الشبكة العربية

الخميس 23 مايو 2019م - 18 رمضان 1440 هـ
الشبكة العربية

عبدالناصر.. يحمل السلام لإسماعيل ياسين!!

ذات مرة وبينما كان الرئيس جمال عبدالناصر في زيارة لدولة المغرب ، وقد حَظِيَ بإستقبال حافل من الجمهور المغربي، وإذا بأحد المغاربة يستأذن ويطلب أن يُسلم علي زعيم القومية العربية ، وعندما اقترب المغربي من الرئيس المصري ، ألحَ عليه بألا ينسي"توصيل السلام للفنان إسماعيل ياسين"، فضحك عبدالناصر، وإندهش كثيراً من مطلب الرجل المغربي ، ولكن الرئيس المصري أدرك - وقتها - أهمية الفن كأداه هامة ذات قوة خارقة وتأثير عظيم بشأن مخاطبة وإقناع عقول الشعوب..خاصةً البسطاء وأصحاب الطبقات الشعبية ، الذي يعشقون فنانيهم ويقتدون بهم أحياناً كثيرة ويقلدونهم في البيوت والطرقات والحواري.
وربما أن مطلب المواطن المغربي ، قد أثار غضب أو ضيق عبدالناصر وقتها ، ولعلَ الزعيم قد أسرَ ذلك في نفسه ولم يبدِه لأحد ، فكيف لمواطن بسيط من عامة الشعب المغربي ، أن يطلب من الزعيم عبدالناصر ، أن يكون مرسالاً له ، أو حاملاً سلامُهْ إلي" مشخصاتي" ، إلا أن عبقرية المونولوجست إسماعيل ياسين جعلت شعبيته تتسع عالمياً حتي أنها أدهشت جيل زمنُه والأجيال التي تعاقبت علي الأزمان والعصور حتي وقتنا هذا .
وبسبب ذكاء عبدالناصر وفطنتُه ، فإنه أصدر توجيهاته لإسماعيل ياسين ، - حسبما صرَح سالفاً المخرج الراحل ياسين نجل إسماعيل ياسين - لأن يُجسِدْ الكوميديان ، دور العسكري المصري المجنَدْ ، من خلال أفلامه التي يغلُبْ عليها الطابع الكوميدي ، خفيف الظل ، كي لا تنفر الناس أو تضجر من العسكرية المصرية ، فلا يتوهم البعض بأن الخدمة العسكرية بالجيش المصري،إستعباد أو مهانة .
إستمر الكوميديان الراحل في تقديم سلسلة من الأفلام التي تخص العسكرية مثل" إسماعيل ياسين في البوليس"و"إسماعيل ياسين في الطيران"وإسماعيل ياسين في البحرية"و"إسماعيل ياسين بوليس سري"وغيرها ، وهذا الدور الذي تقبَله الجمهور وكان سبباً في إضحاك وإسعاد مُحبِيه عبر العقود ، حتي تربَع بطل أفلام العسكرية علي عرش الكوميديا.
ويبدو أن عبدالناصر كان مُلهَماً مُرحِباً راضياً عن إعلام عصرِهْ ، الذي سانده بقوة وخاصة أهل الغناء والطرب ، الذين توالت أغانيهم مدحاً في شخص عبدالناصر ، فتغني له عبدالحليم بأسمي كلمات المدح وكذلك تغنت أم كلثوم ، وبسبب حب الناس للعندليب وكوكب الشرق فإنهم أحبوا ما تغنَي به المطربين لعبدالناصر ، فكانت حفلات الغناء تُقام فتري الجماهير الحاشدة تصرخ عِشقاً في حب عبدالناصر!!
ورغم ذلك فإن شهود العصر وكَتَبِةْ التاريخ لمَحوا بأن المطرب الراحل محمد فوزي قد مسَهُ الضُرْ في العهد الناصري ، لتجاهله الغناء لأجل شخص الرئيس وإمتناعه عن تناوله بالمدح في أغانيه ، وقيل أن فوزي لم يكن من مؤيدي عبدالناصر ، فإنقلب عليه النظام الحاكم وقتها ، فخسر ممتلكاته وأصابه الفقر ثم المرض ثم الموت قهراً !!
