الشبكة العربية

السبت 25 مايو 2019م - 20 رمضان 1440 هـ
الشبكة العربية

خطورة الانقلاب الدستوري الجاري في مصر الآن


من الصعب ـ منطقيا ـ أن يطلق على ما يجري في مصر حاليا تجاه الدستور بأنه "تعديلات" دستورية ، لأن حجم الاعتداء على الدستور الذي لم يمض عليه أكثر من أربع سنوات ، ومستوى الاستهتار الذي جرى به هذا العدوان غير مسبوق في عنفه واستهتاره ، وأيضا الاعتداء الصارخ على نص الدستور نفسه الذي يحظر تماما ، وبالنص الواضح والحاسم والقاطع ، أي تعديل على المواد المتعلقة بانتخاب رئيس الجمهورية ، وذلك كان موقفا صارما في 2014 يستلهم خبرة ودرس التاريخ القريب ، وحرص كل من (يستولي) على كرسي الرئاسة على تعديل الدستور على هواه لكي يبقى فيه مدى الحياة ، وغالبا ما يجد زفة من المنافقين والطامعين والانتهازيين يسوقون له شهوته مقابل امتيازات يحصلون عليه من السلطة .
الانقلاب الدستوري الحالي خطورته تتمثل في ثلاث نقاط محددة ، تتعلق بمنصب الرئيس ، وتتعلق بسلطات المؤسسة العسكرية ، وتتعلق باستقلال القضاء ، وكل ما يطرح بعد ذلك من تعديلات ـ مثل الحديث عن المرأة ومجلس شيوخ وغيره ـ هو دخان تافه لا قيمة له سوى التعتيم على المقصود الأساس من هذا الانقلاب الدستوري .
فيما يخص رئيس الجمهورية ، كان "العقد" السياسي بين الشعب والنظام يقتضي نزول الرئيس عبد الفتاح السيسي عن كرسي الرئاسة في العام 2022 ، بعد قضائيه مدتين رئاسيتين ، ولا يجوز له الترشح بعدها للمنصب ، وهي المادة التي جعلت "ترزية" القوانين يحاولون البحث عن صيغة لتجاوزها ، فطرحت ـ في عجلة التخبط ـ فكرة تشكيل مجلس رئاسي ، يرأسه السيسي مدى الحياة ، ويكون أعضاؤه من رئيس الجمهورية الجديد المنتخب والرئيس السابق ورئيس المحكمة الدستورية ، ولما كانت الفكرة بالغة الغرابة والاستهجان ، رأوا أن يمزقوا نص الدستور ويعيدوا كتابته تفصيلا على مقاس الرئيس الحالي .
كما طرح مقترح مد الفترة الرئاسية الحالية للرئيس ، وهي أربع سنوات ، والتي انتخبه الشعب على أساسها ، لتصبح ست سنوات ، كما تم وضع مادة أسموها "انتقالية" بمعنى أنها مفصلة على مقاس الرئيس الحالي ، تسمح له بالترشح من جديد في فترة رئاسية ثالثة ، ست سنوات أخرى حسب التعديل الجديد للفترة الرئاسية ، رغم أن النص الذي عدلوه يمنع ذلك ، ولكنهم أجازوها استثناءا للرئيس الحالي ، وهذا أسلوب من احتقار الناس واحتقار الدولة واحتقار الدستور لا سابق له ، كما أنه توجه يمنع التداول السلمي للسلطة ، ويعيد الدائرة المغلقة السابقة ، التي تجعل نقل السلطة غير ممكن إلا عن طريق الانتزاع أو الانقلاب أو العزل أو الثورة الشعبية أو الوفاة الطبيعية .
فيما يخص المؤسسة العسكرية ، فإن العدوان الدستوري الجديد يحول "الدولة" في مصر إلى دولة عسكرية بامتياز ، وبشكل واضح وعلني ودستوري أيضا ، لأن المادة (200) من الدستور تنص على أن دور  القوات المسلحة هو : (القوات المسلحة ملك للشعب، مهمتها حماية البلاد، والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها) ، فأتى الاعتداء الجديد على الدستور ليضيف إليها الوظائف التالية : (صون الدستور والديمقراطية والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها، ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد) ، وهذا يعني أن السلطة السياسية العليا في البلاد أصبحت للمجلس العسكري ، وليس للشعب المصري وإرادته ، وأصبح من حق الجنرالات أن يجتمعوا