الشبكة العربية

الأحد 15 سبتمبر 2019م - 16 محرم 1441 هـ
الشبكة العربية

ثورة يناير .. من البكائيات إلى مشروع الخلاص

في الخامس والعشرين من شهر يناير كل عام تتجدد ذكرى أهم وأجمل ثورة شعبية قادها الشعب المصري ونخبه الجديدة من شباب الطبقة الوسطى المثقفة ، وهي الحدث الأعظم منذ تأسيس الجمهورية ، وكانت قد بدأت ضد حملات الخوف والفقر ونزعة التوريث للسلطة ومصادرة إرادة الشعب بانتخابات مزورة ، ثم تصاعدت إلى مستوى المطالبة بإنهاء الديكتاتورية المهيمنة على مصر بمكونها العسكري منذ حركة الجيش في يوليو 1952 ، والدعوة لتأسيس دولة مدنية ديمقراطية تحمي قيم الحريات العامة والعدالة بكل أبعادها القضائية والاجتماعية والتداول السلمي للسلطة .
نجحت ثورة يناير نجاحا مذهلا في إسقاط نظام مبارك ، رئيس الجمهورية وحزبه الحاكم والبرلمان والحكومة والدستور وشبكات المصالح الأمنية والاقتصادية التي أصابت الوطن بالعفن طوال عقود طويلة ، لكن التنازع بين قوى الثورة ، والمرارات التي اتسع نطاقها مع الوقت ، وبروز الايديولوجيا وانقساماتها ، وغياب قاعدة إجماع وطني تشكل عقدا سياسيا مقبولا من الجميع ، سمح لبقايا النظام القديم بالتخطيط لاحتوائها ثم سحقها تماما واستعادة السلطة بنمطها الاستبدادي بمكونه العسكري ، والتنكيل بكل مكونات ثورة يناير وتياراتها ، والثأر من كل من شارك فيها ، وبقسوة مفرطة على أمل أن تنهي أي أمل في إحيائها أو جعل مجرد التفكير فيها مغامرة ومخاطرة غير مأمونة العواقب .
لم يمض وقت طويل بعد تحرك الجيش واستيلائه على السلطة في 3 يوليو 2013 حتى استبانت الصورة كاملة أمام مختلف التيارات الوطنية ، لقد هزمت ثورة يناير ، ونظام يوليو استعاد السلطة ، والثورة المضادة بدأت خطواتها لمحو أي آثار لثورة يناير ، في الإعلام والقضاء والبرلمان والأحزاب والشارع والنقابات وغيرها ، غير أن الصدمة كانت مربكة للجميع ، وتسببت في حالة من فقدان التوازن وما يشبه الشلل السياسي وغياب القدرة على التفكير أو الإبداع السياسي لمواجهة التحول الجديد الخطير ، كان الجميع في حالة ذهول وإحباط .
المشكلة الآن أن هذا الإحباط وذلك الذهول طال مداه ، حتى تحولت ذكرى ثورة يناير كل عام إلى بكائيات على "الزمن الجميل" والثورة الرائعة التي ضاعت ، وميدان التحرير بملايينه المذهلة ، وعلى الفرصة التي خسرها الوطن ، وهي مشاعر نبيلة ومخلصة ، وهي في حد ذاتها جيدة ومطلوبة للتذكير دائما بالثورة التي يراد لذكراها أن تموت ، حتى أن التعليمات صدرت للإعلام بمختلف مكوناته بتجاهلها تماما ، رغبة في نسيانها ودفنها مع الزمن .
لكن الخطأ يأتي من تحويل الذكرى إلى مجرد "بكائيات" على الثورة ، دون أي جهد حقيقي جاد وعميق وعملي لإبداع أفكار جديدة تحيي الأمل في استعادة الثورة أو استعادة جزء من منجزاتها للبناء عليه ، أو على الأقل كيف نحمي ما تبقى منها ولو كان دستورا يحفظ الحريات وضمانات التداول السلمي للسلطة وتوازن السلطات في حدها الأدنى ، حتى الآن ، ورغم مرور أكثر من خمس سنوات على ضياع الثورة ، ما زالت القوى السياسية مشتتة وذاهلة ومحبطة ، وأسوأ من ذلك ، ما زالت تمارس هوايتها الطفولية البائسة القديمة في الاصطياد السياسي وتبادل الاتهامات عمن كان المسئول عن ضياع الثورة ، والتراشق بالمعايرات والتذكير بالتحالفات الخلفية مع مكونات النظام القديم وخاصة الجيش من كل طرف لمحاولة الاستقواء به على الطرف الآخر ، حتى انتهى الأمر بأنه التهم الجميع بلا استثناء .
