الشبكة العربية

الجمعة 22 فبراير 2019م - 17 جمادى الثانية 1440 هـ
الشبكة العربية

دلالات الاعتداء على الدستور المصري ونتائجه

على الرغم من أن أغلب التوقعات كانت تذهب إلى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي سيقدم على تغيير الدستور الحالي ، وأن هناك إشارات واضحة صدرت منه تكشف عن عدم رضاه عنه وقوله علنا أنه "كتب بنوايا حسنة" ، والمدفعية الإعلامية والبرلمانية الموالية له ضربت طلقاتها مبكرا تتحدث عن أهمية تعديل الدستور ، إلا أن الإعلان الرسمي عن بدء خطوات تغييره من خلال تحرك مجلس النواب مؤخرا ، فجرت موجة غضب وقلق واسعة في مصر وخارجها ، نظرا لحجم الاعتداء وشموليته ، والمخرجات السياسية والدستورية التي يمكن أن تنتج عنه وتنهي فكرة وجود الدولة ومؤسساتها من الأساس ، وتصادر كل شيء من أجل شخص واحد يحكم مؤسسة واحدة ، والباقي ظلال وخيالات لا وجود حقيقي لها .
إصرار السيسي على تغيير الدستور الآن ، وليس غدا ، رغم أن أمامه ثلاث سنوات ونصف تقريبا في فترته الرئاسية الثانية ، يكشف في حقيقة الأمر عن الخوف من المجهول ، والخوف من الغد ، وضعف الثقة في المستقبل ، وغياب اليقين باستقرار سفينة الحكم ، وبالتالي هناك حالة من التشنج و"القفش" الشديد على مفاصل كل شيء بدافع الخوف ، والرغبة في مصادرة كل شيء ، والسيطرة على كل شيء ، وعدم ترك أي مساحة لأي جهة على الإطلاق للتحرك أو التنفس ، فالحركة والنفس لا يصدر إلا منه أو بإذنه ، فالخوف ـ في الحقيقة ـ هو الذي يحكم مصر الآن ، سلطة وشعبا .
باستثناء الفترة العصيبة التي حدثت في سنة حكم الرئيس الأسبق الدكتور محمد مرسي نظرا للانقسام الذي شهده الشارع عقب ثورة يناير ، لم يحدث أن ولد رئيس للجمهورية كل هذا الاضطراب والغضب والانقسام الوطني الحاد خلال أعوامه الأربعة أو الخمسة الأولى في الحكم ، كل المشكلات تظهر عادة في النهاية ، والسنوات الأخيرة ، حيث يبدأ التخبط وغرور السلطة والقرارات المستهترة بموازين السياسة ، السيسي وحده الذي أحدث كل هذه الجلبة والاضطراب والانقسام والغضب في سنوات قليلة ، ومن بداية حكمه ، فلم يبق له قوة سياسية صديقة أو واثقة ، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ، إسلاميين ويساريين وليبراليين وقوميين متدينين ولا دينيين ، باسثتناء شخصيات سياسية محدودة وهامشية صنعتها الأجهزة الأمنية وتوجهها وتسمح لها بقليل من غنائم السلطة .
غير أن ما حدث بعد الإعلان عن تغيير الدستور أفزع الجميع ، حتى القضاة الذين يشعرون الآن بمستوى من الخوف والتهميش غير مسبوق ، بغض النظر عن مسألة صحة بيان نادي القضاة من عدمه ، فقد نزعت التعديلات المقترحة ما تبقى من استقلالية المؤسسة القضائية ، وأصبحت أشبه بإدارة ملحقة برئاسة الجمهورية ، ويمكن له أن يفوض وزير العدل في إدارة شئونها ، كما أنه أصبح يمتلك ـ وحده ـ قرار من يرأس أي سلطة قضائية ، سواء مجلس الدولة أو الدستورية أو النقض ، باختياره هو ، وتقديره هو وحساباته هو ومصالحه هو .
التغييرات التي تتعلق بالوضع السياسي للمؤسسة العسكرية هي صيغة نمطية لنظم الحكم العسكرية في المنطقة والعالم ، وكان هذا النص الذي يجعل الجيش حاميا للدولة والديمقراطية ، قد وضعه العسكريون الأتراك في تعديل دستوري بعد انقلابهم في 1960 ، حيث وضعت مادة عرفت برقم (المادة 35 من الدستور التركي) وكانت تنص على : (واجب الجيش صيانة الجمهورية التركية وحمايتها) ، وكان هذا النص هو المستند الذي برروا به كل الانقلابات العسكرية التي قاموا بها بعده ، وحلوا بها الأحزاب وألغوا البرلمان واعتقلوا مئات الآلآف من المواطنين وأعدموا الآلاف بتصفية جسدية مباشرة أو بأحكام قضائية ظالمة وشكلية ، وأدخلوا الدولة في دوامات من الفشل الاقتصادي واهتراء البنية الأساسية وتردي الأوضاع الاجتماعية والمعيشية ، قبل أن تتمكن الحكومة الأخيرة ، حكومة حزب العدالة والتنمية برئاسة اردوغان في قصقصة ريش الجنرالات ، وتحجيم نفوذ العسكر في السياسة والاقتصاد تدريجيا ، وانتهاء بتعديل دستوري ألغى تلك المادة ، وأبدلها بنص يقول : (مهمة القوات المسلحة هي الدفاع عن الوطن التركي ضد التهديدات والمخاطر القادمة من الخارج ، وتنفيذ المهام الخارجية التي يوكلها البرلمان للجيش) .
