رجلًا غنيًا عاش ومات بين الناس. بيته كان ومازال وسط بيوت الناس. أبناؤه وبناته وأحفاده عاشوا ومازالوا يعيشون بين الناس. يأكلون ما يأكل الناس. يشربون ما يشرب الناس. ويلبسون مايلبس الناس. كان أول من امتلك السيارة المرسيدس، لكن أبدًا لم تعزله المرسيدس عن الناس. كان زارعًا وتاجرًا وبانيًا. كل عمله مع الناس ويخدم الناس. كان يساعد الفقير والمحتاج، وفي موقف مشهود دفع مبلغًا كبيرًا من جيبه لحل نزاع بين ناس وناس. أبناؤه كانوا يتعلمون في مدارس يتعلم فيها أبناء كل الناس. وأبواب المدارس كانت مفتوحة لكل الناس. هو نفسه ساهم في إنشاء مدارس يتعلم فيها الناس. ومع المدارس بنى مسجدًا يصلي فيه الناس. وأرض يمكلها بنوا عليها نقطة شرطة لحماية أمن الناس. كان الرجل الغني رحمه الله وأسكنه فسيح جناته يؤدي دوره على أكمل وجه لذا عم نفعه وكثر خيره. كنا نشهد علاقة سوية في مجتمع لا تفرقة فيه بين ناس وناس. كان مجتمعًا بلا طبقية، ولا ترسبات نفسية واجتماعية. مجتمع تهبط فيه الأحقاد إلى المستوى الأدنى لأن حياة الناس متشابهة إلى حد كبير. مجتمع يعيش حالة طبيعية وآمنة، فيه الغني وفيه متوسط الحال وفيه الفقير، لكن لا حواجز بينهم ولا صراعات ترتبط بأحوالهم المادية، ولا تمييز بينهم في مرافق وخدمات معيشية.  نعم تغيرت الأحوال عبر السنوات في قريتنا مثلما تغير العالم كله، وتغيرت النفوس في قريتنا مثلما تغيرت النفوس في العالم كله، لكن على كل حال مازال يعيش الجميع في قريتنا على أرض واحدة وبدون أسوار. ماذا يحدث عندما تُضرب الأسوار بين الأغنياء وبين غيرهم؟ الأسوار المادية سيتبعها أسوار نفسية، هذه أول القصيدة. الغنى سينظر نظرة فوقية إلى غيره من أعلى السور، وسينظر غيره إليه نظرة دونية وهو يقف عند أسفل السور. في أكثر الحالات وبدون تعميم سيفقد الطرفان ودهما ويتعاملان مع بعضهما البعض بقدر كبير من التوجس والريبة، ولن تخلو العلاقة في أكثر حالاتها من كِبر أو حقد. لن يجتمعوا على مائدة واحدة، ولن توحدهم أهداف واحدة، وستختلف وجهتم وهم على مركب واحد! المجتمع يصبح مجتمعين وربما أكثر. الأكثر من هذا لو تفاوتت الامكانات بين الطرفين في مستوى المعيشة والتعليم والصحة ..الخ فيحصل الأغنياء على مايطلبون أو يحلمون بينما يحصل غيرهم على أقل مما يطلبون أو يحتاجون فنحن أمام حالة تنذر بخطر داهم . وإذا عرفنا طبقًا لقاعدة 20/80 المشهورة أن نسبة الأغنياء عادة وفي كل مجتمع لا تزيد عن 20%  يمتلكون 80 % من موارده، والآخرون يشكلون 80% من المجتمع يعيشون على 20 % من موارده، فلنتصور حجم المأساة. سيفقد المجتمع الكثير من الفرص والمواهب والكفاءات والترابط والأمن والسلام.  الاختلاف بين الناس في الأرزاق أمر مسلم به. سنة الله في خلقه، لكنها سنة تبني ولا تهدم. فطرة الله التي فطر الناس عليها إذا ظلت على حالها دون تغيير أو تبديل، وإذا كانت الأجواء التي يعيشها الناس لا تدعم فكرة الأسوار فلن يتحول الاختلاف إلى سبب للصراع أو الخلاف، ولتجنب المجتمع شر الاختلاف وانتفع بخيره. كيف ينتفع بخيره ويتجنب شره؟ بالعدالة والمساواة ، بالتعاطف والتكافل، بمشروعات ينتفع بها الغني، وتذهب محصلتها إلى الفقير. تعامل الاسلام مع قضية الغنى والفقر بعدل وحكمة وعمق كبير. خاطب النفوس قبل أن يتحدث عن ( الفلوس) ! لم يعزل الاسلام الأغنياء عن الفقراء، لو عزلهم لما قامت للاسلام حضارة ولمات الاسلام في مهده، لكن ربط بينهم بحبل وثيق، حبل عطف ومودة وإحساس ونفع متبادل، حتى أن الاسلام يخلق عند الغني شعورًا بأنه في حاجة إلى الفقير أكثر من حاجة الفقير إليه !!

د. عبدالله ظهري 
Facebook: elbarjal 
 

إقرأ ايضا