كل هذا الذي يجري ، سواء البكائيات التي طالت ، أو التشرذم ، أو تبادل الاتهامات والمعايرات وحتى الشماتة غير الأخلاقية في الآلام التي يسببها النظام لهذا الطرف أو ذاك ، لن ينقذ الوطن ، ولن يعيد الثورة ، ولن يفيد أي طرف على الإطلاق ، ولن يحقق أي مصلحة سياسية مهما كانت صغيرة لأي مكون من مكونات ثورة يناير ، كل ما يفعله أنه يعمق الأزمة ، ويزيد هوان القوى السياسية هوانا ، ويزيد ضعفها ضعفا ، بالقدر الذي يمنح النظام الجديد المزيد من القوة والسيادة والاطمئنان والدعم ، والحقيقة أن أي جهد ـ سواء كان عن عمد أو جهالة ، بحسن نية أو بسوء نية ـ في هذا الاتجاه هو خدمة لمنظومة القمع ، ومساهمة في قتل ثورة يناير وتدمير ما تبقى منها ، وتدمير آمال المجتمع نفسه في الحرية والعدالة والكرامة ، أيا كانت المبررات التي يستخدمها نشطاء أو إعلاميون أو صحفيون أو غيرهم ، لنشر هذه التراشقات والتحرشات وروح الشماتة والانقسام ، هي ـ في المحصلة ـ تآمر جديد على ثورة يناير وعمل عدواني ضدها .
المؤمنون بثورة يناير اليوم بالملايين ، والسياسات ـ الاقتصادية والأمنية ـ التي شهدتها مصر خلال السنوات الأخيرة زادت من الوعي ، وإن كان مكبوتا أو غير قادر على التعبير ، لكن إدراك نمو هذا الوعي الثوري الغاضب والرافض لما يجري لا يصعب تلمسه الآن في ربوع مصر ، وعلى النخبة المخلصة والجادة والعاقلة والناضجة أن تطوي صفحة البكائيات ، لتفتح صفحة المشروع السياسي الجديد الذي يؤسس لعمل سياسي سليم وجاد وعملي يمكنه استعادة روح يناير ، واستعادة خطابها التوحيدي .
مصر بحاجة إلى دراسة عاقلة وهادئة وعادلة لما جرى ، ومعرفة أخطائها بكل أمانة ، ليس كدراسة لتاريخ أو إثبات حالة أو تبرير موقف ، وإنما كأساس معرفي لحركة وطنية جديدة ، ووضع العلاجات لهذه الأخطاء بما يمنع تكرارها ، والاستفادة من خبرات الشعوب الأخرى وتجارب الدول الأخرى التي تحولت من الديكتاتورية بمكونها العسكري إلى الديمقراطية المدنية وحكم الشعب ، وفي هذا الإطار تحتاج القوى الوطنية إلى حوار عاجل وأفكار خلاقة لحل أبرز مشكلتين حاليا ، مشكلة حزمة القوانين والإجراءات الأمنية التي هدف من خلال النظام الجديد إلى خنق الحياة السياسية وشل أي حركة للشارع ونشر الخوف ، وكيف يمكن كسر هذا الحصار الخانق عمليا ، والثانية مشكلة الانقسام الأيديولوجي والفرز السياسي على أساسه ، لأنه أحد أهم أسباب الانقسام المروع الذي أضاع ثورة يناير ، وما زالت آثاره باقية حتى اليوم ، وأعتقد أنه بحل هاتين المشكلتين يمكن أن تتحقق انطلاقة جديدة ، أثق أنها ستكون مبهرة وسريعة الخطى وقريبة جدا من أهدافها الكبرى ، لأن الواقع اليوم مؤهل للتغيير أكثر من الواقع الذي قامت عليه ثورة يناير في 2011 .
 

إقرأ ايضا