الشبكة العربية

السبت 29 فبراير 2020م - 05 رجب 1441 هـ
الشبكة العربية

رجال لا تنساهم شعوبهم!

في ذكرى وفاته ، الشعب الألماني كله حكومةً وشعبا, من كبار المسئولين في الدولة الألمانية إلى المواطن البسيط العادي حزن لوفاة مستشار المانيا السابق هيلموت شميت.
هذا الرجل قد أستطاع أن يمتلك قلوب الشعب الألماني كله وذلك للأسباب التالية
- عمل وساعد على ترسيخ الديمقراطية في ألمانيا
- أحترم الدستور وعمل على تطبيقه
- استمر في عهده وامتدادا لعهد المستشار فيلي برانت وأستمر بعدهما حرية تكوين الأحزاب حتى الدينية منها, وأعطي للشعب الحرية المطلقة في اختيار من يمثلهم عبر انتخابات حرة نزيهة, واستطاع الجميع أن يتمتع ويستنشق الحرية
- لم يقمع رأي ولم يضيق على الحريات العامة والخاصة
- كان يحرص على تماسك الشبكة الاجتماعية (الغطاء الاجتماعي) لتصل المساعدات المالية من الدولة إلى غير القادرين, وبذلك حافظ على كرامة الإنسان الألماني, و حماه من التسول والانزلاق إلى الانحراف وارتكاب الجرائم, وبذلك قلت الجريمة.
- حافظ على الغطاء الصحي والذي عم الجميع, ليحصل غير القادر على نفس المستوى من العلاج كالقادر تماما.
- رسخ كما نص الدستور دولة القانون
دستور حدد لكل فرد في المجتمع الألماني من رئيس أو مستشار إلى الرجل العادي البسيط حقوقه وواجباته, لا أحد فوق القانون, فالكل أمام الدستور والقانون سواء
دستور حدد مهام وزارة الدفاع والداخلية, بأن وظيفتهم هي المحافظة و حماية الدولة الألمانية والمواطن الألماني, ومن يخل بذلك ويتجاوز اختصاصه ويتعدى على حرية وحقوق وكرامة الآخرين يضع نفسه تحت طائلة القانون, ولذلك تجد المعاملة بإحترام وبالتبادل بين الجميع, لأن القانون هنا يفعل وعلى الجميع وبدون استثناء, وبعيدا عن الرشاوى والفساد والمجاملات والمحسوبية.
- الاهتمام بالتعليم والبحث العلمي, وإتاحة الفرصة للجميع, فالالتحاق بالجامعات والأكاديميات تتم حسب القدرات والدرجات المتحصل عليها, لا توجد استثناءات أو أولويات أو محسوبيات, وكذلك في التعيين, فذلك هو العدل, العدل للجميع.
- عملوا وفي اطار الدستور على فصل حقيقي بين سلطات الدولة, فلا تتوغل سلطة على سلطة أخرى.
- قانون الأحزاب, حدد ذلك الدستور وحرص كل مستشارين الدولة الألمانية بما فيهم هلموت شمت على العمل بقانون الأحزاب والذي أفسح الطريق للجميع بالانخراط في العمل السياسي وتكوين الأحزاب أو العمل من خلاله, فلا حجر لرأي أو قمع لفكرة.
- عمل على أنتقال سلس للسلطة عندما نجح هلموت كول عن حزب (CDU) أي
(Christlich Demokratische Union Deutschlands) الحزب الديمقراطي المسيحي, ولم يتشبث بالحكم أو يأتي بترزية القوانين ليفصلوا عليه القوانين التي تجعله يتمسك بالسلطة وإلى الأبد وكما هو الحال في بلادنا العربية.
ولقد تم ذلك بعد خسارة هلموت شمت عندما تم طرح الثقة عليه في البرلمان كان ذلك في عام 1982, مما مهد الطريق لهلموت كول ليتولى مستشارية ألمانيا.
حضرني مشهد وقفت أمامه طويلا مندهشا من هؤلاء العمالقة والذين يترفعون عن الذات ويعملون فقط من أجل شعوبهم, كان ذلك في عام 1982, كنت جالسا أتابع البوندستاك ( Bundestag)أي مجلس النواب, كانت الجلسة مخصصة للاحتفال بوداع المستشار هيلموت شميت من ألمستشاريه, وإثناء إلقاء هيلموت شمت لكلمته وقف أحد أعضاء المعارضة مقاطعا له محتجا, عندها هب أحد أعضاء حزب هلموت شميت وهو حزب الأس بي دي ( SPD)أي 
(Sozialdemokratische Partei Deutschlands) الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني, منفعلا عليه محتدا قائلا له (نحن هنا في احتفالية ولسنا في صدد مناقشة سياسات الدولة, عليك أن تراعي ذلك),
عندها صمت هلموت شميت برهة حتى هدؤوا, ثم قال بلهجة جادة صارمة مشيرا بسبابة يده إلى عضو المعارضة الذي قاطعه أثناء إلقاء كلمته, متجها بحديثه إلى الجميع قائلا
"هذا الصوت يجب أن لا يخمد تحت قبة هذا البرلمان, ويجب أن يستمر, فاستمراره دليل على أن الديمقراطية في المانيا هنا بخير, فعلينا جميعا مسئولية المحافظة على ذلك.
وجود هذا الصوت واستمراره في البرلمان مهم لأنه يشعرنا ويعطينا دلالة قوية بأن الديمقراطية في ألمانيا بخير
صفق الجميع استحسانا لهذا المعلم الذي يعطي الدروس في الديمقراطية, ولذلك لم يبخل هلموت شمت بنصائحه حتى بعد أن ترك المستشارية, وكانوا دائما يلجئون إلى آرائه عندما يتطلب الأمر ذلك, فلم يعد هناك غنى عن آرائه.
أنبهرت من هذا المشهد وتيقنت كم هم عظماء فعلا, عظماء لأنهم يعملون من أجل شعوبهم وليس من أجلهم هم, أو من أجل أقاربهم, أو من أجل صفوة القوم, أو من أجل أصحاب الثقة فقط.
لذلك علمت, لماذا تبكيهم شعوبهم!!!!
وشعرت بألم شديد عندما شعرت بأننا في الدول العربية لا نمتلك هذا الثراء الفكري ولا نقبل بالتعددية ونرفض الرأي الآخر ونقمع الحريات ونعصف بكل من يعارضنا, ونسخر الدولة وبكل مؤسساتها من أجل ترسيخ حكم الفرد الواحد, وكأننا لا نستطيع أن نعيش بعيدا عن العبودية, وكأننا ارتضينا لأنفسنا العبودية والذل والهوان, وكأنها ثقافة زرعت بداخلنا لا نستطيع أن نتخلص منها.
يسري عبد العزيز
 

إقرأ ايضا