لإلغاء أي انتخابات ، أو عزل أي رئيس أو الإطاحة بأي حكومة أو إلغاء أي برلمان منتخب أو محو أي حزب سياسي أو تفكيك أي مؤسسة في الدولة ، إذا رأوا أن في ذلك صونا للديمقراطية ومقومات الدولة ، وهذا يعني أن فكرة الدولة بمفهومها الحديث وبكاملها أصبحت غير موجودة ، فأصبح الحاكم الحقيقي هو قيادات الجيش ، والسلطة الحقيقية هي للمجلس العسكري ، والشرعية العليا في البلاد هي لرأي الجنرالات ، ومن حقهم الآن أن يفعلوا ما يشاؤون في البلاد والعباد بدون أي مراجعة أو منازعة أو تدخل من أي سلطة أخرى في البلاد ، فضلا عن أن فكرة السيادة للشعب تصبح لاغية بداهة .
وكان هذا النص قد وضعه العسكريون في دستور الجمهورية التركية بعد انقلاب عام 1960 ، وأصبح هو المستند لكل الانقلابات العسكرية التي جرت بعد ذلك وأطاحت بالبرلمان والرئاسة والحكومة والدستور نفسه وارتكبت مجازر دموية واعتقلت مئات الآلاف من المواطنين ، بدعوى حماية الدولة والحفاظ على مقوماتها ، قبل أن يتم إلغاء هذا النص في استفتاء قاده حزب العدالة والتنمية الحاكم حاليا برئاسة "المدني" رجب طيب اردوغان .
فيما يخص مؤسسة القضاء ، فإن العدوان الجديد على الدستور ، ألغى ـ عمليا ـ فكرة استقلال القضاء ، لأنه منح رئيس الجمهورية سلطة "تعيين" و"اختيار" رؤساء السلطات القضائية الثلاث ، مجلس الدولة ، ومحكمة النقض ، والمحكمة الدستورية ، فضلا عن أنه أصبح صاحب الاختيار والقرار في تعيين النائب العام للبلاد ، وهو الحق الذي كان محفوظا لمحكمة النقض وكان دور الرئيس شرفيا أو إجرائيا ، أي اعتماد قرار السلطة القضائية ، فضلا عن أن رئيس الجمهورية أصبح صاحب القرار والاختيار في تعيين رئيس المحكمة الدستورية ونائبه ، فضلا عن أنه أصبح رئيسا فعليا للسلطة القضائية من خلال رئاسته للمجلس الأعلى للقضاء ويمكنه ـ في حال انشغاله ـ أن ينيب عنه وزير العدل ليصبح رئيسا للمجلس ، أي أنه لم يعد هناك أي معنى لفكرة استقلال القضاء أو وجود عدالة أو شيء اسمه "سلطة" قضائية مستقلة ، فالكل أصبح رهن الإرادة السياسية للرئيس وتدخلاته ولعبة العصا والجزرة التي أصبح يملكها عليهم جميعا ، أو رهن الإرادة السياسية للمجلس العسكري الحاكم الفعلي للبلاد وصاحب المرجعية والشرعية العليا ، بموجب الدستور الجديد المقترح .
العدوان الدستوري لم ينس "حجر العثرة" الذي يشكله القضاء الإداري أمام التلاعب السلطوي بمقدرات الوطن ، على النحو الذي جرى عند بيع جزيرتي تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية ، وهي الاتفاقية التي أبطلها القضاء الإداري وأحرجت الرئيس والسلطة بشكل عنيف ، العدوان الدستوري الجديد قرر غل يد القضاء الإداري عن مراجعة اتفاقيات الدولة وعقودها في المستقبل ، وأصبح القضاء الإداري ينظر فيما يحال إليه فقط باختيار الرئيس أو الحكومة أو البرلمان ، ولا يحق له النظر في أي تشريع أو قرار أو اتفاقية إلا إذا أذن له "الأسياد" الجدد .
ما يحدث في مصر الآن غير مسبوق ، ويكشف عن سوء تقدير لفكرة الدولة ، بل واحتقار الدولة ، وإذلال الشعب واعتباره غير موجود أساسا ، وصحيح أن الدساتير في العالم الثالث تكتبها عادة الدبابات وفوهات البنادق ولا تكتبها صناديق شكلية توضع لاستكمال "الديكور" في صيغة استفتاءات هزلية ، ولكن ، حتى مع وجود "الدبابة" كانت هناك حدود دنيا لاحترام وجود الدولة ، واحترام وجود شعب ، هذا الحد الأدنى لم يعد موجودا ، تم استباحة كل شيء ، كل شيء .
 

إقرأ ايضا