الشبكة العربية

الإثنين 16 ديسمبر 2019م - 19 ربيع الثاني 1441 هـ
الشبكة العربية

خالد منتصر وعلي جمعة واقتناء الكلاب

أذكر أني قرأت منذ سنوات مقالاً للكاتب خالد منتصر ، كان عنوانه : (دفاعاً عن الكلب )، وفي هذا المقال يبدي الكاتب اندهاشه مما يصفه بالظلم الشديد الذي تعرض له الكلب -ذلك الحيوان المسكين المخلص -على يدي خطباء منابرنا وفي تراثنا الفقهي، وذلك اعتماداً على أحاديث يطعن فيها ذلك الكاتب من مثل قوله صلى الله عليه وسلم : (إذا ولغ الكلب فى إناء أحدكم فليغسله سبع مرات..). وغير ذلك من الأحاديث التي يزعم ذلك الكاتب أن الذي افتراها ونسبها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو الصحابي أبو هريرة رضي الله . لكنَّه يقول : إنه وجد أخيراً من ينصف الكلب ،وهو الدكتور على جمعة في برنامجه التليفزيوني .
وقد رددت على ذلك الكاتب يومها بمقال عنوانه : ( بل دفاعاً عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ) . وكان مما ذكرته في ذلك المقال أني لم أشاهد ما أشار إليه خالد منتصر من إنصاف الدكتور علي جمعة للكلاب ،ولا أدري كيف كان ذلك الإنصاف ،ولكني رأيت كما رأى غيري أكثر من تسجيل مرئي للدكتور على جمعة يقدح فيه في طائفة من مواطنيه ، بل يدعو إلى قتلهم قائلاً عنهم : إنهم كلاب أهل النار ،تشبيهاً لهم بالخوارج ،الذين جاء في الحديث أنهم كلاب أهل النار . كما نقلت في الرد المشار إليه قول المناوي في فيض القدير للمناوي (1/528) في معنى  أنهم  كلاب أهل النار: ( أنهم يتعاوون فيها عواء الكلاب ،أو أنهم أخس أهلها وأحقرهم كما أن الكلاب أخس الحيوانات وأحقرها) .فإذا كان الشيخ على جمعة يريد أن ينصف الكلب كما نقل صاحب المقال المذكور ،فكيف تأتى له أن يصف خصومه بهذا الوصف في معرض التحقير لشأنهم والإغراء بقتلهم؟
ثم وقفت مؤخراً على مقطع مرئي للدكتور علي جمعة يجيب فيه عن سؤال ورد إليه بشأن الكلاب . ونص السؤال  كما جاء على لسان الشيخ نفسه : (أحب الكلاب حباً كثيراً ، لأنها من أوفى الحيوانات ، فهل يجوز لي أن أقتني كلباً ؟ وهل هو نجس ؟ ) . وقد أجاب الدكتور علي جمعة على هذا السؤال جواباً مطولاً  يدور كله حول نجاسة الكلب ،وأنه رغم أن الإمام الشافعي يرى أن الكلب نجس ،إلا أن شيخه الإمام مالكاً يرى أنه ليس بنجس ، وأنه بناء على ذلك يمكن للسائل الذي ابتلي بحب الكلاب أن يأخذ  بقول الإمام مالك في عدم نجاسة الكلب.
وأقول : نحن نعلم قول الإمام مالك رحمه الله ومخالفته لغيره من أهل العلم في نجاسة الكلب ، وأنه يقول بطهارته ، ولكن المشكلة هنا تكمن في أنه –أي الدكتور علي جمعة- ركَّز على مسألة النجاسة والطهارة  فقط ، وترك الإجابة على الشق الأول من السؤال ،وهو قول السائل : هل يجوز اقتناء الكلاب ؟ وذلك لأنه يعلم اتفاق أهل العلم على منع اقتناء الكلاب ،إلا ما استثني في السنة الصحيحة ككلب الصيد والحرث ونحو ذلك ، كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من اقتنى كلباً إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان ) . وفي رواية مسلم: ( إلا كلب زرع أو غنم أو صيد ) . والإمام مالك لا يخالف في هذا الأمر ،وكُتب المذهب المالكي كغيره من المذاهب تنص على عدم جواز اقتناء الكلاب إلا لمثل هذه الحاجات