الشبكة العربية

الثلاثاء 14 يوليه 2020م - 23 ذو القعدة 1441 هـ
الشبكة العربية

من ذكريات الزمن الجميل..

عالِمٌ غيرُ عربي يرشدنا إلى دقائق البلاغة القرآنية

تفضل أخي الحبيب وصديقي القديم الشيخ أبو صهيب صفاء الضوي فأهداني مؤخراً نسخة من كتابه : (إتحاف القاري باختصار فتح الباري ) في طبعته الجديدة الأنيقة ، وقد لفت نظري وأنا أطالع مقدمة هذا السِفر القيِّم حديثَه عن بعض العلماء الذين استفاد منهم عند إعداده لهذا العمل ،أو أعانوه على إتمامه ، فذكر منهم عالماً باكستانياً غير معروف في البلاد العربية ، هو الشيخ نقيب أحمد الرباطي رحمه الله .
وقد أثار ذلك في نفسي كوامنَ الذكريات ، وأعاد إلى بؤرة الشعور ذكرى أيام جميلة قضيناها معاً – الشيخ صفاء وأنا- بصحبة هذا الشيخ الجليل ،وذلك إبَّان حقبة الجهاد الأفغاني ضد الشيوعيين في أوائل التسعينيات من القرن الميلادي المنصرم ،حيث تزاملنا في التدريس بالمعهد الشرعي لإعداد الدعاة ، ثم بكلية الشريعة ، بمدينة بيشاور الباكستانية . وكان الشيخ صفاء –حفظه الله- هو الذي أسس هذين الصرحين العلميين ،خدمةً للجهاد والمجاهدين ،وكان يتولى إدارتهما إضافةً إلى التدريس فيهما .
وكان الشيخ نقيب رحمه الله آيةً في قوة الحفظ والفهم ، وسعة العلم ،حتى كان الشيخ صفاء يقول له مازحاً : "أنت شيخ العرب والعجم والإنس والجن" . وكنا كثيراً ما نلجأ إليه فيما يشكل علينا من مسائل العلم وبخاصة علوم الآلة ، حتى إننا كنا نسأله فيما يعترضنا من مسائل النحو والصرف ، وربما من مسائل البلاغة التي نعلم أنها تحتاج إلى شيء من التذوق اللغوي ،الذي قد يصعب على غير الناطقين باللسان العربي .
وقد عرض لي ذات مرة إشكالٌ في فهم عبارة قالها الحافظ ابن كثير في تفسير قول الله تعالى في آية المواريث : ( من بعد وصية يوصي بها أو دين ).[ النساء : 11] : حيث قال رحمه الله  : ( أجمع العلماء سلفاً وخلفاً أن الدين مقدم على الوصية ، وذلك عند إمعان النظر يُفهم من فحوى الآية الكريمة ). وقد ظللت زمناً أبحث عن كيفية فهم ذلك الأمر من فحوى الآية الكريمة ، وسألت بعض أهل العلم فلم أجد جواباً شافياً ،إلى أن وفقني الله تعالى لسؤال هذا العالم الباكستاني فأجابني بجواب أراه سديداً مقتعاً .
وأحب قبل الدخول في جواب الشيخ رحمه الله أن أشير إلى أن السؤال هنا لا يتعلق بالحكم الفقهي المستنبط من الآية الكريمة ؛إذ هو بحمد الله واضح ، وهو أن من الحقوق الواجبة في التركة قبل البدء في توزيعها على الورثة أن نسدد منها ما عسى أن يكون على الميت من الديون ، وكذلك علينا أن ننفذ ما قد يكون قد أوصى به في حدود ثلث التركة كما بينته السنة الصحيحة . كما أشير أيضاً إلى أن الإجماع قد وقع كما ذكر ابن كثير وغيره على أن الدَّيْن مقدم على الوصية ، بمعنى انه إذا اجتمع دين ووصية ،فالواجب أن نبدأ بأداء الدين قبل إخراج الوصية ؛حتى إنه لو فرض أنه لم يبق بعد إخراج الدين شيء فإن الوصية تسقط ولا تنفذ . وقد ورد في ذلك حديث أخرجه الإمام أحمد والترمذي وغيرها عن علي رضي الله عنه ،وفيه ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية ) . والحديث قد تكلم فيه بعض أهل العلم .لكنَّ الإجماعَ قد وقع على العمل بمقتضاه كما أسلفنا . ثم إن قواعد الشريعة تقتضي تقديم الديْن على الوصية ؛لأن الديْن حق ثابت في مال الميت ، وأما الوصية فهي تبرع محض ،فلا يعقل أن نبدأ بإخراج ما هو تبرع من الميت وإحسان ،قبل أن نؤدي ما عليه من الحقوق الثابتة .
