الشبكة العربية

الخميس 12 ديسمبر 2019م - 15 ربيع الثاني 1441 هـ
الشبكة العربية

جمال خاشقجي الباحث عن التوفيق بين الإسلام السياسي والديمقراطية


اختلفتُ مع جمال خاشقجي حول كافة القضايا السياسية تقريبًا، لكننا اتفقنا على شيء واحد: أن العالم العربي قد تغير بشكل جذري بطرق جعلت الأنظمة القديمة غير قادرة على الحكم. اتفقنا على أن التحول إلى الديمقراطية كان هو السبيل الوحيد للمضي قدمًا، لكننا اختلفنا حول معناه. اتهمتُه بتبني نسخة من “الأغلبية الإسلامية” للديمقراطية، حيث تبرر الانتصارات الانتخابية قمع الأقليات وتآكل الحقوق الفردية. لقد اتهمني بتبني نسخة “استبدادية علمانية” للديمقراطية، حيث تبرر الليبرالية قمع الأغلبية الإسلامية.


في عام 2012، أعلن الرئيس الإسلامي المصري محمد مرسي أن قراراته فوق المراجعة القضائية وأجرى استفتاءً على دستور ينتهك التزاماته السابقة بالشمولية. بالنسبة لجمال، كان مرسي رئيسًا منتخبًا يواجه ترسيخ النظام القديم في القضاء. كان يأمل جمال أن تكون هذه الإجراءات مؤقتة وتفتح الطريق لإقامة ديمقراطية حقيقية. بالنسبة لي، لم يكن هذا أقل من انقلاب دستوري أزال العقبات الأخيرة أمام الأسلمة على غرار إيران. اختلفنا بكل مرارة.


في عام 2013، أطاح القائد العسكري المصري عبد الفتاح السيسي بمرسي وشكّل حكومة مؤقتة احتفظ فيها بمنصبه كوزير للدفاع. بالنسبة لي، كانت الإطاحة بمرسي، مثل إزاحة الرئيس المصري حسني مبارك في عام 2011، رداً على مطالبات الملايين من المحتجين بتغيير النظام. على الرغم من أن هذا التدخل قام به الجيش، إلا أنني آمل أن يبدأ انتقال جديد نحو الديمقراطية الحقيقية. بالنسبة لجمال، لم يكن هذا أقل من انقلاب عسكري استخدم التحول الديمقراطي كغطاء للعودة إلى الاستبداد. مرة أخرى، اختلفنا بكل مرارة.


منذ ذلك الحين، غرق العالم العربي – بما فيه مصر – في إخفاقات أعمق. في أفضل الأحوال، نجت الأنظمة الاستبدادية المحافظة وتمكنت من تجاهل مطالب التغيير. في أسوأ الأحوال، دمرت الحروب الأهلية البلدان بعنف لا يوصف. في الوسط، وقع جمود هش.


بالنظر إلى الاختيار بين العنف الفوضوي والسلطوية، اختار معظم العرب واللاعبين الخارجيين الأخيرة. أنا وجمال شعرنا بالفزع. واصلنا الكتابة عن مطبات العودة إلى الاستبداد، محذرَين من أن هذه الأنظمة التي تبدو مستقرة كانت تجلس على براميل من البارود. إن إضفاء الطابع الديمقراطي فقط هو الذي يمكن أن ينزع فتيل هذا الوضع المتفجر ويسمح للعالم العربي بالتقدم نحو الحياة الطبيعية. على الرغم من أننا واصلنا الاختلاف حول معنى الديمقراطية في الواقع، فقد تمكنا من التواصل. كان الشيء الذي أثار اهتمام جمال هو أنه استمع حقًا وانعكس عند مواجهته لوجهات نظر متعارضة. عبر الفجوة التي تفرقنا، تمكنا من المناقشة، وليس فقط الجدال، وإيجاد أرضية مشتركة.


عندما انتقل جمال إلى واشنطن، كنتُ قد استقررتُ بالفعل في دارتموث. كان من المفارقة والوضوح أن كلانا انتهى بنا المطاف في الولايات المتحدة. لقد أصبح حكام العالم العربي غير متسامحين مع الديمقراطية بأي شكل من الأشكال. ومع ذلك، لم نرفض خلافاتنا. على العكس من ذلك، أدركنا أن سد مفاهيمنا المختلفة للديمقراطية أمر حيوي للمستقبل. ما لم يتمكن الإسلاميون والليبراليون من الاتفاق على العلاقة بين حكم الأغلبية والحقوق الفردية، فلن نتمكن أبدًا من التعايش السلمي – ولن نحقق في نهاية المطاف حكم الأغلبية أو الحقوق الفردية. سوف يكون الديكتاتوريون قادرين على مواصلة تبرير سلطتهم الاستبدادية من خلال القول إن هناك حاجة للحفاظ على السلام بين معسكرين لا يستطيعان الاتفاق على أساسيات التعايش السلمي. وسوف يكونون على حق.
لذا اقترحتُ أنا وجمال على محطة تلفزيونية باللغة العربية في واشنطن أن نشارك في استضافة برنامج يناقش فيه الليبراليون والإسلاميون هذه القضايا، بهدف إيجاد أرضية مشتركة. لكننا مشغولان بحياتنا: لقد كان يفكر في بناء مركز أبحاث مؤيد للديمقراطية، بينما كنتُ أدرس بؤس الشرق الأوسط. الشيء التالي الذي سمعته كان رسالة من صديق يخبرني أن جمال دخل القنصلية السعودية قبل ساعات قليلة ولم يظهر بعد.


هذا ليس عزاءً لجمال خاشقجي. هذا المقال لا يدور حول حشمته أو نزاهته أو جريمة قتله المخيفة. إنه مجرد تذكير بالوعد الذي قدمه جمال: الفرصة للتوفيق بين الإسلام السياسي والديمقراطية الليبرالية. ما زال أمامنا العمل المطلوب لتحقيق هذا الوعد. أولئك الذين يدافعون عن إرساء الديمقراطية في العالم العربي لم يتفقوا بعد فيما بينهم على كيفية تحقيق التعايش المثمر بين الديمقراطية والإسلام. لكن ما لم يفِ هؤلاء منا الذين لم يُقتَلوا بعد بهذا الوعد، فإنّ الكثير من العرب سيحتاجون إلى عزاءات.


ديبلوماسي وأديب مصري وأستاذ زائر في كلية دارتموث ـ الولايات المتحدة
المقال نقلا عن الواشنطن بوست .


 
 

إقرأ ايضا