صدرت من السيسي خلال السنوات الماضية أكثر من مرة تصريحات ، خاصة في الصحافة الأجنبية ، تحمل احتقارا للإنسان المصري وتقليلا من كرامة وحقوق الإنسان المصري ، والتأكيد على أنه يختلف عن الإنسان الأوربي ، لكن الذي حدث الآن هو احتقار الدولة المصرية هي الأخرى ، وتدميرها وإلغاء فكرة المؤسسية ، وتحويلها إلى مجرد ظل لا وجود له ، وصحيح أن السيسي كان قد صرح علنا من قبل بهذا الاحتقار للدولة عندما وصف مصر بأنها "شبه دولة" ولم تتحول إلى دولة بعد ، لكن لم يكن أحد يتصور أن يتحول هذا الوصف للدولة إلى نصوص دستورية تصادر فكرة الدولة وتدمجها في شخص واحد ، هو السيسي ، فهو ـ بموجب التعديلات الجديدة ـ مصدر كل سلطة ، ورئيس كل سلطة ، ومرجع كل سلطة.
الدستور هو تعبير عن ثقافات الشعوب ومراحل تطور الدول ، وهو متصل بميزان القوى الفعلي في الواقع ، لذلك يمكن لبعض الدول أن تمضي في حياتها السياسية والاقتصادية والقضائية والتشريعية بدون نصوص دستورية مكتوبة أصلا ، لأنها محفورة في الواقع ، كعرف قائم على توازن قوى راسخ لا يقبل اهتزازا ، بينما هناك دول تكتب فيها نصوص دستورية رائعة بالغة الرقي لكنها تعيش أسوأ الأوضاع الديكتاتورية ، فالنص إذا لم يكن يقابله واقع يحميه ويدعمه يصبح حبرا على ورق لا قيمة له ولا يحترمه أحد ، لأن هيبته مستمدة من هيبة الواقع ، والذي حدث في مصر خلال الأعوام القليلة الماضية هو أشبه بذلك ، فالدستور كان مجرد حبر على ورق ، أو أقرب إلى تنظيم إداري للهياكل والمؤسسات ، بينما حركة التشريع والتنفيذ والتوجيه السياسي لها دستورها الخاص غير المعلن .
لذلك ، ينبغي أن تكون معركة حماية الدستور التي أعتقد أنها بدأت الآن في مصر ، هي معركة مستمرة وممتدة ، لانتزاع توازنات قوى سياسية في الواقع وترسيخها ، تجعل للدستور قيمة وثمنا ، والدستور الحالي يمكنه أن يفي بذلك ويحمي ذلك ، فهو من أفضل الدساتير التي عرفتها مصر ، وفي عصور الجمهورية هو الأفضل على الإطلاق ، ولكنه دستور يحتاج إلى واقع يحميه ، ولذلك أتمنى أن تكون المعركة الجديدة ، وإن كانت تكتيكيا تهدف إلى إبطال العدوان على "نص" الدستور ، إلا أن هدفها الاستراتيجي ينبغي أن يكون صياغة "واقع" سياسي جديد في مصر يحمي الدستور من خلال انتزاع توازنات قوى جديدة ، توقف نزعات الاستبداد والديكتاتورية ، وتسمح للشعب باستعادة "سيادته" وتمنحه ثقافة وآليات وقدرات التغيير ، هذا هو التحدي .
يبقى الحديث عن الموقف من الاستفتاء المنتظر على تلك التغييرات الدستورية ، وقد انقسم الموقف الوطني المعارض ـ كالعادة ـ إلى قسمين ، قسم يرى المشاركة والتصويت بالرفض لمنع التزوير أو فضحه وحشد الناس للرفض تفعيلا للغضب الشعبي وإحياء لروح المقاومة واحتفاظا بفرصة ولو كانت صغيرة لإبطاله عبر الصندوق ، والقسم الآخر يرى المقاطعة التامة باعتبار أن المشاركة في التصويت نوع من الشرعنة للعملية وهي باطلة برمتها ولن تمنع التزوير .
بطبيعة الحال ، لكل موقف وجاهته وحججه ، وهي مسائل من الصعب حسمها في ظل العصبية الشديدة المخيمة في المجال العام في مصر ، ولكن الحد الأدنى من العقلانية الوطنية أن لا تكون مادة جديدة للانقسام الوطني للمعارضة ، وإلا فإن النظام يكون قد حقق بذلك نصرا مزدوجا ، تمرير التعديلات وتعميق أزمة المعارضة ، وإنما الحكمة تقتضي أن يحترم الجميع اختيار أسلوب المعارضة وخندقها ، وهذا جوهر الديمقراطية أيضا ، لأن مصادرة الخيار الآخر وتشويهه والطعن في شرف أصحابه هو موقف ضد الديمقراطية ، كما لا يخدم ـ بداهة ـ مصلحة الثورة أو الإصلاح .
 

إقرأ ايضا