المذكورة في الأحاديث الصحيحة ، ومن أجل ذلك تجدهم يذكرون في أبواب البيوع أن بيع الكلب غير المأذون في اتخاذه لا يجوز بالاتفاق ، وأما المباح اتخاذه ككلب الصيد فإن المشهور في المذهب أنه لا يجوز بيعه أيضاً ،وأن ذلك هو المعلوم من قول مالك وأصحابه كما في حاشية الخرشي على مختصر خليل ( 5/ 280) وغيره من كتب المالكية. ومعنى ذلك أنهم يقولون بأن مِن الكلاب ما هو مأذون في اتخاذه ،وهو ما استثني في الأحاديث المذكورة ، ومنها ما هو غير مأذون في اتخاذه وهو باقي الكلاب .  
وللأمانة العلمية أذكر أن ابن عبد البر من المالكية كان يقول بكراهة اتخاذ الكلاب فقط ،لا حرمتها كما في كتابه التمهيد ( 14/ 221) ، لكن رد قوله هذا الحافظ ابن حجر في فتح الباري ( 5/ 8) فيمكن لمن شاء مراجعته هناك .
والمقصود أن إهمال الشيخ الإجابة على هذه الجزئية سوف يجعل السائل يفهم أنه لا مشكلة في اتخاذ الكلب ، لأن الشيخ قد حلَّ له مشكلة الطهارة والنجاسة ، ولم يذكر له شيئاً في مسألة اقتناء الكلب لغير حاجة ، ولو كان ذلك حراماً أو حتى مكروهاً لنبهه إليه .
ونحن نعلم أن كثيراً من الناس في بلادنا – وبخاصة الطبقات الغنية- قد صاروا مولعين باتخاذ الكلاب ،وشرائها بأغلى الأثمان ،وتدليلها ،وإنفاق الأموال الطائلة عليها ، لا لغرض من الأغراض المشروعة التي وردت في الأحاديث ، وإنما للهو واللعب والتقليد الأعمى لغير المسلمين ، فكان من أوجب الواجبات على أهل العلم إرشاد المسلمين ونصحهم بترك ذلك ، لا إعطاؤهم الفتاوى الفضفاضة التي تزين لهم الاستمرار في تلك المخالفات الشرعية .
ولست أقصد بحديثي هنا مجرد الكلام عن هذه المسألة بخصوصها ، وإنما المقصود الحديث عن منهجٍ صار للأسف سمة لكثير من المتصدين للفتوى في بلادنا ،يتمثل في مسايرة أهواء الناس والبحث لهم عما يوافق أهواءَهم  ورغباتِهم ، بدعوى التيسير على الناس ، ولو كان ذلك بليِّ أعناق النصوص أو الالتفاف حولها.
ولا شك أن ديننا الحنيف هو دين اليسر ورفع الحرج ، وأنه برئ من كل تشدد وتنطع ، ولكن -كما يقول الشيخ حسنين مخلوف رحمه الله- : ( مِن الناس من لم يفقه المعنى الصحيح ليسر الإسلام ،فراح يتحدث عن سماحة الإسلام بما يقضي بأنها مجاراة الشهوات ،وإقرار العادات ، مع أن قليلاً من الفهم في كتاب الله تعالى وسنة رسوله يدل دلالة ظاهرة على أنهما حاربا الشهوات الباغية ،والعادات الذميمة ،التي يأباها الخلق والفضيلة والمصلحة الظاهرة ) [من مقال له بمجلة لواء الإسلام عدد رمضان 1376هــ ].
وأخيراً فإن هذا الذي تعاطف مع شخصٍ يحب الكلاب ، وأفتى له بالرأي المتسامح الذي لا يرى نجاسة الكلب ،هو نفسه الذي أفتى بقتل أناسٍ من المسلمين ، وذلك لتطهير المجتمع – بحسب قوله- من رائحتهم النتنة . فيا هذا : اتَّسع تسامحك وتساهلك للكلاب ومَن يحبون الكلاب ، ولم يتسع لأناسٍ قد تكون اختلفت معهم في بعض آرائهم ، لكنهم في النهاية بشر من بني آدم ، لهم حقوق لا أظن عاقلاً يماري في أنها أكبر من حقوق الكلاب . أوَ ما كان يسعك أن تعتبرهم مثل تلك الكلاب فتتغاضى عن رائحتهم -التي زعمتَ -كما تغاضيت عما قرره جمهور أهل العلم من نجاسة الكلب ؟ أو على الأقل أن تكتفي في إزالة تلك الرائحة المزعومة بما دون القتل والضرب في المليان بحسب تعبيرك أنت ؟.
 
 

إقرأ ايضا