الشبكة العربية

الإثنين 26 أكتوبر 2020م - 09 ربيع الأول 1442 هـ
الشبكة العربية

بدءاً من الرضاعة.. هل الصناعي سبب الجائحات الفيروسية؟

هل سأل أحدكم نفسه الامراض الفيروسية لماذا لا تسبب جائحات أو وبائيات مهلكة في قطعان الحيوانات البرية التي تعيش في الطبيعة والغابات، تتغذي وتشرب كل ماهو طبيعي خالص بدءاً بالرضاعة الطبيعية؟، ولماذا تصيب الوبائيات الفيروسية نظيراتها التي يتم تربيتها في المزارع خاصة التي تتواجد في أعداد كبيرة مثل مزارع الدواجن والمواشي أوغيرها والتي تتغذي علي نظام غذائي يعتمد أساساً علي الأعلاف المصنعة والهرمونات والعلاجات والمضادات الحيوية؟، كذلك الحال مع الإنسان، ومنذ أن إنتقل من العيش بالصيد والزراعة وعرف التصنيع بعد الثورة الصناعية وما نتج عنها من تغييرات في البيئة وأدخلت في حياته من تغييرات جذرية في نظام معيشته ومأكله ومشربه والإغذية المعلبة والمحفوظة وغيرها، مروراً بإعتماده في تغذية الأطفال علي الرضاعة الصناعية نظراً لإنشغال الزوجة بالعمل أو خشية علي صحتها ورشاقتها وغيرها من الأسباب. هذا إستخدامه  المبيدات الحشرية والسموم القاتلة وتعامله المباشر مع المنتجات البلاستيكية بصورة تفوق الوصف، وغيرها من منتجات صناعية، ناهيك عن التدخين وأضراره وشرب الكحول والإسراف فيما يضر الإنسان حتي في الغذاء والدواء، والذي أصبح معظمه يعتمد علي التكنولوجيا الحيوية والهندسة الوراثية، فهل تسبب كل ذلك في جعل الإنسان من الهشاشة والضعف بحث أصبح أكثر عرضة وحساسية للممرضات وخاصة الفيروسات؟.

أما عن الإشعاعات والتأثير السلبي لموجات الراديو والرادار والميكرويف في حياة الإنسان وما يحذرنا منه بعض العلماء فحدث ولا حرج، إجتاحت من بعدها عالم الإنسان وملكت عليه حياته فملأت الدنيا وشغلت الناس إنها ثورة الإتصالات والمعلومات ومعها أبراج شبكات الهواتف المحمولة بما تبثه من موجات كهرومغناطيسية، وأخيراً سوف تجتاحه ما يسمي بشبكات فايف جي 5G والتي يحذر منها البعض من المتخصصين في أنها سوف تجعل من الأرض تبدو وكأنها فرن أو ميكروويف كبير وسوف يؤدي لطهي البشر فيه، بمعني أنها تؤثر علي الخلايا الحية ومنها الإنسان وسوف تؤثر سلباً علي الخلايا العصبية في الإنسان مما قد يترتب عليه كهربة المخ وفقدان الإنسان تركيزه وكذلك مشاعره وإضطراب فيما يتميز به الإنسان وهو عقله، ومن الممكن كذلك أن تؤثر علي الحوامل فتعمل علي تشويه الأجنة، وكذلك أثبتت الأبحاث أنها تؤثر أيضاً علي توازن علاقات الكائنات الدقيقة الطبيعية الميكروبيوم والفيروسات الفيروبيوم في الجسم فيما نتيجته ضعف المناعة وتعرضه لممرضات خطيرة وهو ما يسببه أيضاً الحليب الصناعي عند إستخدامه بدلاً من لبن الأم، ناهيك عن إستعباد الإنسان والتحكم في حياته وجعله عبداً للعادة وتعلقاً بما يتعلق ويعتمد علي تكنولوجيا المعلومات والإتصالات.

منذ قديم الأزل والرضاعة الطبيعية معرف أنها ضرورية لنمو وغذاء الطفل فضلاً عما تسببه من إرتباط عاطفي ومشاعر حب بين الطفل والأم، الرضاعة الطبيعية تقوي أيضاً مناعة الطفل نظراً لما تمد الطفل به من أجسام مضادة تحميه من الإصابة بالعديد من الامراض مثل الحساسية أوالأمراض الأخري ومنها الفيروسية الخطيرة مثل الإلتهابات التنفسية أوالنزلات المعوية وغيرها.