وكل ذلك واضح ولا إشكال فيه .لكن كان الإشكال في فهم ما ذكره ابن كثير ،من أن تقديم الديْن على الوصية يمكن استنباطه بإمعان النظر في الآية الكريمة . وهذا الذي سألت الشيخ عنه فأجابني رحمه الله بأن السر يكمن في قوله تعالى : ( يوصي بها ) .
وبيان ذلك أن أوضح أولاً أن " أو" في الآية الكريمة جاءت للإباحة ، أي أن المعنى أنه إذا وجد أحدهما ( الدين والوصية ) أو وجدا معاً فإن الميراث يكون بعدهما . [يلاحظ أن " أو" قد تأتي للتخيير أيضاً، والفرق بين التخيير والإباحة ،كما  كما ذكر ابن هشام في شرح قطر الندى ( ص: 305) : أنه في التخيير لا يمكن الجمع بين الأمرين ، وأما في الإباحة فإنه يمكن الجمع بينهما ، فمثال التخيير  أن تقول : ( تزوج هنداً أو أختَها ) ، فإنه لا يمكن الجمع بين هند وأختها ، ومثال الإباحة أن تقول : ( جالس الحسن أو ابن سيرين ) ، فإنه يمكن مجالسة الحسن وحده ، أو ابن سيرين وحده ،أو مجالستهما معاً ]. لكن سواء كانت " أو" هنا للتخيير أو للإباحة ،فإنها تفيد التسوية بين ما قبلها وما بعدها .فقوله تعالى (أَوْ) يؤذن بتساويهما في الوجوب، كما ذكر الألوسي والرازي وغيرهما ،ومعنى ذلك استواء الوصية مع الديْن في كون كل منهما سابقاً لإعطاء الورثة سهامهم .
وكانت ملاحظة الشيخ رحمه الله : أن الوصية جيء بعدها بالفعل ( يُوصي ) ،بينما لم يأت ذلك في الديْن ، فلم يقل مثلاً : ( أو دين يدان به ) ،أو ( دين يكون عليه ) . ومقصوده أن مجيء الفعل ( يوصي ) بعد ذكر الوصية يشعر بأنها أضعف من الدين ، أي أنها -لكي تتساوى بالدين - لا بد لها من شيء آخر يسندها ويقويها ، وهو الفعل ( يُوصي) ، وأما الديْن فإنه قوي بنفسه لا يحتاج لشيء يعضده ويقويه . فلما كان أسلوب الآية مشعراً بضعف الوصية بالنسبة للدين ، كان في ذلك تلميحٌ إلى تقديم الدين على الوصية . ولذلك فإن المواضع الأخرى التي ذكرت فيها الوصية والدين ،قد جاءت فيها الوصية أيضاً متبوعةً بالفعل المقوي لها ، بينما لم يحتج الدين لذلك ؛ففي ميراث الأزواج من زوجاتهم قال : (  من بعد وصية يُوصِين بها أو دين ) ، وفي ميراث الزوجات من أزواجهن قال : ( من بعد وصية تُوصون بها أو دين ) ،وفي كلالة الإخوة لأم قال : ( من بعد وصية يُوصَى بها أو دين ) . هذا حاصل ما ذكره الشيخ نقيب الرباطي رحمه الله تعالى . وهو شيء يُذكِّرنا بما يُسمى في علم الكيمياء "وزن المعادلة " : أي التصرف في عدد بعض الجزيئات في طرفي المعادلة ،بحيث يكون عدد الذرات الداخلة في التفاعل الكيميائي مساوياً لعدد الذرات الخارجة منه .
فسبحان الفتاح العليم ،الذي يفتح لبعض عباده من أبواب العلم والفهم ،ما لا يفتح لغيرهم ،( يؤتي الحكمةَ من يشاء ومَن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكر إلا أولو الألباب ).[ البقرة : 269]
تتمة : فإن قيل ما الحكمة في كون الوصية ذُكرت أولاً ،مع كونها تؤخر بعد الدين كما ذكرنا ؟ قلنا : من أقرب ما قيل في ذلك ما ذكره  الرازي في تفسيره الكبير والألوسي في روح المعاني ،وخلاصته : أن الوصية مظنة التفريط من الورثة ؛لأنها مالٌ يؤخذ بغير عِوض كالميراث ، فلذا كان إخراجها شاقاً على نفوسهم ، أما الديْن فإن نفوس الورثة مطمئنة إلى أدائه ، فلهذا قدَّم الله ذكر الوصية على الديْن في اللفظ ،لإظهار كمال العناية بها ،وبعثاً للنفوس على أدائها ، وترغيباً في إخراجها . وفي المسألة اجتهادات أخرى يمكن الرجوع إليها في مظانها من كتب التفسير . والله تعالى أعلم .

 

عبد الآخر حماد
عضو رابطة علماء المسلمين

 

إقرأ ايضا