ولذا فقد اُتُبِعَتْ فكرة مسايرة الأمواج طوعاً أو كرهاً في الحقبات الزمنية المتوالية ، بعدما إتجهت أنظمة السلاطين وحاشية الحكَام بدورهم المكين ، بتوجيه الإعلام نحو تمجيد أصحاب المُلك والملكوت، بل وبدأت حالة تدخُل صارمة من جانب رجال كل نظام يجئ لأجل إختيار ما يُبتغي عرضُهْ إعلامياً للجماهير!! 
حتي كثرت الأقاويل وتاهت الحقيقة وسط الأكاذيب والشائعات بأن رجال السلاطين وأولي الأمر يبعثون بتعليمات معينة لفنانيهم ومُقربيهم من أهل الفن والإعلام والصحافة ، ويأمرونهم بكتابة أو صناعة أعمال سينمائية أو مسرحية أو تليفزيونية أو إذاعية ، يكون من شأنها تجميل صور الحكومات وتمجيد القيادات السياسية ، وإبراز محاسنها والتغاضي عن مساوئها وإنكاره سقطات الحاكم وتكذيب أخطاؤه أو تبريرها ، لكسب وُد سعادة السلطان وحاشيته وخاصته، إن كل ذلك يتم بإهتمام كبير ممن الخوانين لرسالتهم الإعلامية، طمعاً في كسب وُدْ الملوك والأمراء والرؤساء والتمتع في نعمائهم وإبتغاء لمرضاتهم والتعوُذْ من سخطهم !!
وهذا يبرهن علي حِرصْ الأنظمة الحاكمة عبر العصور والعقود ، علي التحُكم في إعلامها كيفما تشاء ، لتُجبرالرعية ومساكين العقول وضيقي الأُفق والمُعدَمين فكرياً علي إتباع سياستها وتقبلها والإرتضاء بها ، وللأسف فإن أي إعلامي يتصف بصفات الكذاب الأشر ، تجده ذو ملكة لإقناع البُسطاء الجُهلاء والمنعزلون عن السياسة بحُسنْ تمثيله الزائف ، إذا ما ظهر باكياً أو ضاحكاً علي شاشة التلفاز، وربما يظهر ذلك الإعلامي منفعلاً أوغاضباً أو مسترخياً أو تقياً وَرِعَاً وكأن لسانه من حلاوته ، في شفاءُ للناس من همومها وتفريج لكروبها ، وهو ربما يدَعي ما ليس بحق ولا حقيقة !!
ومِنْ هؤلاء الإعلاميين ، مَنْ يغضب أمام الكاميرات فقط ، ثم يُظهرغير ما يُبطِنْ من حقائق لتزيين مواصفات وصفات وطِباع السلطان ، أما كاميرات التصوير فهي بالطبع ، لا تُصور نوايا أهل الإعلام  ولا تلتقط خبايا قلوبهم وما تحويها ولا تُظهر ما تُكِن صدرورهم !
نعم..إن لوجوه الإعلام لقوة ساحرة ، ساندت سالفاً ولا تزال تُساند الأنظمة السياسية وتُبارك ما فيها وما ليس فيها من كرامات وفتوحات وإنتصارات، وليعلم منَ لا يعلم بأن هذا الإعلام ليس له سلطان إلا علي الفارغين من الحقيقة ومعدومي الثقافات ومحدودي المعارف، وكذلك الذين قتلتهم السلبية وآثروا أن يتولوا إلي الظل!!
ولعلي أُصيب أو أُخطئ القول بإعتقادي أن حِفنهْ من رجال الإعلام الموجَهْ وكذلك شيوخ الإعلام ونسائه وصبيانه ودخلائه ومرتزقيه ، جميعهم ذوي قوي خارقة وألسنة تارةً مُحلاه بالمدائح وتارةً أخري مُلطَخه بالنفاق والرياء ، تراقبهم يظهرون مُتجملين بعبارات معينة يخشون التهلكه إذا ما ذلَتْ ألسنتهم بما يُغضب السلطان أو يُفزعُهْ أو يمنعه من النوم أو يفضح سياسته وقلة درايته !!
إنهم يثنون بالشكر علي السلطان وأتباعه ومن والاه ، ويسبُون و خصوم السلطان ومعارضيه ولو كان أهل المعارضة علي بينةٍ وبيان..إنَ منهم ذوي همزاتْ ولمزاتْ ، وقد يُلبسوا الحق بالباطل ، ربما طواعية لعِليةْ القوم وإتقاءً لبشطهم ،وإلا هَلَكُوا وحُرِمُوا من حدائق وأعناب حضرة السلطان !!
[email protected]