الشبكة العربية

الأحد 09 أغسطس 2020م - 19 ذو الحجة 1441 هـ
الشبكة العربية

خرائط الجنرال ... وتيهاء الماريشال

لا أعتقدنى سأمل يوماً من تكرار حديثى عن ضرورة الحذر من أن تغرقنا التفاصيل حتى لتعمينا عن رؤية خرائط المحيط بنا مما ترسمه قطرات هذه التفاصيل ! ... أذكر أن الأستاذ محمد حسنين هيكل - رحمه الله - قد ذكر غير مرة فيما كتب أخبار لقاء له مع الجنرال شارل ديجول حظى به فى أعقاب ما تعرضنا له من كارثة الهزيمة سنة 1967 ... وأذكر حرص الأستاذ هيكل على استدعاء هذا الدرس الذى تعلمه من الجنرال حين رآه يذهب إلى خريطة معلقة على جدار الغرفة ليشرح لضيفه أهمية أن يقرأ الخريطة جيداً قبل أن يستسلم للشعور بالهزيمة

كان الجنرال يرى أن الهزيمة هى مجرد تفصيل ضمن سلسلة من التفاصيل التى تمر بها الأمم، وأن معرفة مواقع هذه التفاصيل على خريطة الوجود الجيوسياسى لمصر فى علاقته بالوجود الجيوسياسى لغيرها من الدول هى أولى خطوات تجاوز الهزيمة إلى ما بعدها ... ولم يكن هذا الدرس الذى تلقاه الضيف من مضيفه بغريب على جنرال فرنسى تعرف بلاده أهمية مصر منذ أن صاغ العالم والفيلسوف الألمانى جوتفريد ليبنتس رؤيته الجيوستراتيجية المتكاملة وعرضها على ملك فرنسا القوى لويس الرابع عشر، وكانت مصر هى درة التاج فى هذه الرؤية التى انتظرت نابليون بونابرت ما يقرب من قرن ونصف القرن قبل أن تجد لها صدى فى دوائر صنع القرار فى فرنسا بعد اندلاع الثورة الفرنسية بأقل من عشر سنوات !

لم يكن الجنرال ديجول غافلاً عن أهمية التفاصيل، ولا كان من تلقى عنه درس الخرائط من بعده غافلاً عنها؛ فالتفاصيل تبقى مهمة، والتغافل عنها يبقى حماقة لا تعترف بها دنيا السياسة ولا هى تسقطها من حساباتها عقول رجال الدولة إذا ما أرادوا لدولتهم ألا تسقط فى فخاخ رمال التاريخ المتحركة ... لكن الأهم من معرفة التفاصيل هو إدراك موقعها على خرائط الوجود المكانى والتاريخى والحضارى، والأهم من هذا الأخير هو استكشاف المسارات التى تربط هذه التفاصيل ببعضها البعض واستخلاص منطق هذه المسارات، والأهم من هذا وذاك كله هو امتلاك القدرة على استشراف بدائل المستقبل ومساراته المتعرجة واستخلاص الحكمة التى تعين على قسوة الرحلة : رحلة الأمة مع التاريخ !

الدول التى لا تجيد لغة الخرائط التى كان يجيدها الجنرال تنتهى بها رحلة التاريخ إلى المفازة التى يتعثر فى تيهائها الماريشال، كما يتعثر معه فيها كل الغارقين معه فى التفاصيل، العاجزين عن قراءة خرائط الوجود الإنسانى والسياسى وعن معرفة مواقع هذه التفاصيل منها ! ... فقد غرق الماريشال فى تفاصيل لم يجد أكثرها على أرض معركة الوجود فاخترعها لنا اختراعاً، ثم اختزل فى هذه التفاصيل كل منطق المعركة مطالباً الجميع بأن لا يبحثوا عن خرائط وجودهم ولا عن خرائط وجود دولتهم، فلا خرائط يستعين بها الناس إلا خرائط حكمته وإن امتلأت خرائطه بخطوط دائرية تعيد الناس كل حين إلى بداية الرحلة؛ فالمهم فى خرائط الماريشال - على عكس ما كانت الحال مع الجنرال - هو التفاصيل التى تتناثر هنا وهناك بلا أية خطوط تربط بين هذه التفاصيل أو تربط بين أىٍّ منها وبين منطق الرحلة ! ... وكأن فى التفاصيل وحدها يكمن منطق وجود الدولة الإنسانى والسياسى والتاريخى والحضارى، بل وحتى منطق وجودها المكانى الذى صار مرهوناً لحساب خرائط أخرى يرسمها من يبحثون لوجودهم عن مكان وعن تاريخ وعن منطق وجود ولو على جثة دولة عجوز تضيع فى تيهاء الماريشال بعد أن أدارت ظهرها لخرائط الجنرال ونصائحه !
 

إقرأ ايضا