عن أهمية الرضاعة الطبيعية نشرت مجلة نيتشر Nature 15 إبريل 2020 دراسة أجراها باحثون من كلية بيرلمان Perelman للطب في بنسلفانيا، كشف الباحثون فيها عن أهمية لبن الأم حتي لو حصل عليه الطفل بالقليل منه بما يحتويه من مكونات هامة ومفيدة تعمل علي حفظ التوازن الميكروبي وبالذات في مجموعات وأعداد الفيروسات وتنوعها في أمعاء الأطفال مما يترتب علي ذلك وقايته من الأمراض الفيروسية الخطيرة.

عن طريق قياس أعداد الفيروسات وكذلك التعرف علي أنواعها المختلفة عن طريق إستخدام تقنية التتابع الجيني وطرق اخري إستطاع فريق البحث من فحص عينات من براز الجنين في بطن أمه أو ما يسمي بالعقي stool-meconium وكذلك من براز الأطفال حديثي الولادة من الولايات المتحدة الأمريكية وبتسوانا، كشفت نتائج الفحص أن الاطفال وبمجرد ولادتهم مباشرة قد يتواجد في عيناتهم قليل وغالباً ما تغيب تماما الكائنات الدقيقة في أمعائهم، لكن وبعد شهر واحد من ولادتهم تتكون في أمعائهم مجتمعات من البكتريا والفيروسات يصل عددها للبليون-مليون مليون-في الجرام الواحد من محتويات الأمعاء، معظم تلك الفيروسات تعمل في بدايتها الأولي مفترسات للبكتريا أي ما يسمي بالفاجات bacteriophages  تعيش وتتطفل عليها  وتتسبب في توازن بين أعدادها بما لا يعطي فرصة لأحد الأنواع الممرضة كي تتوحش مسببة أمراض للطفل.

بعد أربعة أشهر من الولادة تبدأ مجموعات الفيروسات الممرضة للإنسان في التضاعف والتواجد بكثرة وتكثر أعدداها ضمن مجتمع الميكروبات في أمعاء الطفل او الميكروبيوم، كما أوضحت نتائج فحص عينات براز الاطفال، لكن ومع بدء الرضاعة وحصول الطفل علي اللبن من الأم، تتسبب ما يحويه اللبن من مكونات عديدة من تثبيط والقضاء علي مجتمعات الفيروسات الممرضة والخطيرة، بما يؤكد علي الأهمية الكبيرة للرضاعة الطبيعية وما تمد الطفل به من مناعة قوية ضد الفيروسات، والتي كانت أهميتها لأطفال بتسوانا بالذات كبيرة، حيث كشفت النتائج إحتواء عينات برازهم علي فيروسات ضارة، مما يعطي دلالة علي أن إختلاف البيئة والنظام الغذائي للأم قد يساعد في الحماية وكذلك في أهمية الرضاعة الطبيعية عموماً وللأطفال جميعاً سواء في أمريكا أو في أي مكان في العالم لتحميهم من الميكروبات والفيروسات الخطيرة.

لاشك أن كل ما تبدعه عقول البشر ومواهبهم من إبتكارات العلماء والمتخصصين، من تكنولوجيات متطورة والتي تمثل أهمية كبيرة في حياة وتقدمه وتحضره ورقيه، وهي بالتأكيد منح وهبها الله وإختص بها البشر دون غيره من مخلوقات حية أخري، لكن ما يفعله البشر بأنفسهم والإضرار بغيرهم جراء سوء الإستخدام أو الإسراف في أي من نتاج التكنولوجيا عموماً، فضلاً عن سوء نوايا بعض البشر وفقر نفوسهم بما يحيل حياة بعضهم لجحيم مستعر ويجعلهم أكثرعرضة للكوارث والجائحات والأمراض الجسمانية والنفسية فيعيشون جراءها في خوف وهلع كالمسوخ المشوهة لا يطالون حياة ولا موت أو ليس لديهم من روح الحياة ما يكفي للموت.   

دكتور رضا محمد طه

أستاذ الفيروسات-كلية العلوم جامعة الفيوم   
 

إقرأ ايضا